المقالات


  الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية تجربتي في المنظمات الدولية  
 

ملخص العرض الذي أسهم به د. عبد الهادي التازي عضو أكاديمية المملكة المغربية وعضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة في اليوم الدراسي حول اللغة العربية المنظم بمقر الإيسيسكو بالرباط 18 دجنبر 2012 

قبل أربع وخمسين سنة، أي يناير 1958 من القرن الماضي، شهدت مدينة فاس انعقاد المؤتمر الإقليمي الأول للجان الوطنية العربية لليونيسكو بالحضور الفعلي لجلالة الملك محمد الخامس، وكان من أبرز توصيات هذا المؤتمر عام 1958 العمل على أن تصبح اللغة العربية لغة عمل بمنظمة اليونيسكو لأن في ذلك إسهاما عمليا من المنظمة للتقارب بين الشرق والغرب

وهكذا نرى أن المملكة المغربية لم تقنع برفع رايتها على مبنى المنظمة الأممية وترى أن وجود اللغة العربية في المنتظم الدولي هو الذي يعبر عن هويتها... إن اللغة بالنسبة إلى أمتنا بمثابة شوك القنفذ الذي يحميها... والقنفذ بدون شوك يصبح فأرة كبيرة...!! 

وقد كنت سعيدا أن احضر الدورة الحادية عشرة لمؤتمر اليونسيكو بباريز في عام 1960 وأسمع باللغة العربية ما يقال عنا باللغات الأخرى.

كانت فرحتي كبيرة أن أتمكن، وأنا في قلب العالم الغربي من سماع لغة مضر إلى جانب لغة موليير وشكسبير..! كانت فرحتي كبيرة أن أتمكن، وأنا في قلب ذلك العالم الآخر من أن أعبر بلغتي عما يخالجني وأن أنقل ذلك للآخرين كما أريد...

إذن خف العبء الثقيل الذي كنا نشعر به بالأمس القريب ونحن نحاول أن نعرف عن مشاعر زملائنا أو نحاول أن ننقل إليهم ما نعيش فيه.

 وبما أنني مهتم في هذه المناسبة بما يتصل باللغة العربية خاصة، فسوف أقتصر على التجربة التي عشتها لأكثر من ثلاثين سنة حول موضوع اللغة العربية في المنتظم الدولي، وسأخصص حديثي للمؤتمر العالمي لتنميط الأسماء الجغرافية متجاوزا إسهامي في اللقاءات المتفرعة عن منظمة اليونيسكو وخاصة الندوات ببيت المقدس أنقذه الله من الرجس!.

هذا المؤتمر العالمي الهام يعتبر أهم مؤسسة عالمية دعا إلى عقدها أول مرة المجلس الاقتصادي الاجتماعي (ECOSOC) في جنيف عام 1967 من القرن الماضي، أي منذ نحو من نصف قرن...

وقد رأت المملكة المغربية بعد صدور قرار محكمة العدل الدولية بلاهاي عام 1975 حول استكمال الوحدة الترابية للمغرب حيث حضرت جلسات المحكمة بصفتي عضوا 

  AD-HOC، رأت المملكة المغربية الالتحاق بهذا المؤتمر حول تنميط الأسماء الجغرافية، في دورته الثالثة المنعقدة في أثينة: غشت، شتنبر 1977.

كانت اللغات المهيمنة على المؤتمر المذكور هي اللغة الفرنسية والانجليزية والاسبانية الخ، ولا شيء غير هذه اللغات، ونتيجة لهذا الحصار الذي كان مضروبا على اللغة العربية فقد كانت نسبة الدول العربية المشاركة في المؤتمر ضئيلة جدا إن لم نقل معدومة!! وكانت المشاركة العربية العلمية خجولة كذلك بحيث إن التقارير المرفوعة للمؤتمر كانت لا ترقى إلى مستوى التقارير التي تقدمها الدول الأخرى...

وقد حاول الوفد المغربي منذ اليوم الأول لمشاركته في هذا المؤتمر الذي وصفته منذ بداية حديثي بأنه مؤتمر هام، حاول الوفد المغربي أن تكون اللغة العربية من بين اللغات الرسمية للمؤتمر نظرا لكونها أي العربية تعتبر أصلا لغة رسمية في الأمم المتحدة... ونظرا من جهة أخرى إلى أننا نرغب في أن يفتح الباب على مصراعيه أمام إخوتنا الأعضاء في جامعة الدول العربية لكي يدلوا بدلوهم في هذا الحقل العلمي الجغرافي الذي لا ننسى دور العرب في ازدهاره عبر العصور...

كان المؤتمر العام يجتمع على رأس كل ست سنوات بينما كان الخبراء يجتمعون على رأس كل سنتين... وكانت اللغة المستعملة، على ما أشرنا، سواء بالنسبة للمؤتمر العام أو بالنسبة للخبراء هي اللغات الأخرى غير العربية...

كنت أشعر، أمام أهمية أعمال المؤتمر بضرورة حضور سائر الدول العربية، وكنت أحرر الخطابات وقتها للأمين العام لجامعة الدول العربية منبها إلى أن فائدة المؤتمر لا تقتصر على الموضوعات التقنية والعلمية، ولكنها أحيانا تتجاوز ذلك إلى الموضوع السياسي، فقد أخذنا نشعر مثلا بأن إسرائيل تحاول أن تتخذ منه وسيلة لتقنين تهويد الأسماء الجغرافية في الأراضي الفلسطينية المحتلة بل وتجعل من المؤتمر أداة للتلاعب في الحدود!!

وأمام إلحاحنا على جعل اللغة العربية لغة رسمية اعتذرت إدارة المؤتمر أولا بعدم وجود ميزانية لتغطية مصاريف الترجمة، وكان من الملفت للنظر أكثر من المشكل المالي أن المشرفين على المؤتمر أبدوا تخوفهم من أن اللغة العربية قد لا تستطيع أن تستوعب الموضوعات الجغرافية التي يتناولها المؤتمر، وأن الخبراء في المؤتمر المذكور أخذوا يشككون في مواكبة الترجمة للمصطلحات التي تطرح على المؤتمر!

وهنا سنحت الفرصة لنقدم ما يمكن أن نسميه «مرافعة» حول العطاء الثري الذي قدمه الجغرافيون العرب والمسلمون في هذا الحقل، الأمر الذي حمل زملائنا في المؤتمر على أن يرحبوا التجربة، وهكذا رددت جنبات قصر الأمم المتحدة في المؤتمر الرابع المنعقد بجنيف عام 1982 أصداء الحرف العربي لأول مرة، حيث أخذ زملاؤنا هنا يستمتعون بنبرات اللسان العربي... وهنا اتسعت دائرة المشاركين من الدول العربية من كل جهات العالم العربي.

المهم أن أبرز هنا بالخط العريض أن أعضاء المؤتمر من الأجانب بهتو من قدرة اللغة العربية على استيعاب سائر موضوعات المؤتمر بل إنها كانت تسهم في ترميم بعض الفراغات...

وقد خلق القرار باتخاذ اللغة العربية لغة رسمية للمؤتمر نوعا جديدا من الحوار العلمي الجاد بين المجموعة العربية وبين أربع عشرة مجموعة التي يتكون منها المؤتمر: فريق أمريكا الشمالية وفريق أمريكا اللاتينية، وفريق البلدان المتكلمة باللسان الألماني، وفريق أوروبا الشرقية، وفريق روسيا، وفريق آسيا الشرقية والفريق الهندي وقسم إفريقيا، وفريق المجموعة العربية بطبيعة الحال... وهكذا برهنت اللغة العربية بكيفية لا مجال فيها للشك بأنها لغة حية قادرة على التمكن من سائر المصطلحات التقنية، وسائر التعابير التي توجد في اللغات الأخرى بل وقادرة على الخلق والابتكار...

وقد أصبح من المعتاد أن تهيئ الوفود العربية تقارير ومنشورات وخرائط ونصوص قوانين من شأنها أن تجعل زملائنا الآخرين في نفس الجو الذي نعيشه نحن مع الوثيقة الجغرافية في البلاد العربية،  على نفس النحو الذي كانت فيه المجموعة العربية تستفيد من تقارير زملائنا في المجموعات الأخرى، لقد أخذنا نتوصل بتساؤلات واستفسارات من الأطراف الأخرى.

ولا يخفى ما في هذا (التبادل بين الخبرات) من فائدة جلى على موضوعات المؤتمر، بل إن هذا الحوار أخذ يتطور إلى توسيع الدائرة العربية ...

وينبغي أن لا ننسى هنا أن في صدر ما اهتم به مؤتمرنا العالمي المذكور التفكير في إيجاد طريقة مجمع عليها لأداء الحرف العربي بالحرف اللاتيني، وهنا استعملنا سائر الوسائل لإيجاد طريقة علمية أكاديمية وخاصة فيما يتصل بأداء حرف (الجيم) (والذال) (والظاء) (والغين) (والقاف)، وهي حروف كانت لها أداءات خاصة .

وعلى هذا النحو استطاع المؤتمر الجغرافي العالمي أن يجد الحرف العربي المناسب لأداء الحروف في اللغات الأخرى، وخاصة الروسية والصينية واليونانية...

وقد كان من أهم توصيات المؤتمر العالمي احترام النطق العربي للاسم الجغرافي كما هو في المصادر والمراجع العربية الأصيلة، ومن هنا أصبحنا نجد اليوم أن اسم القاهرة يرسم في الخريطة الجغرافية العالمية يحمل اسم (القاهرة) وليس (لوكير) أو كايرو!! ويحمل اسم (مكة) وليس (لاميك) الخ.

ونحن نعلم جميعا أن السبب الرئيسي الذي دفع ياقوت الحموي إلى تأليف موسوعته العظيمة "معجم البلدان" كان السبب هو الرغبة في ضبط اسم جغرافي ورد في حديث نبوي كان هو اسم (حباشة) على ما نقرأه في مقدمة المعجم...

وتقديرا من المؤتمر المذكور للدور الذي قام به الأقدمون العرب في سبيل ضبط الاسم الجغرافي وشكله وحمايته شاهدنا تخصيص جلسة بكاملها من جلسات المؤتمر للإشادة ببعض الرموز العلمية من التي أسهمت في خدمة الاسم الجغرافي، وهكذا وجدنا أعضاء المجموعة العربية يقومون إلى جانب زملائهم الأجانب بتقديم عروض تتناول الحديث عن أعلام كبار خلفوا لهم آثارا في الفضاء الجغرافي من أمثال بطليموس والأصطخري والرحالة المغربي ابن بطوطة( ).

ويبقى علي، بعد هذا، أن أذكر أن هذا المؤتمر الجغرافي يهتم أيضا بمسح طبقات القمر أيضا...! ومن هنا اقترح المؤتمر العالمي علينا، نحن المجموعة العربية، أن نرشح أسماء رموز عربية لها دور في الحفاظ على الاسم الجغرافي حتى يعطو تلك الأسماء لأجزاء من القمر... ولعل مما سيثير إعجابكم اليوم أن أقول أمامكم إن هناك فلقة من سطح القمر أصبحت تحمل اسم الرحالة ابن بطوطة، وهي التي تقع في الدرجة 7 من خطوط العرض الجنوبية والدرجة 50 من خطوط الطول الشرقية...

وأذكر هنا أن اختيار تاريخ 18 دجنبر يوما للاحتفال باللغة العربية كان يروم إلى تخليد تأريخ اليوم الذي أنهى فيه الرحالة ابن بطوطة كتابة مذكراته... وهكذا فكما اختارت يوم 20 أبريل للغة الفرنسية اعتمادا على أنه يصادف اليوم الدولي للفرنكوفونية، وكما حددت للغة الصينية 20 أبريل لأنه يصادف ذكرى سانغ جيه مؤسس الأبجدية الصينية.

وكما حددت للغة الانجليزية يوم 23 أبريل الذي يؤرخ أيضا لوفاة الكاتب الانجليزي ويليام شكسبير.

وكما حددت للغة الروسية يوم 6 يونيه الذي يؤرخ لميلاد الشاعر الروسي ألكساندر بوشكين، وكما حددت للاسبانية يوم 21 أكتوبر الذي يتزامن مع ذكرى يوم الثقافة.

كما كان مع الأعياد السالفة الذكر، حصل ان المنظمة الأممية اليونيسكو وقد سمعت بأصداء الرحالة الكبير ابن بطوطة على صعيد المؤتمر العالمي للأسماء الجغرافية التي أعطت اسم ابن بطوطة لفلقة من فلقات القمر... راجعت حياة ابن بطوطة لتقف على أن شهر دجنبر كان يصادف الاحتفال بختم مذكراته!!

ومن غير أن أترك هذا الموضوع أذكر هنا علاقة العلم الجغرافي بالاسم الشخصي الذي نعيش معه في حياتنا اليومية، تلك العلاقة القوية هي التي جعلت القوم يهتمون بأسمائنا الشخصية في كل جهات العالم! ومن هنا أصبح لنا اهتمام أيضا بالمجلس الدولي لعلوم الأسماء الشخصية المعروف في الأمم المتحدة تحت اسم:

(International concil of onomastic sciences (ICOS)

لقد أصبح هذا (المجلس الدولي) بدوره يكون إحدى المراجع الكبرى التي تشعر بها اليوم (مؤسسات المجتمع المدني): تشعر بها البلديات والجماعات التي تعنى بتسجيل أسماء المواطنين في سجلات الحالة المدنية، وفي الجوازات...

ومن منا يذكر أهمية الحرص على الأداء السليم للأعلام والأسماء في مختلف جهات العالم، وفي توثيقها سواء على صفحات الخرائط أو في أجهزة الإعلام؟وفي الوقوف على أمثالها ونظائرها في سائر القارات؟

وأذكر بهذه المناسبة كتابا صدر عام 1930 من القرن الماضي للكمندان الفرنسي كوفي (Cauve) بعنوان (البربر في أمريكا).

في هذا الكتاب وجدنا ذكرا لعدد من الأسماء العربية التي توجد في أمريكا الشمالية والوسطى والجنوبية... فكيف نفسر ذلك التواجد هنا وهناك؟ هل أن هناك هجرات مغربية أو مشرقية إلى تلك الجهات... المهم أن أؤكد هنا أن الاهتمام بمدونات الأسماء على الصعيد الدولي أخذ يفتح لنا آفاقا واسعة في باب البحث العلمي...

وهكذا أخذنا بفضل تلك المؤتمرات والمؤسسات نعنى بالعودة إلى مراجعة المصادر الأصلية التي اهتمت بذكر الأعلام الجغرافية وكذا الأسماء الشخصية في كتبنا التراثية، ولا بد أن أذكر هنا بأن علماء النحو العرب خصصوا فصولا للعلم الشخصي وكيف ينبغي أن يرتب عند النطق به إذا اتفق أن اجتمع مع كنية أو لقب على ما نحفظه في الألفية عن ابن مالك!

ولقد شعرت شخصيا بالأهمية العلمية لتلك المنظمات الدولية لا سيما عندما أخذت تستنجد بنا نحن في المجامع العربية، لنزودها بملاحظاتنا، بتعليقاتنا حتى لا تتعرض معلوماتها هي للخطأ، وهذا كسب علمي غير مسبوق على الصعيد الدولي...

أريد التأكيد على أن هذا المؤتمر يستنجد بنا اليوم لتصحيح معلوماته عنا بعد أن كان اهتمامه بنا قليلا إن لم نقل معدوما...!

إن المؤتمر يحتوي على أربعة عشر فريقا، كما أسلفنا، يطلب من كل فريق أن يقدم الاسم الجغرافي في منطقته مزودا بطريقة أدائه بالحرف اللاتيني مضبوط النطق باللغات الحية الأخرى...

ومن هنا يكون على المجموعة العربية في المؤتمر المذكور أن تقدم الأعلام الجغرافية عندنا مؤداة بحروف لاتينية لا تخل بنطقها العربي قيد أنملة، حتى يعتمدوا على ما نقدمه نحن في رسم الخرائط العالمية...

أريد القول إننا - نحن المهتمين بقضايا اللغة العربية- مطالبون أمام المؤتمرات العالمية بتوحيد موقفنا من القضايا الحضارية التي نكون نحن المستفيدين منها بالدرجة الأولى!

لقد سمعت في ذلك المؤتمر أثناء انعقاده في نيويورك أن مجامعنا العربية تعتبر بمثابة الشرطة اللغوية التي عليها أن تتحمل مسؤوليتها حول توحيد الرؤى...

في أبرز ما يقترح علينا استعمال الأرقام التي تنعت دوليا بالعربية عوض استعمال الأرقام الهندية...

كثير من زملائنا العرب يظنون أن المغاربة يكتبون الأرقام العالمية متأثرين بالوجود الفرنسي بالمغرب، وهذا الاعتقاد غير صحيح أبدا! سببه الستار الحديدي الذي ضربه الاستعمار بين المغرب والمشرق، وإلا فهي معروفة عند العالم الرياضي المعروف ابن الياسمين (ت601) بالأرقام الغبارية...

ثم ماذا مع هذه المنظمات الدولية؟ أنا أقترح أن نضيف، أمام مجمعنا، منبرا جديدا يفرض علينا نفسه اليوم أعطيته اسم (المغني عن الأسفار (جمع سفر) في الأسفار) هذا المنبر له كلمته المسموعة بين ظهرانينا... بل انه مرجع محترم نقصده عند الحاجة. (جمع سفر)

لابد أن نتحرك لنفتح عيوننا على مثل هذه المنابر لنقف على دورها في خدمة اللغة العربية وتنميتها وازدهارها، لم نعد في هذه الأيام نتقفى ما يوجد فقط في المنظمات الدولية التقليدية نحن اليوم أمام أجهزة لا يتعدى حجمها كف اليد، وأعني بها – كما أشرت - الجهاز الذي يحمل اسم "أي فون" والذي يمدنا، بسخاء، بكل ما نحتاج إليه من معلومات، هذه الأجهزة التي تقترب منا كل يوم بما يتجدد فيها من اختراعات وابتكارات وإبداعات، يجب علينا أن نغتنم فرصة قربها منا لنصلح الأخطاء التي قد تقع فيها، أن نصحح الهفوات التي تقع فيها، أن نغتنم الفرصة لكسر الحصار المضروب على معلوماتنا وعلى ذخائرنا بل يجب علينا أن نتحرك لمقاضاة الذين يرومون عمدا إسكاتنا وطمس معالمنا...

يجب أن نتحرك نحن من أجل أن يكون موقف المنظمات الدولية والمؤسسات العلمية والموسوعات العالمية يكون موقفها من لغتنا وتراثنا أكثر واقعية، وأقرب إلى الحقيقة.

لقد أصبحنا اليوم أمام منابر تنقل عنا معلومات من واجبنا أن نكون لها بالمرصاد فيما تنقله وتزود به المجتمع المدني لاسيما وقد أصبحت هي بالذات ترغب في دعمنا وترحب بإضافاتنا.

هذه المنابر الجديدة أمسى لها من السلطة والنفوذ ما يمكنها من تغيير الكثير مما نعيش عليه اليوم، ولذلك أعتقد أنه من الحري بنا أن نكسبها بتواصلنا المستمر وبمتابعتنا وبإسهامنا في تأثيث المعلومات التي تقدمها لا سيما ونحن نجد فيها كل يوم ما يقربنا للحقيقة، ويختصر طريقنا نحو الوصول إلى الهدف المنشود...

18 دجنبر 2012






 
     
  اكتشاف غير مسبوق حول رحلة ابن بطوطة  
 

هديتي إلى سائر الباحثين والمهتمين بالرحالة العالمي المعروف بابن بطوطة الطنجي، وذلك بمناسبة احتفال المنظمات العالمية والمؤسسات الجامعية،  والهيئات الثقافية مشرقاً ومغرباً بمرور سبعة قرون شمسية على ميلاده الذي كان يصادف يوم 24 يبراير  1304م (17 رجب 703ﻫ) اعترافاً بالجميل لرحلته التي تعتبر أهم رحلة في تاريخ البشرية جمعاء 

كان أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم محمد بن أحمد بن جزي الكلبي رابع أربعة من الذين كان وراء ظهور رحلة ابن بطوطة على الساحة المغربية أولا ثم الساحة الدولية ثانيا بعد تشجيع الوزير الأول ابن أودرار، وبعد أمر العاهل المغربي السلطان أبي عنان  
وقد ولد بغرناطة سنة 721 ﻫ =1321م  وأدركه أجله بفاس يوم 29 شوال 757ﻫ= 25 أكتوبر 1356م عن عمر لا يتجاوز ستا وثلاثين سنة
وقد قدر لهذا الرجل أن يجتمع بابن بطوطة في غرناطة وكان يصغره عمرا بنحو  ثمان عشرة سنة، عندما زار الرحالة المغربي عاصمة بني نصر عام 752ﻫ=  1351م
وتم ذلك في بستان الفقيه أبي القاسم محمد ابن عاصم حيث انتظمت نزهة جمعت عددا من وجوه العاصمة الأندلسية، ووجدنا أن ابن جزي يعرب عن ارتياحه كشاب للاستمتاع بالأخبار التي كان يرويها الرحالة الشيخ، ولم يتردد في الاعتراف بأنه قيد عن ابن بطوطة في ذلك البستان، أسماء بعض الأعلام الذين لقيهم الرحالة أثناء سفره وأنه استفاد منه فوائد عجيبة  
وبهذه المناسبة سأل الشاب ابن جزي الرحالة عن مولده فأخبره بأنه ولد بطنجة يوم الإثنين 17 رجب 703ﻫ = 24 يبراير 1304م
كان ابن جزي على هذا العهد في خدمة أبي الحجاج يوسف ابن الأحمر من بني نصر، ملك غرناطة الذي كان ألحق ابن جزي ببلاطه منذ عام  741ﻫ =1341م في أعقاب استــشهاد والده في وقعة طريف في نفس العام حيث كان يطرب لأدب الكاتب وفكاهته
وإذا أراد الله أمرا هيأ له أسبابه كما يقولون، فقد حدث أن تعرض الكاتب ابن جزي لظلم لحقه من ملكه أبي الحجاج في أعقاب وشاية آثمة، ولم يتحمل ابن جزي إهانة الضرب بالسوط، فالتجأ إلى فاس "مستقر الغرباء ومأوى الخائفين" على حد تعبيره (ج II، ص 138) وذلك في آخر عام 1353م حيث وجد من أبي عنان ما كان يرجوه 
ويذكر أنه شرع - وهو بحضرة السلطان- في تأليف حول تاريخ غرناطة، وأن لسان الدين ابن الخطيب، تلميذ والده، وقف على بعض الكراريس منه عام 755ﻫ= 1354م بمناسبة سفارته لدى السلطان أبي عنان عن ملك غرناطة
وعندما قرر هذا السلطان استنساخ رحلة ابن بطوطة وجعلها في متناول الناس ضاربا عرض الحائط برأي بعض الحسدة والمنافسين، لم يجد في مجلسه أفضل من الكاتب ابن جزي صاحب الخط الرفيع، خط ابن مقلة، كما نعته لسان الدين، لا سيما، وأنه أي ابن جزي سبق له، على ما قلنا، أنه اقترب من ابن بطوطة، وتعرف على مذكراته عندما تم اللقاء في بستان غرناطة
وامتثل ابن جزي أمر سيده ... وهكذا كتب له، أي لابن جزي أن يستمر ذكره عبر الأرجاء رغم عمره القصير على ما أسلفنا
كان ابن جزي – على ما ذكره مترجموه أديبا رائعا، ولذلك فقد كان خير من يختار لمهمة مثل هذه على ما كان يحتف بها من مصاعب ومتاعب
ونحن نعلم أن التأليف أي تأليف إذا اشترك فيه اثنان، وتوزعت فيه المسؤولية بين حاك وكاتب أصبح تأليفا يحتاج إلى الحيطة ... لا سيما إذا كان التأليف مثل هذه الرحلة التي قام بها شيخ جال في أطراف المعمور، والتي سجل تقييداته حولها شاب يعتمد على الحكاية والنقل ويصوغ التقاييد بأسلوبه، ولو أنه أسلوب جميل رفيع، لكنه تنقصه المشاهدة والمعايشة، علاوة على ما يثبت لنا مراجعة ابن بطوطة للتدقيق مع ابن جزي حول ما كتب، الأمر الذي لا أعتقد أنه حصل، فقد كان العمل أحاديا ولم يكن تعاقديا كما يقولون
ومن هنا توالت بعض الانتقادات على ما روى عن الرحالة ... ابتدأت من عصره كما نعرف : ابن الخطيب الذي نقل عن شيخه أبي البركات البلفيقي ما لفقه على ابن بطوطة ... وابن خلدون الذي سعى، على صغر سنه، إلى الوزير ابن أودرار لينقل إليه تناجي الناس بأكاذيب ابن بطوطة، آملا في إتلاف الرحلة 
ابتدأ الانتقاد من ذلك العصر إلى أن ظهرت حركة المستشرقين الذين يرجع لهم الفضل أولا في اكتشاف مخطوطات الرحلة، قبل أن ينتبه إليها علماء المشرق والمغرب  
ثم إنهم أي المستشرقين أخذوا يبحثون في تمحيص تواريخ الرحلة ويومياتها
ما يمكن منها وما لا يمكن. وهل إن الرحالة عند ما يتحدث عن حالة القيظ أو حالة القر 
كان يصادف فعلا فصل الصيف وفصل الشتاء ... ! وهل أن الرحالة عندما يذكر يوم الاثنين مثلا كان يتحدث عن يوم اثنين أم إنه كان يتحدث عن يوم جمعة !؟ وعندما يذكر الرحالة حاكما لبلد زاره، 
 هل إن ذلك الحاكم كان فعلا هو القائم بالأمر في ذلك البلد في ذلك التاريخ ؟ وهل أن ركوب ابن بطوطة البحر تم لأول مرة عندما أخذ المركب إلى بلاد فارس عام 727=1327م على ما تزعم الرواية(ج1 ص 18)أو إنما تم عام 730ﻫ= 1330م على ما يؤكده هو باللفظ الصريح الفصيح(ج2 ص158) وهل إن الفترة التي ذكرها لزيارة بقعة معينة، بمشاهدها المذكورة، ورجالها المعدودين ... كانت بالفعل فترة كافية لقضاء كل تلك الأغراض التي يذكرها ؟ مما يعود فيه إلى أولئك المستشرقون الباحثون إلى المؤلفات المعاصرة لتلك الحقبة لاستجلاء الحقيقة ؟. إلى آخر ما اقتنعنا به ونحن نتوفر اليوم على المصادر والمراجع
من أجل كل هذا خصصت في مقدمة تحقيقي للرحلة فصلا بعنوان الدراسات النقدية للرحلة، قصدت به أن أحمل جمهور الناس على قراءة جديدة للرحلة  
وقد كان مما جاء في آخر هذا الفصل، تعليقا على "تلخيص التقييد" – كما يسمي ذلك ابن جزي – هذه الكلمات : ذلك التقييد الذي جمعه ابن بطوطة قرابة ثلاثين سنة وقام ابن جزي بتلخيصه في أقل من ثلاثة شهور... ! ومتى كانت هذه الفترة كافية لتغطية تلك الأعوام الطوال، واستيعاب ذلك العدد الكبير من الأسماء الجغرافية والأعلام الشخصية التي مرت بذاكرة الرحالة واستطاع اختزانها عبر تلك الأحقاب؟
يقوم أحدنا في العصر الحديث برحلته في أمد معروف البداية والنهاية، ثم لا نذكر بعد مرور بضعة أيام من رحلتنا، بعض الأسماء التي مرت بنا فنأخذ في الاستنجاد برفاقنا في الرحلة، لافرق بين صغير وكبير، ولا ينبئك مثل خبير
أعتقد – كما أشرت - أن ابن جزي كان مستعجلا أكثر مما ينبغي في أداء هذه المهمة الدقيقة، وربما كان – كما أعتقد أيضا - منشغلا بمشكل صحي قد يكون "قرحة في المعدة"، وهو ما عبر عنه مترجموه بقولهم : "مات مبطونا"، وقد يكون سرطانا أصابه في أعقاب الإهانة التي ظل يتذكرها وهو يجلد بالسياط من لدن ملك كان إلى الأمس القريب يضحك في وجهه، ويعطف عليه ويستأنس به
كان مما ينسب إليه وهو في حالة مرضه ما رواه الوليد بن الأحمر  
إن يأخذ السقم من جسمي مآخذه                   وأصبح القوم من أمري على خطر  
            فإن قلبي بحمد الله مرتبط                         بالصبر والشكر، والتسليم للقدر   
          فالمرأ في قبضة الأقدار مصرفه                   للبرء والسقم أو للنفع والضرر 
ربما كنت تلك الظروف والصروف وراء تسرعه وبعثرته للمعلومات التي "أمليت" عليه أو "التقييدات" التي قدمت إليه  بل وفي الاستغناء كلية عن بعض "التقاييد"، ولا ندري – كما أسلفنا - هل كان ابن بطوطة يجلس إلى جانب ابن جزي ليراجع هذا "التلخيص" بعد تحريره، ليعطي رأيه فيه على ما أشرنا، مهما يكن، فإن الظرف القصير الذي حدد للقيام بالمهمة كان فيه إخلال بالمشروع على ما قلنا أيضا 
ولنضف إلى "انشغال" ابن جزي بأمر صحته، عنصرا ثانيا قرأناه في أثناء الرحلة، وهو الحسرة البالغة التي ظلت تجرح ابن بطوطة وهو يتحدث عن السطو الذي تعرض له في جزيرة تقع في المحيط الهندي بين هنور  وفاكنور  في ذي الحجة 745ﻫ أبريل 1345م(ج. IV، ص 206) حيث سلبه القراصنة جميع ما كان يملك من جواهر ويواقيت حتى الثياب و"الزوادات" كما يقول
ومن المهم أن نذكر هنا أنه بالرغم من القيمة المادية الهائلة لما افتقده رحالتنا في هذه الحادثة المروعة التي استحقت من أحد الرسامين الأوربيين المهرة في القرن الماضي أن يقوم بوضع لوحة لها معبرة ... بالرغم من ذلك فإنه نسي كل تلك الثروات، وكل تلك التحف ولم يبق عالقا بذاكرته إلا "التقييدات" التي كان يودع فيها معلومات عن الشخصيات العلمية التي تعرف عليها وعن التصانيف التي ألفتها تلك الشخصيات 
والطريف في هذا الحادث الكارثي بالنسبة لابن بطوطة أنه لم ينتظر التعبير عن شعوره بالمضاضة على ضياع تلك المذكرات حتى وصوله للحديث عن تلك الجزر التي وقع فيها الحادث، ولكن،  والمذكرات أمر ذو بال بالنسبة إليه، تعجل بذكر هذه المأساة للناسخ ابن جزي عندما كان يتحدث عن علماء بخارى وهو ما يزال في طريقه إلى الهند (ج III، ص 28-99-448  VII، ص 206)
وقد كان المزعج لي في دراستي هذه، أنه لم يبق لدينا بعد ما كتبه ابن بطوطة في صفر 757ﻫ = (يبراير 1356)، أقول لم يبق لنا بعد هذا، وبعد رحيل كل من يهمه أمر الرحلة، لم يبق بين ظهرانينا من نسأله !!. فابن جزي قتلته "الإهانة" التي كان يشعر بها، ولم تتجاوز به شوال عام 757ﻫ أكتوبر 1356م، مات وهو يذكر السياط التي كانت تصب عليه ظلما وعدوانا كما قال
والوزير العاقل الحكيم ابن أودرار الذي أسكت الفتى ابن خلدون وشجع ابن بطوطة على عمله، هو بدوره لقي مصرعه عندما هاجمته زبانية السلطان أبي عنان فصفوه في أعقاب مؤامرة يعلم الله وحده مدى صحتها. !!
والسلطان أبو عنان نفسه امتدت إليه أيادي وزيره حسن بن عمر الذي خنق سيده في ذي الحجة 759ﻫ= دجنبر 1358م!!
ماتوا جميعا هكذا تباعا، الواحد بعد الآخر في فترة واحدة تقريبا كما ترى، ولم يبق معنا إلا ابن بطوطة الذي كان في حكم الأموات أيضا ! لا نعرف عنه وعن أسرته أي شيء ! هل تزوج ؟ وهل أنجب ذرية جديدة ؟ لقد كان المغرب يعيش فترة الفتن بعد تصفية الحسابات، وكل الناس أصبحوا يلوذون ببيوتهم
ولم يبق ممن نعرفه غير ابن خلدون الذي اعترف في مقدمة تاريخه بأنه كان مخطئا عندما أبلغ الوزير ابن أودرار، إنها نزوة شباب !! كما لم يبق ممن نعرفه غير الخطيب ابن مرزوق الذي تمكن من الفرار بنفسه إلى مصر ... وعن طريقه وصلتنا – من مصر – آخر أخبار ابن بطوطة الطنجي ... فهو الذي بقي مصدرا لنا حول الموضوع ... وهو الذي وقف الحافظ ابن حجر (تـ 852ﻫ = 1448م) على تقييد بخط ابن مرزوق يقول فيه بالحرف على ما يرويه ابن حجر في الدرر الكامنة
"وقرأت بخط ابن مرزوق أن أبا عبد الله بن جزي نمقها أي الرحلة وحررها بأمر السلطان أبي عنان، وكان البلفيقي رماه بالكذب فبرأه ابن مرزوق، وقال : إنه أي ابن بطوطة بقي إلى سنة سبعين، ومات وهو متول للقضاء في بعض البلاد، قال ابن مرزوق : ولا أعلم أحدا جال البلاد كرحلته وكان مع ذلك جوادا محسنا
وبالعودة إلى (نفاضة الجراب) للسان الدين ابن الخطيب، نجد أن القصد ببعض البلاد التي مات فيها ابن بطوطة، هو تامسنا وكانت عاصمتها هي (آنفا)، الدار البيضاء الحالية
قلنا إن الأربعة : ابن جزي وابن أودرار وأبا عنان ومعهم ابن بطوطة قضوا جميعهم من غير أن يترك أحد لنا أثرا ولا صدى حول ظروف كتب الرحلة سوى ما قرأنا
مات المداوِي، والمداوَى، والذي                  صنع الدواء، وباعه ومن اشترى
وأمام المصير الذي ينتظرنا، نحن الباقين ! رأيت من واجبي أن أعلن عن هذا الاكتشاف الغير المسبوق – على ما أعتقد – إضافة إلى ما سبق أن نبهت إليه في تعليقاتي على تحقيق الرحلة وخاصة في "المستدركات
هذا "الاكتشاف" الذي رأيت أنه لا يجوز السكوت عنه بحال من الأحوال، لا سيما بعد أن فرضت علينا تساؤلات ملحة حول مدى صدق ما جرى وكيف جرى، ولا سيما أيضا بعد أن وقفنا وقوف عين على ما يدعم الحق ويعززه من وثائق مخطوطة
كل الذين تتبعوا زيارة ابن بطوطة الأولى لسوريا لاحظوا أنه – حسب حكايته – أنه زار عددا من المدن والجهات والمعالم والمشاهد، سواء خارج دمشق، أو داخلها، حيث جالس فيها عددا من العلماء والعالمات كذلك، ونال إجازات مكتوبة منهم ومنهن ... وقرأنا فيها أصداء عن "طاعون العصر" ... أكثر من هذا سنعرف أنه تزوج بدمشق من سيدة تركها هناك حاملا، وهي التي علم، وهو بالهند، أنها ولدت ولدا ذكرا فبعث إلى جده للأم، وكان من مكناسة المغرب، بعث له أربعين دينارا ذهبيا هنديا (ج IV، ص 315-316)
كلنا نعلم عن تلك الحركات ... ونعلم، إلى جانب هذا، من خلال "تلخيص" ابن جزي "لتقييد" ابن بطوطة، أنه أي ابن بطوطة إنما قضى بدمشق عام 726ﻫ =  1326م نحوا من عشرين يوما من شهر الصوم : فهل كانت هذه الأيام المعدودة كافية للقيام بكل تلك الحركات ؟ لقد دخل دمشق في تاسع رمضان وخرج منها في فاتح شوال على ما أشرنا 
إلى جانب هذا الإشكال، فإن الذين كانوا يناقشون ابن بطوطة الحساب، لم يقبلوا إطلاقا أن يزور كل تلك المواقع التي تصل إلى نحو العشرين موقعا ... إنهم يقولون إن زيارة ابن بطوطة لحلب لم تتم إطلاقا عام 726ﻫ، لأن الأمير ارغون الذي ذكره ابن بطوطة لم يتول الحكم بحلب إلا عام 727 ﻫ !!
فهل لم يقم ابن بطوطة بزيارة ثانية لدمشق أتاحت له القيام بكل تلك النشاطات علاوة عل ما كانت تقتضيه حالة الزواج ؟ صحيح أنه زارها عام 748ﻫ = 1348م وهو في طريق العودة للمغرب بعد غياب عشرين سنة، حيث بحث عن ابنه من زوجته التي أشرنا إليها قبل قليل...  حيث وجد أن جميع المشايخ الذين تعرف عليهم من ذي قبل، صاروا إلى عفو الله جميعا باستثناء الشيخ السخاوي الذي لم يعرف شخص ابن بطوطة إلا بعد أن قدم له نفسه وأمعن فيه النظر!! (ج IV، ص 316)
لقد صاحبنا جميعا ابن بطوطة بعد قضائه الحجة الأولى وانفصاله عن مكة يوم 20 لذي الحجة 726ﻫ = (17 نونبر 1326م) 
صاحبناه محطة محطة، يوما عن يوم وهو يسير صحبة أمير ركب عراق العرب الملقب : البهلوان (كلمة تعني البطل المغوار) صاحبناه إلى أن وصل مدينة النجف الأشرف حيث تحدث عن روضتها وقبورها ونقيب الأشراف بها : نظام الدين حسين بن تاج الدين  
وهنا – في النجف - افترق ابن بطوطة مع الركب العراقي حيث أخد هذا الركب طريق بغداد بينما أخذ ابن بطوطة طريق البصرة (جII، ص 16) 
وهو في البصرة قريب من المدينة التاريخية (الأبلة)، على عشرة أميال منها، نراه يغتنم الفرصة ويزورهذة    الأبلة على متن قارب صغير في بساتين متصلة ونخيل مظللة عن اليمين واليسار، والباعة في ظلال الأشجار يبيعون الخبز والسمك واللبن والفواكه على ما تحكيه الرحلة  I، ص 404) 
* *
هنا يفاجئنا ناسخ الرحلة ومنمقها ومحررها ... ابن جزي، بأن ابن بطوطة كان يعتزم  أن يلتحق بمدينة بغداد التي راح إليها الركب العراقي ... لكن بعض أهل البصرة، أشاروا عليه بالسفر إلى (عراق العجم)، قبل أن يزور عراق العرب (بغداد)، فعمل بمقتضى إشارتهم، تقول رواية ابن جزي 
وهكذا، نقرأ أن ابن بطوطة ركب البحر، هذا العام 727ﻫ =1327م وعبر إلى تستر زمان الحر حيث أصابته حمى على نحو ما يعرض لزائر دمشق إذا زارها الإنسان زمن الحر ثم إلى إيذج  التي يؤكد أنه وصلها أيام القيظ، الأمر الذي ينكره بشدة المعلقون، وخاصة عميد الاستشراق التشيكي إيفان هربك 
وبعد هذا، يدعي الناسخ إن ملك إيذج كان في عهد دخوله إليها كان هو (السلطان) أتابك أفراسياب، الأمر  الذي دعا المترجمان الناشران الفرنسيان الأولان إلى اختراق الخط على الناسخ، أثناء ترجمتهما، ليطلبا إلى القراء : أن يقرؤوا نصرت الدين شاه أحمد، عوض أفراسياب الذي لم يصعد كرسي الحكم إلا عام  1339م
ثم سار إلى مدينة اصفهان.  وهنا يقول الناسخ : إن قطب الدين حسين شيخ زاوية ابن سهل تلميذ الجنيد خلع، على ابن بطوطة جبة وفلنسوة ظلتا محل اعتزاز ابن بطوطة وكان اليوم يصادف 14 لجمادى الأخرة سنة 727ﻫ (7 مايه 1327م). الأمر الذي سنراه يصطدم مع المعلومة الهامة التي سنقف عليها بخط يد ابن بطوطة وهو في دمشق في هذا التاريخ بالضبط على ما سنرى، وما كان حديثا يفترى 
ومن اصفهان يقصد ابن بطوطة شيراز التي يقارنها بدمشق ... وبعد أن يحكي عن بعض مشاهدها ينتقل إلى كازرون والزيدين والحويزاء  ثم حينئذ مدينة الحلة ثم إلى كربلاء حيث مشهد الحسين بن علي ... ثم إلى بغداد التي يأخذ في وصفها (ج2 ص 100)  مقتبسا من ابن جبير الذي كان زارها قبل اجتياح المغول لها (656ﻫ = 1258  على ما أشار إليه ابن بطوطة، الذي أخبرنا بخراب المدارس (ج 2، ص 105) وأخبرنا كذلك بأنه لقي ببغداد مسند العراق سراج الدين القزويني الذي أخذ عن الشيخة فاطمة بنت الملوك وتم هذا اللقاء في شهر رجب عام 727 ﻫ (يونيه 1327م)، وذلك في جامع الخلفاء
وبعد هذا الحديث عن تاريخ بغداد وسلطان بغداد يعود الرحالة إلى ما كان بسبيله فيذكر – حسب الناسخ ابن جزي - أن نفسه تعلقت بالسفر مع محلة السلطان أبى سعيد بهادور إلى عراق العجم ليقف على "الترتيبات" التي تجري بمناسبة حركة السلطان ... ولكن من غير أن يذكر تاريخا للقيام بهذه الحركة ومن غير أن يذكر محطة من المراحل التي عودنا على ذكرها وكأنه أخذ طائرة على ما قلته في تعليقاتي 
وكل ما عرفناه عن هذه الرحلة مع السلطان أبي سعيد أن ابن بطوطة اغتنم هذه الفرصة فتقدم، بمساعدة الأمير علاء الدين، إلى السلطان الذي سأله عن بلاده المغرب ... حيث أعلم الأمير علاء الدين السلطان أبا سعيد بعزم ابن بطوطة على الحج مرة أخرى فأمر له السلطان بالزاد والمركوب، وكتب إلى أمير بغداد، حيث نرى أن ابن بطوطة يعود على التو إلى بغداد ليستوفى ما أمر به السلطان. وقعد ينتظر موعد، تحرك الركب العراقي إلى الحجاز
وهنا يقول الرحالة : "وكان قد بقي لأوان سفر الركب أزيد من شهرين فظهر لي أن أسافر إلى الموصل وديار بكر لأشاهد تلك البلاد وأعود إلى بغداد عند سفر الركب  
ويذكر أنه خرج من بغداد ... حيث نراه – وهو مولع بتقليد ابن جبير واتباع خطواته، نراه يحذو حذوه مارا بسامراء، وتكريت، إلى الموصل ومن الموصل إلى مدينة نصيبين، ثم مدينة سنجار ... ثم دارا ثم ماردين( قبل أن يفاجئنا بوجوده في بغداد حيث كان ركب الحاج العراقي على أهبة الرحيل 
وهنا نلاحظ، أيضا على نحو ما لاحظناه في رحلته إلى تبرير مع السلطان، أنه أي ابن بطوطة لم يكن حريصا على ذكر تاريخ للوصول إلى هذا الموقع أو ذاك مما كان مدعاة أيضا لتساؤل الذين يتتبعون سير الرحلة زمانا ومكانا 
ولنعد بعد هذا إلى تساؤلاتنا حول زعم الناسخ أن ابن بطوطة قام برحلة إلى بلاد العجم
ماذا عن حالة القيظ التي تحدث عنها ناسخ الرحلة وهي أيام قر ؟! وماذا عن أتابك أفراسياب الذي تحدث عنه ناسخ الرحلة مع أنه لم يحكم البلاد إلا بعد عشرين سنة ؟! وماذا عن الحديث عن الجبة والقلنسوة اللتين خلعتا على ابن بطوطة في اصفهان في تاريخ مزعوم يصطدم مع تاريخ موثوق مكتوب بخط يد ابن بطوطة يثبت أنه كان في دمشق عام 727ﻫ
طوال بضع سنوات ظللت أعيش مع المتابعات ومع التقصيات إلى أن بلغ إلى علمي وجود خط الرحالة ابن بطوطة على ورقة من تأليف يتعلق بالحديث النبوي موجود بمكتبة الأزهر.. وكنت فعلا أبحث عن خط ابن بطوطة لأقارن بينه وبين خط ابن جزي الذي وقع عليه الاختيار لنسخ الرحلة لأنه يشبه خط ابن مقلة
واغتنمت فرصة وجودي بالقاهرة لحضور أعمال مجمع اللغة العربية يوم 30/03/2002م، حيث حصلت على المخطوطة المتعلقة بالحديث النبوي، وكانت لأبي العباس أحمد بن عمر الأنصاري القرطبي دفين الإسكندرية عام 656 هـ = 1358م، وهي بعنوان )الكتاب المفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم
وهي تحتوي على وثيقتين اثنتين كتبتا بذات يد الرحالة ابن بطوطة، أولاهما بآخر المجلد الثاني وثانيتهما بآخر المجلد الثالث والأخير ... وهما معا تثبتان – كما أشرنا – أنه أي ابن بطوطة كان مقيما بدمشق على الأقل في شهر ربيع الثاني وجمادى الأولى وجمادى الثانية من عام 727
هذه المخطوطة كتبها – كما قلنا - الرحالة المغربي ابن بطوطة الطنجي بخطه. ويتأكد لي أنه كانت هناك وثيقة ثالثة في آخر المجلد الأول لكنها ضاعت مع ضياعه ! ... وهكذا وقفت على أواخر المجلد الثاني من المخطوطة، وعلى معظم المجلد الثالث وخاصة على آخر المجلد ... وهما مما نسخه ابن بطوطة تحت سماء دمشق وفي إحدى مدارسها العلمية، (المدرسة العزيزية) ولفائدة الشيخ السخاوي الذي كانت تربطه بابن بطوطة علاقات متميزة على ما ذكره هو في الرحلة ج1 ص 241



 
     
  عناوين المقالات الموجودة في مؤسسة عبد الهادي التازي وكذلك في المجلات  
 

1- شمال العراق. جريدة الفجر، بغداد، 10 غشت 1964.

2- دهاة العالم ثلاثة: الانجليز – صياد القرب – مولاي العربي الدرقاوي. مجلة: اللقاء، يوليوز 1970.

3- "صحيح الامام البخاري" بخط الحافظ الصدفي شيخ ابن سعادة. مجلة: دعوة الحق، مارس 1973.

4- حاجة الدعاة إلى مقوماة، مجلة: دعوة الحق، العدد: 1 يوليوز 1957.

5- أحد عشر قرنا في القرويين. مجلة: دعوة الحق: العدد: التاسع، مارس 1958. الجزء الثاني صادر في مجلة: دعوة الحق: العدد: الحادي عشر، ماي 1958.

6- الصواريخ الروسية ومناهج التعليم بأمريكا. مجلة: دعوة الحق العدد: العدد الأول، شتنبر 1958. السنة

7- إلى الأستاذ روم لاندو. مجلة: دعوة الحق، العدد: الثاني، نونبر 1958

8- مبادئ أصول القانون. مجلةك دعوة الحق، العدد، الثاني نونبر 1958.

9- مؤتمر الأدباء العرب بالكويت. مجلة: دعوة الحق، العدد: الخامس، فبراير 1959.

10- الأرض تتكلم، فيكتور ديك، تعريب: د. عبد الهادي التازي، مجلة: دعوة الحق، العدد: السابع أبريل 1959.

11- الدولة العلوية وإقطاعية ابن مشعل، مجلة: دعوة الحق، العدد: التاسع يونيه 1959.

12- المؤتمر الثقافي العربي الرابع، المنعقد بدمشق فيما بين 5-16 شتنبر 1959. مجلة: دعوة الحق، العدد: الثاني، نونبر 1959.

13- المؤتمر الثالث للآثار بالبلاد العربية. مجلة: دعوة الحق، العدد: الثالث، دجنبر 1959.

14- الامام داوود بن ادريس من خلال الوثائق التاريخية. مجلة: دعوة الحق، العدد: السابع أبريل 1960.

15- مدينة المحمدية الحديثة ومدينة المحمدية القديمة. مجلة: دعوة الحق العدد العاشر يوليوز 1960.

16- عثرات المنجد في الأدب والعلوم والاعلام للسفير الشيخ إبراهيم القطان. مجلة: دعوة الحق، عدد: 2/  أكتوبر 1973
17- مع ابن الأزرق في مخطوطته: بدائع السلوك في طبائع الملوك... وحديثه عن السفرة والسفراء. مجلة: دعوة الحق العدد: 7 ماي 1974.
18- عياض في فاس. مجلة: دعوة الحق، عدد: 3 / ماي 1981.
19- رواق المغاربة بالأزهر الشريف. مجلة: دعوة الحق، عدد 229 /ماي – يوينو 1983.
20- حول مصحف الأمير مولاي علي ابن السلطان سيدي محمد بن عبد الله. مجلة: دعوة الحق، عدد: 234 / مارس 1984.
21- كولميم بين الأمس واليوم. مجلة: دعوة الحق، عدد: 246 / مارس 1985. 
22- محمد الخامس في الأمم المتحدة. ألقي بندوة جمعية رباط الفتح يوم 16-20 نونبر 1987
23- الفن النصري بين غرناطة وفاس. مجلة: دعوة الحق – العدد 254/ يناير – فبراير 1986.
24- جلالة الملك الحسن الثاني في أوج الدبلوماسية العالمية. مجلة: دعوة الحق، العدد 255/ مارس 1986.
25- وثيقة دبلوماسية من أمير تونس إلى قبطان بونة. مجلة: دعوة الحق، عدد 261 / دجنبر 1986.
26- السياسة الخارجية للمملكة المغربية إزاء العثمانيين. مجلة: دعوة الحق، عدد: 264 / أبريل – ماي 1987. 
27- الاهتمام بالماء في التشريع المغربي. مجلة: دعوة الحق، عدد: 270 / يوليوز 1988.
28- مخطوطة القاضي زنيبر حول همزية البوصيري. مجلة: دعوة الحق، عدد: 271 / شتنبر – أكتوبر 1988.
29- مساعدة جلالة الملك الحسن الثاني للمسلمين في يوغوسلافيا في أول مؤتمر لدول عدم الانحياز ببلغراد سنة 1961. مجلة: دعوة الحق، عدد: 296 / مارس 1993.
30- نعناع مكناس... من خلال التأليف الطبي والصيدلي في المغرب
31- معاملة غير المسلمين من خلال الوثائق الدولية
32- تاريخ العلاقات الانجليزية المغربية

33- حول مقام جيربير دورياك بفاس ودراسته بجامع القرويين. صادر بمجلة الحرس الوطني العدد 129/ ماي 1993. مجلة القرويين العدد 5/ 1993
34- الدبلوماسية العربية الاسلامية 
35- عندما أمسى المغرب مستودع الأنوار. محاضرة ألقاها د. التازي أمام الضباط المغاربة بدمشق 30 أبريل 1974
36- تصميم المدينة من خلال الوثائق المغربية. ألقي بندوة: (المدينة في تاريخ المغرب العربي) نظمت بكلية الآداب والعلوم الانسانية بالدار البيضاء 1988.
37- حرص ملوك المغرب عبر التاريخ على تحسين نوعية الأطر... مجلة الشؤون الإدارية السنة الأولى – العدد الأول يناير 1983
38- فندق النجارين 
39- أكادير إيغير من خلال التاريخ الدبلوماسي للمغرب. ألقي بندوة مدينة اكادير الكبرى – المحور التاريخي- أبريل 1986
40- التكافل الاجتماعي في الفكر المغربي (قدم في المناظرة الأولى للتعاضد ببلدان حوض البحر الأبيض المتوسط (العيون 15-17 يوليوز 1988)
41- البحر المتوسط كقاعدة للإخاء والسلام
42- دور المغرب في صنع تاريخ البحر المتوسط
43- تعليم اللغة العربية في ربع قرن الأخير
44- الثابت والمتغير في تكوين الدول المعاصرة ببلدان المغرب
45- العلاقات بين المغرب وجنوة
46- العلاقات المغربية الأندلسية من خلال ابن حيان
47- الوحدة الاسلامية من نظام الخلافة إلى فكرة المؤتمر الاسلامي
48- يوميات صابر 
49- ابن ميمون بفاس. قدم بأكاديمية المملكة المغربية . ندوة أكادير 27-29 نونبر 1985
50- في وداع الأمير الشهيد مولاي عبد الله 
51- المائدة المغربية مظهر من مظاهر الحضارة الانسانية
52- Dialogue des Civilisations dans la péninsule Ibérique
53- وجدة في التاريخ 
54- المغرب في الدراسات الاستراتيجية... ابن بطوطة نموذجا. قدم بندوة بأكاديمية المملكة المغربية أبريل 1993
55- حضور التراث في الخطاب السياسي لدى ملوك المغرب جلالة الملك الحسن الثاني كمثل متميز. صادر بمجلة دعوة الحق العدد 275 يوليوز 1989

56- الوثائق الدبلوماسية للمغرب كمصدر لتاريخ إفريقيا. مجلة البحث العلمي العدد:37
57- حول معلمة الأعراف والعادات الشعبية
58- مصادر التاريخ الدبلوماسي للمغرب. عرض د. عبد الهادي التازي إلى المؤتمر الدولي الخامس عشر لعلوم التاريخ في رومانيا (بوخاريست) 10و17 غشت 1980
59- مع الملك محمد الخامس في إحدى واجهات نضاله
60- العلاقات المغربية الايبيرية على عهد بني وطاس
61- بداية الطريق نحو السجون والمعتقلات
62- دور الإعلام في حياة الدولة من خلال الوثائق الدبلوماسية المغربية. (الاعلامي) العدد الخامس – 1985.
63- بداية تاريخ العلاقات بين المغرب والدول الأوروبية التي تنظم اليوم فيما يسمى بـ "المجموعات الأوروبية" مجلة أكاديمية المملكة المغربية العد 5 دجنبر 1988
64- نصيحة ابن سعيد للذين يحاولون إرضاء جميع الناس
65- الوضع الدولي الذي أصبح لمكة بعد فرض الحج. جريدة: العلم 31 يناير 2007.
66- اهتمام الملك محمد الثالث بالقدس من خلال علاقات المغرب بالعثمانيين (1171- 1204 = 1757 – 1790) ألقي في مؤتمر فاس حول القدس 13 15 نونبر 2000
67- الأسطول المغربي عبر التاريخ. مجلة البحث العلمي العدد 33 نونبر 1982
68- الزاوية المتوكلية العظمى على وادي فاس. نشرة البرج (تصدرها المفتشية الجهوية بفاس) دجنبر 2000
69- صدى مدينة آسفي في التاريخ الدبلوماسي للمغرب. منشورات مؤسسة دكالة وعبدة للثقافة والتنمية سنة 2000
70- تجربتي في تحقيق الوثائق الدبلوماسية المتعلقة بالمغرب والأندلس. ندوة تحقيق التراث المغربي الأندلسي حصيلة وآفاق، منشورات كلية الآداب وجدة 1997- مجلة دعوة الحق العدد 315/1995 
71- مراجعات في التاريخ الدولي للمغرب على ذكر أزمة الخليج. عرض ألقي بأكاديمية المملكة المغربية يوم 20 شتنبر 1990
72- من معضلات كتابة التاريخ شحة المصدر – الانزلاق نحو الأغراض، مجاملة الولاة 
73- شهادات عن أيام منفى الملك محمد الخامس

شهادة حول عبد الكريم غلاب
جزيرة المعدنوس، وليس ليلى، هو الاسم الدولي للجزيرة سواء في المصادر المغربية أو الأجنبية. جريدة: الصباح 22 يوليوز 2002.
زيارة الدكتور عبد الهادي التازي للسجن الفلاحي  علي مومن بعد مرور ستين سنة على اعتقاله. مجلة إدماج العدد 9 سنة 2004
ألفاظ الحضارة في الوثائق العربية ذات الطابع الدولي. مجلة: مجمع اللغة العربية القاهرة الجزء 64 ماي 1989
حضور السنة النبوية في القانون الدولي
حول مخطوطة ابن طفيل
فكرة المغرب العربي من خلال الوثائق الدبلوماسية . مجلة: دراسات تاريخية. دمشق، العدد 1301/ أكتوبر 1983.
في التاريخ الدولي للمغرب رسالة موجهة من ملك المغرب إلى أمير الحرمين الشريفين يدعوه فيها إلى أخذ العبرة من الأحداث
اهتمام الأطباء المغاربة بالأمراض العصيبة في العصور الوسطى
محمد بن حدو أعطار سفير السلطان مولاي إسماعيل لدى الملك شارل الثاني. مجلة أكاديمية المملكة المغربية العدد: 2/1985
ملامح عن مراكش في صيف 1767، بمناسبة زيارة السفير الاسباني جورج خوان
بلاد الشام في الوثائق الدبلوماسية للمغرب. ألقي في المؤتمر الدولي لتاريخ بلاد الشام 25 أبريل 1984
سفارة السلطان صلاح الدين الأيوبي إلى الخليفة أبي يوسف يعقوب المنصور. مجلة أكاديمية المملكة المغربية العدد: 11/ 1994
الشعر العربي كمصدر من مصادر تاريخ التطور الطبي . مجلة كلية الآداب بني ملال العدد: 1/1994
الطبيب الرهاوي في كتابه (أدب الطبيب)
فن القبالة عند الأطباء القدامى المغاربة
ابن رشد في الفاتيكان
وثيقة لم تنشر عن أعراس فاس والمناسبات الأخرى
العروس في المغرب
السيادة المتبادلة ومفهوم البيعة. ألقي بندوة ≫البيعة والخلافة في الإسلام≪ بمدينة العيون: 5-8 شتنبر 1985، المنظمة من طرف وزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية.
في تاريخ البحر المتوسط اتفاقيات وعلاقات دبلوماسية

95- تقديم الأستاذ عبد الهادي بوطالب إلى أكاديمية المملكة المغربية 
96- في التاريخ الدولي للمغرب سفير الملك كارلوص الثالث لدى الملك محمد الثالث بمراكش في صيف 1767
97- آزمور مولاي بوشعيب من خلال التاريخ المحلي والدولي للمغرب 
98- السالب والمسلوب في المهرجانات الثقافية العربية 
99- في العلاقات المصرية أثناء العهد العثماني 
100- أبو عبد الله اليابوري فقيه مغربي من أصل برتغالي يرجع عهده للقرن الرابع عشر. مجلة:  المناهل، العدد: 25 / دجنبر 1982. ألقي في المؤتمر الحادي عشر للاتحاد الأوروبي للمتخصصين في الدراسات العربية والاسلامية. بجامعة يابرة بالبرتغال أيام 29 شتنبر – 6 أكتوبر 1982
101- زيري ابن عطية وسياسته الخارجية. ألقيت بندوة المغرب الشرقي بين الماضي والحاضر الوسط الطبيعي – التاريخ – الثقافة. كلية الآداب بوجدة 13-15 مارس 1986
102- الأسرة بين الأمس واليوم في عالم متحول. ألقي بأكاديمية المملكة المغربية في ندوة: أزمة القيم ودور الأسرة في المجتمع المعاصر. 26-28 أبريل 2001.
103- لماذا عيد المولد في الغرب الاسلامي؟ الأسباب التي كانت وراء إنشائه بعد أن لم يكن لا في عهد الأدارسة ولا عهد المرابطين والموحدين.
104- في تاريخ المغرب الدبلوماسي وفاء ... بولاء
105- المسامرة التي افتتح بها الدكتور عبد الهادي التازي النشاط الثقافي لجمعية رعاية فاس وذلك مساء يوم الجمعة 6/12/1974
106- الطبيب عبد الوهاب أدراق الطبيب الخاص للسلطان مولاي اسماعيل. مجلة اكاديمية المملكة المغربية العدد 3 نونبر 1986
107- العملة ودور السكة في المغرب. مجلة اكاديمية المملكة المغربية العدد 4 نونبر 1987
108- دور الإعلام في حياة الدولة من خلال الوثائق الدبلوماسية المغربية 
109- الاتفاقيات المغربية المتعددة الأطراف
110- حول رسالة مهدي السودان إلى السلطان مولاي الحسن
111- البحر المتوسط كقاعدة للإخاء والسلام 
112- جولة في تاريخ العلاقات الدولية للمملكة المغربية 
113- العلاقات المغربية الأندلسية من خلال ابن حيان 
114- بمناسبة السنة الدولية للمعاقين المنشآت الصحية بالمغرب عبر التاريخ
115- العامي الفصيح وإصلاح اللغة العربية. ألقي بمجمع اللغة العربية بالقاهرة في دورته 56 مارس 1990
116- حول الشريف العباسي أو الجنرال دومينكو. مجلة : دعوة الحق -  يناير 1973.
117- في التاريخ الدولي للمغرب: الوجود المغربي في أمريكا اللاتينية 
118- عود على بدء: صورة وتعليق
119- بعض بيوتات وآثار الحرمين الشريفين من خلال الوثائق الدبلوماسية وحجج الوقف المغربية . مجلة: دعوة الحق، غشت – شتنبر 1977
120- وحدة المغرب العربي من خلال الوثائق الدبلوماسية
121- هل سنستفيد من التاريخ لتحقيق التكافل المنشود؟
122- محطات مضيئة من تاريخ البحر المتوسط. مطبوعات اكاديمية المملكة المغربية سلسلة الدورات ماي 1993
123- فهرست "التاريخ الدبلوماسي للمغرب" مجلة اكاديمية المملكة المغربية العدد: 6/1989
124- محمد بن علي أبغلي سفير السلطان مولاي إسماعيل لدى الملك جورج الثاني. مجلة اكاديمية المملكة المغربية العدد: 12/1995
125- دور الأندلسيين في العمل الدبلوماسي بالمغرب. مجلة اكاديمية المملكة المغربية العدد: 13/1996
126- القبائل العربية بالمغرب حسب مخطوطة لابن العياشي. مجلة اكاديمية المملكة المغربية العدد: 16/1999
127- ميناء فاس في المصادر المغربية والأجنبية. مجلة اكاديمية المملكة المغربية العدد: 17/2000.
128- منار أشقار بطنجة والاتفاقية متعددة الأطراف حوله (1282-1865). مجلة اكاديمية المملكة المغربية العدد: 19/2002
129- أم الوثائق أو جنى الأزهار من روض الدواوين المعطار لمؤلف مجهول. مجلة اكاديمية المملكة المغربية العدد: 20/2003 
130- "القصر الصغير" من خلال التاريخ الدولي للمغرب. مجلة اكاديمية المملكة المغربية العدد: 23/2006.
131- البدر السافر لهداية المسافر إلى افتكاك الأسارى من العدو الكافر. مجلة اكاديمية المملكة المغربية العدد: 24/2007
132- رسالة غير معروفة للسلطان محمد بن اسماعيل إلى العاهل البريطاني جورج2 . مجلة اكاديمية المملكة المغربية العدد: 25/2008

134- عن أول قسم بالقرآن في الكنكريس الأمريكي أو كيف تعرفت أمريكا على الإسلام. مجلة اكاديمية المملكة المغربية العدد: 26/2009
135- المغرب في خدمة التقارب العربي الافريقي. ندوة العلاقة بين الثقافة العربية والثقافات الافريقية – تونس 1985. مجلة:  دعوة الحق العدد: 269 أبريل 1988
136- اهتمام الأمم المتحدة بالأعلام الجغرافية. ألقي في ندوة: نصف قرن من الأمم المتحدة- كلية الحقوق – مراكش 26-28 أكتوبر 1995.
137- عبد الله كنون سفيرنا إلى المشرق قبل ان تفتح لنا سفارات ( سلسلة ندوة تمارة) تحت إشراف فاطمة الجامعي لحبابي 17 دجنبر 1994.
138- حركة التعريب بالمغرب (أعمال ندوة اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية) ندوة الرباط 26-30 نونبر 1985. مجلة: السفير المكناسي – عدد: 24-25 السنة الثالثة 1988.
139- موقف ابن خلدون من العلاقات الاسلامية النصرانية. ألقي في اليومين الدراسيين اللذين نظمتهما جمعية مكتبة عبد الله كنون ومجلة مواسم للثقافة والإبداع بطنجة في رحاب مدرسة الملك فهد العليا للترجمة بتاريخ 16-17 ماي 1997.
140- الوثائق المتعلقة بالدعوة للإسلام (منشورات المجمع الملكي لبحوث الحضارة الاسلامية دجنبر 1986.
141- التاريخ الدبلوماسي للمغرب من أواخر القرن التاسع عشر إلى بداية القرن العشرين (أعمال ندوة مركز الدراسات والبحوث العلوية 1996).
142- رحلة مغربي إلى حضرموت. مجلة أكاديمية المملكة المغربية العدد: 27/2010. مجلة المورد البغدادية- المجلد 21/1993.
143- كتب الطب مصدر للتاريخ الدولي. مجلة أكاديمية المملكة المغربية العدد: 28/2001. مجلة: المناهل العدد: 48 شتنبر 1995.
144- الأستاذ عبد العزيز بن عبد الله من يوم عرفته إلى يوم ودعته. مجلة اللسان العربي العدد: 69 يوينه 2012
145- الجانب الأدبي في الوثيقة الدبلوماسية. مجلة بحوث العدد 4/1991. تصدرها جامعة الحسن الثاني كلية الآداب والعلوم الانسانيةIII المحمدية.
146- اللغة العربية في التعامل الدولي للمغرب عبر التاريخ (ألقي في الملتقى الأول لندوة علال الفاسي الرباط 16-17 أبريل 1987.
147- العلاقات الدولية للمغرب على عهد الحسن الأول (ندوة الذكرى المئوية لزيارة السلطان مولاي الحسن الأول لمدينة طنجة 29-30 يونيو 1990.

148- ابن الخطيب سفيرا ولاجئا سياسيا. مجلة كلية الاداب بتطوان العدد 2/1987.
149- مصر ترفض رسالة لفرنسا حول بيت المقدس (مجلة جمعية تاريخ المغرب – وجدة – العدد 2 يونيو 1994).
150- الفقه المالكي والقانون الدولي العام (مجلة كلية الشريعة عدد 23/1999)
151- مركز الحسن الثاني بالأمم المتحدة والمنظمات الدولية. ألقي في ندوة دولية: حول:"الدور الرائد للمغفور له جلالة الملك الحسن الثاني في ملحمة الاستقلال وتحقيق الوحدة الترابية" نظمتها المندوبية السامية لقدماء المحاربين  بالرباط أيام: 2- 3-4 نونبر 2000.
152- مساعدة المغرب للمشرق في حربه على التتر. ألقي في المؤتمر الدولي السادس لتاريخ بلاد الشام نونبر 2001.
153- اكتشاف غير مسبوق حول رحلة ابن بطوطة. مجلة: التاريخ العربي العدد: 45/2008.  ألقي بمجمع اللغة العربية بالقاهرة في الدورة السبعين من 22 مارس إلى 5 أبريل 2004 -  صادر بمجلة: الفيصل العدد: 335 يوليوز 2004.
154- من أحد رجالات المغرب: الشيخ محمد المعطى بن الصالح الشرقي من خلال مخطوطته حول القدس الشريف. مجلة: التاريخ العربي العدد: 53/2010.
155- الرحالة ابن بطوطة الموسيقي. مجلة: العربي العدد: 631 يونيه 2011.
156- أثر العولمة في استعمال اللغات الأخرى: العربية نموذجا. أكاديمية المملكة المغربية (سلسلة الندوات)  ماي 2005
157- وسائل الاعلام والاستجابة الآنية لاحتياجات اللغة مجلة: مجمع اللغة العربية بالقاهرة العدد: 19 ماي 2010.
158- رندة الأندلسية في عهد بني مرين. مجلة: مجمع اللغة العربية بالقاهرة نونبر 2010 كذلك مجلة اكاديمية المملكة المغربية العدد 29/2011.
159- السياسة اللغوية بالمغرب وتجاوبها مع المستجدات الكونية. ندوة اكاديمية المملكة المغربية . الرباط 20-21 أكتوبر 2010
160- ابن خلدون والعلاقات الدولية. سلسلة ندوات أكاديمية المملكة المغربية – الرباط – 28-29 مارس 2007.
161- المال . العرض الذي أعده د. عبد الهادي التازي عضو أكاديمية المملكة المغربية للندوة العلمية التي نظمتها الأكاديمية. حول: تخليق الحياة 



 
     
  عن خزانة جامع القرويين بفاس  
 


العرض الذي قدمه د. عبد الهادي التازي للندوة العالمية المنعقدة بفاس يوم 22-23 مايه 2007 حول : خزانة القرويين : التاريخ والواقع والآفاق.



عندما كنت بصدد اختيار موضوع أطروحتي في الستينات من القرن الماضي اقترح على أستاذي احمد مختار العبادي أن أتناول عنوان "المغرب عبر التاريخ".

عدت بعد أن تأملت اتساع الموضوع لأقول لأستاذي : ألم يكن من الأحسن أن أتناول (تاريخ فاس) ؟ فوافق على الاقتراح ... لكني بعد شهور عدت إليه مرة أخرى لأقول له : إن فاس لا تعني شيئا بدون جامع القرويين، أفلم يكن من المستحسن أن أتناول تاريخ مساحة نصف هكتار من فاس، أعني جامعة القرويين ..؟ وهنا وقع الحسم في الاختيار، وكان كتابي (تاريخ القرويين) : المسجد والجامعة الذي يقع في ثلاث مجلدات والذي صدر أخيرا في طبعة ثانية.

والمهم أن أقول اليوم إنني، وأنا أعالج التاريخ الفكري لهذا الجامع العظيم الذي يعتبر قلب المغرب النابض، إنني اكتشفت من خلال تناولي للحديث عن مكتبة القرويين أنني أمام ميزان حرارة لذلك القلب، يحمل اسم (خزانة القرويين) أو (مكتبة القرويين) التي كانت تتحكم تحكما مطلقا في سير الجامع أو تعطله عبر التاريخ الحضاري للمغرب، على ما نقرأه في الوثائق السياسية للدولة. وكما هو الشأن في كل المكتبات العالمية الكبرى فإن مكتبة القرويين إنما استمدت ثروتها من المكتبات الخاصة لبعض الرجال الذين كانوا يعرفون مدى حاجة العلماء والطلاب إلى الكتاب.

ونستحضر هنا أول مكتبة ورد النص عليها في تاريخ فاس، ويتعلق الأمر بمكتبة الأمير الإدريسي يحيى الرابع الذي ظهر أواخر القرن الثالث والذي قال عنه أبو عبيد البكري : إنه كان يتوفر على عدد من الوراقين الذين لا شغل لهم إلا نسخ الكتب ! وكان البكري يعطينا فكرة عن نموذج من نماذج المكتبات الخاصة في الفترة التي أنشئ فيها جامع القرويين الأول. 

وقد كانت كل الدول التي تعاقبت على الحكم في المغرب، كانت تقدر مدى أهمية المكتبة في سير الحركة العلمية فكانت تتابع عن كثب ما يجري في هذه المؤسسة لدرجة أننا نرى، أنها أي الدولة، كانت تحرص أحيانا على نقش قوانين استعارة الكتاب، على باب المكتبة حتى يقرأها الكل ويعرفها الجميع، وأمامنا نموذج لذلك فيما نراه إلى اليوم منقوشا على خزانة القرويين منذ عام 750 هـ أيام السلطان أبي عنان.

وقد رأينا أن السلطان الشهير أحمد المنصور الذهبي المعروف بهوايته بجلب العدد الكبير من غريب المخطوطات وباستنساخها، يأمر بداية القرن الحادي عشر بأن تجعل على باب مكتبته (الأحمدية) أربعة أقفال، توزع مفاتيحها على أربعة عدول حتى تضبط استعارة الكتاب... 

وقد اهتم السلطان المولى إسماعيل بتفقد الخزانة وأهدى إليها عددا من المخطوطات التي كان يجمع النساخ لكتابتها على نحو ما فعله السابقون وسيفعله اللاحقون ...

وهذا السلطان هو الذي اشترط على ملك اسبانيا، بعد أن استرجع منه مدينة العرائش وتوفر على مائة من الأسرى الإسبان، اشترط عليه أن يعطيه في مقدمة الخمسين أسيرا نصرانيا، خمسة ألاف كتاب على ما رددناه في موسوعتنا التاريخ الدبلوماسي للمغرب.

وقد أمر السلطان المولى إسماعيل بوضع فهارس للمخطوطات الموجودة بالمكتبة آنئذ حسب الفنون والموضوعات، ومن المهم أن نذكر أن الوثيقة الإسماعيلية تنص كذلك على قوانين الإعارة للانتفاع بالكتب، وبمطالعتها ومراجعتها وردها لمحلها بعد قضاء الغرض منها، وكان هذا أوائل ذي الحجة من عام 1115 الذي يصادف أوائل أبريل من عام 1704.

وهكذا استمر الحال أيام الملك محمد الثالث الذي قام بأعمال جليلة للمكتبة، والأمر كذلك أيام محمد الرابع الذي حرص على أن تكون المكتبة خاضعة لمحتسب المدينة!

ولا بد لي هنا من أن أذكر بالظهير والمرسوم الملكي الذي صدر في عهد السلطان المولى الحسن (الأول) وقد بلغه عن أمر(خزانة القرويين) ما بلغه ... حيث وجدناه يتوجه إلى قاضيي فاس بخطاب هام يذكرهما بما يجب عليهما من حفاظ على هذا التراث الفذ، كان القاضي الأول هو الشريف العلوي المدغري، وكان قاضي مقصورة السماط القاضي الثاني هو الشيخ حميد بناني، وقاضي مقصورة الرصيف هما من هما في الشأن المحلي.

أكد الملك الحسن للقاضيين بعد حثهما على متابعة المهملين بالأمس على ما يجب فعله اليوم من اشتراط الأهلية في الذين يستعيرون الكتاب ومن تسجيل اسمهم والإشهاد عليهم عند قيمي الخزانة، وإعلام النظار والقضاة بمن أعار الكتاب ...

وبعد كل هذا يمكن المستعبر من الكتاب بعد وصفه وعد أوراقه وتقييد تاريخ دفعه له وعلى رأس كل ستة أشهر يقوم المسؤولون بعملية استرجاع للكتب المعارة وتحاز ممن هي عنده  وترد لمكانها ... ويشترط المرسوم الملكي في القيم على الخزانة الأمانة والثقة ...

ولم ينس الملك الحسن الأول أن يضرب المثل بأمانة وثقة علال بن جلون الذي عاش على عهد جده .

وتجتاز المملكة المغربية فترة استثنائية من تاريخه تنتهي بالنزول الفرنسي بمدينة فاس، هذا النزول الذي انتهى بدوره إلى معاهدة الحماية الفرنسية المبرمة يوم 30 مارس 1912!     

فماذا عن مكتبة القرويين في هذه الأثناء ؟

يبدو أن أمر تنظيم خزانة القرويين أخذ يتحرك نحو التطيع إذا صح التعبير، وهنا وجدنا الإدارة تطلب تقريرا عن الخزانة من الشيخ عبد الحي الكتاني الذي كتب بتاريخ 20 ذي الحجة 1330=30 نونبر1912 يقول : وجدنا المكتبة في غاية الضياع والتلاشي والتفرق ووجدنا كتبا كثيرة لا توجد بالخزانة ... كثيرة جدا بحيث لا ينطبق الموجود على ما في الدفتر ولذلك عينا العدول لمعاينة الموجود ... 

وللتاريخ أشير هنا لرسالة بين أيدينا محررة بالفرنسية، مكتوبة بالخط، على بطاقة رسمية تحمل على رأسها بالحروف الفرنسية المطبوعة : استعلامات مكتبة فاس المدينة، وهي موجهة من اليونان HEIK إلى الشيخ الكتاني بتاريخ 23 يناير 1913 يخبره في الرسالة : إنه أعاد إليه المجلدين الذين أعارهما له، ويرجو أن يعيدهما إلى خزانة القرويين. 

ومن المهم أن نذكر أن كل هذه الحركات كانت تساعد الأستاذ ألفريد بيل لإعداد فهرسه عن (مكتبة القرويين) التي نرى الشيخ الكتاني رحمه الله، يقدم عنها لمحة هامة في بحثه القيم الذي قدمه لمجمع دمشق بتاريخ 19 شوال 1347 موافق 1929.

كل هذا العرض المقتضب عن مكتبة القرويين كان من أجل أن أعبر عن الخيبة التي شعرت بها وأنا أزور المكتبة للوقوف على مخطوطة ابن بطوطة بعد أن عهدت إلى أكاديمية المملكة المغربية بتحقيقها !

أذكر أن أبرز جهة خطر على بالي أن أزورها هي أم المكتبات في المغرب القرويين في فاس ليس فقط لأنها قريبة إلي، ولكن كذلك لأنها محطة الحدث، مدينة فاس التي ألقى فيها ابن بطوطة عصا تسيارة. 

كنت أتوقع أن أقف على أكثر من نسخة للرحلة بل كان همي أن أجد النسخة الأصلية التي حررها ابن جزي ! ولكني لم أعثر من نسخ الرحلة التي ألفت بأمر السلطان أبي عنان في قصر فاس، إلا على السفر الثاني من الرحلة، وهو متلاش مبتور الأواخر وعار عن وثيقة التحبيس، بل إن السفر هذا عاطل عن كل ما يوحى بأنه كان في يوم من الأيام محل اهتمام!!

وكان من المظان القوية التي كنت حريصا على الرجوع إليها هي مخلفات الخزانة الكتانية التي كانت من أغنى المكتبات بفاس، كلنا يعلم.

ولقد وجدت من هذا المتخلف السفر الثاني من الرحلة فقط، وكان مبتور الأول، لكن البتر البين في النسخة هذه هو الذي يتصل بزيارة ابن بطوطة لمملكة غرناطة، وموضوع الزيارة هذا هو الذي اهتم به المستشرق المعروف الأستاذ ليفي بروفينصال الذي طلب إليه أن يسهم في مجموع (mélanges) هنري باصي، فلم يجد أحسن من أن يقدم نص رحلة ابن بطوطة الخاصة بالأندلس مترجمة إلى الفرنسية، مغتنما الفرصة ليصحح أخطاء الأستاذين اللذين سبق لهما أن ترجما الرحلة منذ أواسط القرن التاسع عشر : ديفريميري C. Defremery، وسانكينتي Sanguinetti ...

لقد استوقفت الأستاذ بروفنصال بعض الكلمات التي لم تتبين له من قراءة الناشرين السابقين فأراد هو أن يضبطها ويحققها لا سيما وهو الخبير بالأدبيات الأندلسية :

كلمة (الماثرة) التي اتضح أنها القلهرة بمعنى (القلعة الحرة)

وكلمة البستى التي اتضح أنها السبتي ويا بعد ما بين بست وسبتة !

وكلمة التيرة التي اتضح أنها إلفيرة ELVIRA.

التجأ بروفنصال إلى صديقه الشيخ الكتاني الذي زوده بالنص الخاص بالأندلس من النسخة التي يمتلكها والتي كما نرى آلت إلى الخزانة العامة فأصبحت تحت رقم 2399 د.

وقد كان يهمني من الوقوف على المخطوطة التي حررها ابن جزي بخطه أن أعرف خطه حتى أصل للسر الذي كان وراء اختياره هو لتلخيص الرحلة ... 

وقد زادني تطلعا لمعرفة الحقيقة ما وقفت عليه في الخزانة الوطنية بباريز وما علمته من ميل بعض الملاحظين إلى ترشيح إحدى المخطوطات لتكون هي الأصلية.

لكن ما زادني حرصا لمعرفة حقيقة الأمر وقوفي شخصيا على خط الرحالة ابن بطوطة، وقوفي عليه في مخطوطة كتبها بذات يده، لا تتعلق بالرحلة إطلاقا ولكنها تتصل بالحديث الشريف، ويتعلق الأمر بـ (كتاب المفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم) للإمام القرطبي دفين الإسكندرية عام 656=1258.

هنا سأترك متابعة الموضوع للذين يهمهم أمر متابعة المخطوط مكتفيا بالإحالة على ما صدر لي بعنوان : اكتشاف غير مسبوق حول رحلة ابن بطوطة .  

ولنعد بعد كل هذا الذي قلناه لنشيد مرة أخرى بمكانة مكتبة القرويين التي كانت دائما نقطة اتصال بين العلماء الذين كانوا يلوذون بحريمها ومستودعها للمناقشات والمباحثات، والتي أحرص على أن أذكر من توابعها وملحقاتها غرفة الموقتين التي كانت تزدان بالساعات المائية والأسطرلابات ...

وإني بما أزعم أنني أمتلكه من تجربة اكتسبتها وأنا أزور مختلف مكتبات العالم سواء في القارة الإفريقية أو الأوروبية أو الآسيوية أو الأمريكية كذلك، بما أمتلكه من تجربة متواضعة أستطيع القول: إن مكتبة القرويين تعتبر، في نظري، من أقدم المكتبات وأعرقها أصالة في العالم، فهي أكاديمية بكل ما تحمل كلمة الأكاديمية من معنى، كانت مرجعا في كل ما ترومه الدولة من مصادرها، ولهذا فإني أغتنم هذه الفرصة لأشيد بما قامت به وزارة الثقافة من جهد كبير من أجل أن تجعلها في متناول الباحثين والباحثات والزائرين والزائرات وإن الرجاء كل الرجاء من المشرفين على الشأن المحلي بفاس أن يحرصوا على إبرازها من بين "المزارات" الوطنية الكبرى، وأن يكون الإدلاء لها تكوينا تاريخيا يبرز مكانتها ومركزها عند الأمم فإن منها تغذى الفكر الأوروبي، ومن الكتب التي تتوفر عليها رفوفها كانت تصدر الفتاوي الخطيرة التي تضبط العلاقات بين الدول، التي تنير معالم الطريق.

علينا أن نجعل من عيون مخطوطاتها القانونية والعلمية والطبية والفلكية والموسيقية معرضا مفتوحا على الدوام أمام الراغبين ... مكتبة القرويين وجه مسفر للمغرب ...

كنت أزور في أوربا وخاصة إسبانيا وإيطاليا مكتبات لا تصل إلى عشر ما تصل إليه مكتبة القرويين الموجودة في حي الصفارين، كنت أجد المشقة في اجتياز تلك المسالك والمنعرجات لأصل إلى تلك الرفوف، ولكني كنت أحس بأن الحياة تدب في سكان تلك الجهات وهم يرون أنهم يشعرون بأنهم ما يزالون أحياء وأن الناس يتفقدونهم من شتى جهات العالم ...

لهذا فإنني أشعر بالسعادة تغمرني وأنا أرى الاحتفاء اليوم بهذه المكتبة العظيمة تستحضرون ماضيها وتستعرضون حاضرها وتستشرفون لآفاقها.

لقد كان أسلافنا يتنافسون في إثرائها وإغنائها بأثمن ما يملكون، وما به يحيون من أمهات الكتب وعيون التآليف، يقدمون ذلك نجوى بين أيديهم لنيل المكرمات وشرف المآثرات.

وقد حبب إلي أن أزف البشرى اليوم بأنني رغبت أن أكون ضمن أولئك الذين لم ينسوا أفاويق برها وإحسانها وتاقوا إلى أن يسهموا في تبصير من يأتي بعدهم فيفعل مثل فعل أسلافهم من قبلهم : "زرع السابقون فأكلنا، ونزرع نحن ليأكل اللاحقون".

لقد وفقني الله وبوفاق مستحق من أفراد أسرتي أن أهدي مكتبتي بما تحتوي من كتب يصل عددها إلى نحو من سبعة آلاف كتاب في مختلف العلوم، منها المكتوب بالعربية ومنها المكتوب بغير العربية ابتداء من أول كتاب حصلت عليه عام 1935 في جائزتي الأولى : (تنوير الحوالك شرح على موطأ مالك لجلال الدين السيوطي) الذي يقع في ثلاثة أخرى إلى آخر مجموعة حصلت عليها مؤخرا بعنوان (الموسوعة الفقهية) وهو يحتوي على 45 مجلدا.

كتبها الله في الحسنات وإذا مات المرء انقطع عمله إلا من ثلاث !!



19/05/2007





 
     
  أثر الحوار في العلاقات الدولية بين الأمس واليوم  
 


موجز العرض الذي تقدم به  د. عبد الهادي التازي عضو أكاديمية المملكة المغربية في مؤتمر الحوار العالمي المنعقد في قصر فيريادي مدريد (FERIA DE MADRID). بالمملكة الإسبانية، من لدن رابطة العالم الإسلامي برعاية كريمة لخادم الحرمين الملك عبد الله بن عبد العزيز، وبترحيب مشكور من لدن جلالة الملك كارلوص عاهل المملكة الإسبانية، بتاريخ 16/18 يوليه 2008.



كان لاختيار المملكة الإسبانية مكانا لهذا اللقاء الكبير، وفي هذا الوقت بالذات، دلالة على ما تمتاز به المملكة الإسبانية من إرث شهد طوال الزمن، تعايشا وازدهارا أسهم – كلنا يعلم – في تطور الحضارة الإنسانية جمعاء ...

 نعم كان لهذا الاختيار دلالته العميقة لأنه اختيار يعبر نفسه عن الاقتناع بأن الحوار بين الشرق والغرب يظل الوسيلة الوحيدة للتخاطب بين الأمم والشعوب ...

وإن كل المتصفين في مختلف الجهات الأخرى من اللذين يتطلعون لمعرفة حقيقة، الإسلام ليعلمون جيدا أن الإسلام في صدر الديانات التي أعطت حيزا كبيرا لقضيته الحوار ... وفي صدر الديانات التي آمنت بجدوى التعارف بين البشر مبدءا وسلوكا، بل إنه الدين الذي نستحسن من تعليماته الدعوة إلى كل ما يهدف إلى الاقتراب من الآخرين مهما كانت مواقعهم الجغرافية ...

إن الأودية والبحار والأنهار والمحيطات لم تكن أبدا عائقا عن الاتصال بل إنها كانت على العكس من ذلك، وسائل اتصال بين الأمم والشعوب ...

لقد كان المهم في دار الإسلام هو بسط العدل والأمن بين الناس حتى لجعل الإسلام الطمأنينة شرطا للقيام بعبادة الله.

سوف أكتفي بالإشارة إلى ما نقرأه في القرآن الكريم من إشارات واضحة بينة تدعو إلى مد الجسور وربط الصلات الطيبة مع الآخرين : 

" أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا" 

 "Humains! Nous vous Créâmes d'un male et d'une femelle, pour vous répartir ensuite en nations et en tribus, ainsi vous pourrez connaître entre vous" 

وإن هناك المئات إن لم أقل الآلاف من المأثورات الإسلامية التي تعبر عن رغبة الإسلام في أن ينشئ قومه قواعد لهم واضحة مع الآخرين لضمان التساكن والتعايش بينهم وبين جيرانهم ... الأقربين والأبعدين ...

لعل أسلافنا كانوا أكثر فهما منا لجدوى الحوار من أجل بناء الحياة على أسس سليمة كريمة ... كانوا أكثر حرصا على طريق أبواب الحوار بينهم وبين من يعيش معهم على هذا الكوكب حتى ولو كان هذا الذي يحاورهم على اختلاف معه في طريق الحياة، حتى ولو كان على خلاف معهم في المعتقد وفي اللسان ... حتى ولو كان على خلاف معهم حول قضية ما من القضايا الدنيوية ...

كان الأسلاف يشعرون بواجبهم في البحث عن أية وسيلة للاقتراب من الآخرين لأنهم كانوا على علم تام بوحدة الشعور بين بني الإنسان ...

وإذا ما قمنا باستحضار السجلات الطويلة التي تتضمنها بطون الموسوعات التاريخية من أمثال "صبح الأعشى للقلقشندي، وأمثال تاريخ ابن خلدون ...

وإذا قمنا باستعراض للمجاميع الغربية المتعددة اللغات، لوجدنا أنها كلها تنوء بنصوص محكمة لاتفاقيات وعقود في منتهى الأهمية تسعى إلى ضمان السلام بين الناس.

ذلك الرصيد المشترك بيننا والذي يوجد لحسن الحظ على مقربة منا في هذه الديار أو تلك، علينا أن نرجع إلى تلك المصادر لنضيفها إلى ذاكرتنا ونسترشد بها ونحن نبحث عن طرق لقاءنا! علينا أن نستحضر كل ذلك لنزداد إيمانا بأن الاتفاقيات الدبلوماسية التي أبرمت بين دولة الإسلام والدول الأخرى كانت جميعها تعكس، في واقع الأمر، رغبة الأسلاف : أسلافنا جميعا وإيمانهم بجدوى الحوار ...

كانت تلك الاتفاقيات تنم عن حس قانوني رفيع وعن شعور بالمسؤولية حول إيجاد أرضية قوية لبناء الصداقات على أساس من الثقة المتبادلة ... لم تصل تلك النصوص في لحظة واحدة إلى مداها ولكن الوصول إليها تم بعد أسابيع وربما بعد شهور وأعوام من تبادل الرأي بين الأطراف المعنية...

والمهم أن هذا الحوار يصل في نهاية المطاف إلى اتفاق بين الجهتين أو الجهات على أسس لبناء سلام يضمن الحياة الكريمة ...

ذلك الاتفاق على السلام قد تكون مدته غير محدودة ... وقد يحدد أمد الاتفاقية بنصف قرن على نحو ما رأينا في الاتفاقية المبرمة بين العاهل المغربي الملك محمد الثالث وبين الرئيس الأمريكي الأول جورج واشنطن ...

وقد يصل الاتفاق إلى عشرين سنة أو عشر سنوات على ما رأينا في معاهدة الحديبية.

المهم أن نعرف أن الحوار أسهم بصفة ملحوظة في إيجاد فترة سلام بين أقوام وأقوام ... وهذه وحدها نتيجة كافية تعد في صدر مزايا (الحوار وأثره في العلاقات الدولية) الذي هو موضوع الحديث ...

ولعل من المفيد أن اكتفى هنا بتقديم نموذجين اثنين من أثر الحوار في العلاقات الدولية بالأمس ... وسيتجلى لنا من خلال هذا التقديم أننا ربما نعيش مع الخيال ونحن نقدم وثائق مكتوبة باللسان العربي ومترجمه إلى اللغة الفرنسية والاسبانية ...

ومن الطريف أن تكون هاتان الوثيقتان معا مما يتصل بالعلاقات بين الدول المطلة على البحر المتوسط التي نسمع الحديث اليوم عنها في أجهزة الإعلام الدولية.

يتعلق الأمر بادئ ذي بدء بوثيقة توجد مصادرها الأولى ضمن التآليف التاريخية المغربية، نثرا وشعرا، كما توجد في المصادر الأوروبية وخاصة الاسبانية ولاسيما الفرنسية ونعني المتحف الوطني بباريز...

وهذه الوثيقة عبارة عن رسالة تاريخية من ملك المغرب أبي يوسف يعقوب ثاني ملك في دولة بني مرين إلى ملك فرنسا فيليب لوهاردي  

تحمل الرسالة تاريخ 20 رجب 681= الموافق ليوم 24 أكتوبر 1282  الرسالة تتعلق أساسا بالصلات بين المغرب واسبانيا في ذلك التاريخ، وقيام المغرب بالمساعي الحميدة من أجل المصالحة بين فرنسا واسبانيا ...

ملك المغرب أبو يوسف يكتب لملك فرنسا فيليب لوهاردي من أجل عرض مساعيه لكي يصالح جاره ملك اسبانيا ألفونس العاشر الذي كان في حاجة إلى النجدة العسكرية المغربية حتى يتغلب على ثورة ابنه شانصو!

وقد جاء في خطاب ملك المغرب أبي يوسف لملك فرنسا ما يلي : 

إنني بالرغم من أننا بحال مخالفة معكم في المذاهب والأديان ... لكن رأينا أن نعمل واجبنا تحقيقا للمصلحة التي تربطنا جميعا في هذه المنطقة التي نعيش فيها والتي كان يعنى بها منطقة الأورو متوسط. 

لولا أن هذه الوثيقة موجودة على رفوف المتحف الوطني بباريز ولولا أن الدراسات اهتمت بها -من لدن عدد من العلماء- لحسن الحظ، لولا ذلك لحسبناها من قبيل الخيال!!

وهي – كما نرى – تؤكد أن أسلافنا كما قلت كانوا يفكرون أحسن منا، وكانوا يجدون في الحوار الوسيلة الحضارية الأولى للحفاظ على أواصر الود والحب، وهذا ما يدعو إليه اليوم المجتمع الأورو متوسطي إلى العودة إلى الماضي بعد مرور ثمانمائة قرون ونصف القرن، على خطاب عاهل مسلم لملك مسيحي، من أجل الدعوة إلى المصالحة مع ملك مسيحي ثالث كذلك.

أما عن الوثيقة الثانية التي تتصل بالعلاقات بين ملك المشرق خليل بن قلاوون والعاهل الاسباني جان الثاني فإنها تتعلق باتفاقية بين الملكيين بتاريخ 19 صفر 692= 28 يناير 1292.

لقد وصل الحوار بين مصر وبين اسبانيا إلى عقد اتفاقية من منتهى الأهمية في العصر الوسيط وهي التي نقدمها اليوم أمام هذا المحفل الكبير، وهي تؤكد أن الحوار، ولو أنه دام حولها بضعة شهور لكنها حققت ما كان بعض الباحثين يعتقدون أنه من قبيل المستحيل ... ( ).

بالإضافة إلى ما كانت الاتفاقية تفيده عن التقاليد المتبعة في مثل تلك اللقاءات من :

1) أداء القسم بين الأطراف المتعاقدة تأكيدا للنوايا الحسنة والثقة المتبادلة ...

2) وفي خضوع الاتفاقيات لوضع خطوط اليد.

3) إثبات التاريخ بالقمري وبالشمسي. 

4) النص على أمد الاتفاقية وإلى متى ينتهي العمل بها ...

5) وإلى النص على المساحة التي تشملها بنود الاتفاقية.

6) وإلى النص على عدد القوميات التي توجد في البلد المتعاقد معه.

بالإضافة إلى ذلك نلاحظ أن الاتفاقية المذكورة تنص على التعاون في ميدان الملاحة البحرية، وعلى تبادل الخبرة في موضوع الأساطيل والمحافظة على سيرها على نحو ما تضمن الباب المفتوح ... 

كما نلاحظ أن الاتفاقية تحترم حق الإرث للأقرباء في المتوفين من الطرفين في بلاد الآخر، بمعنى أن الدولة تحترم مال الأجانب على نحو ما تضمن حصانة السفراء فيما يمتلكون. 

وكذا تنص على أن الراية تحمي البضاعة مما يؤكد أن الحس القانوني للمتعاقدين. 

وكان المهم في الاتفاقية أنها تمنع اللجوء إلى القوة في أخذ الحق! وتنص على ضرورة الحوار وإلى القضاء في أخذ الحقوق.

والاتفاقية إلى جانب كل هذا تلتزم، وهذا مهم جدا، تلتزم بحرية التنقل لأداء مناسك الحج وزيارة القدس الشريف للرجال والنساء على السواء، بمعنى أنها تحترم عقيدة الآخرين.

 وقد كان هذا البند، كما قلنا، من أهم البنود التي نصت عليها الاتفاقية مما يؤكد الانفتاح على الآخر بل والترحيب به في أحسن الظروف.

أصحاب المعالي والفضيلة

تلك انطباعاتي على الأمس وتلك هي بالذات انطباعاتي عن اليوم وغدا، فكل ما نقرأه يوميا وما نشاهده يوميا من اتصالات دبلوماسية واتفاقيات دولية إنما كان نتيجة للحوار الذي آمن به المجتمع الدولي كطريقة لا ثاني لها لضمان العيش الكريم ...

وبالمقابل فإن كل ما نقرأه ونسمعه من يوميات دامية ومن صراعات وتشنجات وتوترات ناتج عن ضيق حنجرتنا بالتفاهم مع الآخر، وناتج عن كبريائنا حتى لا نسمع آراء الآخرين...

لقد قمت بإحصاء بناء على معطيات أمنية دولية ووصلت إلى الحقيقة التي تؤكد أن ما يترجم عن حضارة أمة ما، وتقدم أمة ما، أن لا تفكر في التغلب على مشاكلها باستعمال القوة لنيل الغرض أصبح متجاوزا اليوم، ويبقى طريق المناقشات هو الوحيد للوصول ... قد يطول الوقت ويمتد، ولكن نتائجه تبقى دائما مضمونة النتائج ...

من هنا سأرجع إلى القول بأن اهتمام رابطة العالم الإسلامي بفتح ملف الحوار على الصعيد العالمي فكرة وازنة واعدة، ولهذا فإنها فكرة تستحق التنويه والإشادة على نحو ما يستحقه التقريب بين المذاهب داخل بيت الإسلام ... كلا العملين المتوازيين ضروري لخدمة الاستقرار والأمن والاطمئنان".

إنها لظاهرة صحية حقا أن يتنبه القادة والمصلحون في العصر الحاضر إلى أن يقولون للناس : هذه هي الطريقة! وأن يتحدثوا إلى أبناء جلدتهم بلسان خال من الأنانية والغرض الشخصي، لسان يمتد قوته من الشعور بواجبنا نحو الغير: وحسبنا أن نسترشد بالحكمة الذكية التي تقول : "إن من أنكر لغيره من المشاعر ما عرفه لذاته فقد سد على نفسه معرفة الناس".














م

 
     
  أبو يوسف بن عبد الحق من مؤثث لمدينة فاس إل صانع للسلام في أوروبا ت 685 هـ 1286م  
 

ملخص العرض الذي قدمه د. عبد الهادي التازي عضو أكاديمية المملكة المغربية للندوة التي عقدتها الأكاديمية بفاس بتاريخ 18-19-20 دجنبر 2008 إسهاما منها في تخليد ذكرى مرور ألف ومائتي سنة على تأسيس المدينة.


لقد اخترت الحديث عن شخصية أبي يوسف ابن عبد الحق لأن معظم الناس لا يعرفون بعض الجوانب الهامة من حياة هذا الملك الجليل القدر الذي ينعته المؤرخون عن حق بأنه سيد بني مرين على الإطلاق . 

هذه الجوانب الهامة من حياة الرجل تتعلق، في صدر ما تتعلق به، بأنه على العكس مما فعله الإمام إدريس القادم من الجزيرة العربية بالأمس عندما اختار زوجته كنزة من أصل بربري، على عكس ذلك اختار أبو يوسف بن عبد الحق البربري الأصل أن تكون زوجته عربية، وكانت هي أم العز بنت محمد بن حازم العلوي التي كانت ضمن الفوج الذي صحب الحسن الداخل. لقد أهديت له أم العز في سجلماسة عندما افتتحها بنو مرين. 

كانت أم العز عظيمة في بني قومها، مرموقة بين عشيرتها، وقد وجد فيها أبو يوسف ما كان يتمناه في مساره السياسي مما قرأناه عن الكثير من القادة المحظوظين الذين كانت وراءهم سيدات فضليات عاقلات حكيمات.

لقد ذكرني اسم أم العز هذه في أم العز التي كانت تساعد السلطان المولى إسماعيل في الشؤون السياسية، وكان تراسل السفراء بلغاتهم الوطنية .

تلك الجوانب الهامة من حياة أبي يوسف تمثلت فيما سمته المصادر التاريخية الاهتبال بالعلم وكان هذا يعني أنه يعرف طريقه نحو بناء الدولة ولا أدل على هذا من أن الرجل قام منذ فجر حياته عام 670هـ 1271 بتشييد مدرسة حملت في الحوالات الحبسية القديمة اسم مدرسة الحلفاويين، كما حملت اسمه "المدرسة اليعقوبية"، وتعرف اليوم باسم مدرسة الصفارين ... تحتوي المدرسة على كذا بيتا وعلى قاعة للدرس، ويعد محرابها أقوم محارب مساجد فاس، وكانت المدرسة تتوفر على خزانة كتب علمية مهمة يستفيد منها الأساتذة والطلبة، وقد خصصت لها أوقاف سخية لسد حاجياتها ومتطلبات أساتذتها وطلابها ومجالسها العلمية ...

كانت المدرسة حيا جامعيا بمصطلحنا اليوم، شيدها على بعد خطوة من جامع القرويين التي كان ذكرها يقترن بكل المعاني السامية، لقد ظلت القرويين الحصن المنيع الذي تعتز به القرى والجبال والمدن في كل جهات المغرب ... فالقرويين كما يتصورها المغرب ليست قرويين فاس وحدها وإنما هي قرويين جنوب المغرب وشماله وشرقه وغربه... وقد عرف كل الملوك الذين تعاقبوا على المغرب هذه الحقيقة التاريخية فظلوا - سواء أكانت عاصمتهم فاسا أو مراكش أو الرباط أو مكناس – ظلوا يولونها من التقدير ما هي جديرة به كمركز للإشعاع الفكري وكمعقل ذكي لإرجاع الضالين إلى طريق الصواب.

كل الدنيا تحدثت عن جامع القرويين، ولو كان رجال القرويين من الأمم الخالية لقص  الله تعالى شيئا من أخبارهم في كتابه العزيز !! 

تلك الجوانب الهامة من حياة أبي يوسف تمثلت لدي، في صدر ما تمثلت، في أنه بعد أن أثث جامع القرويين بهذه المدرسة استجاب لأهل الأندلس فيما يحل بهم من مضايقات ومعاكسات. فقد شعر ملك غرناطة محمد بن الأحمر الملقب بالفقيه، بتزايد الأخطار المحدقة به فبعث بسفارة إلى السلطان أبي يوسف لتقدم له صورة مما توجد عليه الأندلس ... وهكذا نجد هذا الملك العظيم ينهض من فاس في شوال 673=1275 ويصل إلى طنجة حيث جهز جيشا قوامه خمسة آلاف، ويعقد عليه لابنه أبي زيان بعد أن طلب إلى الشيخ العزفي صاحب سبتة أن يساعده بقطع من الأسطول لإجازة الجيش وقد حضر قصر المجاز عشرون قطعة من الأسطول، ساعدت الجنود على النزول في طريف في 16 من ذي القعدة من السنة المذكورة 673 = مايه 1275 حيث توغل الأمير في البلاد ونزل بساحة شريس JEREZ قبل أن يعود إلى الجزيرة الخضراء  ...

واتصلت الأخبار بالسلطان أبي يوسف فقرر الجواز بنفسه إلى الأندلس بعد الاطمئنان على الحالة الداخلية في شرق المغرب الذي كانت مسرحا لغارات متوالية من يغمراسن صاحب تلمسان ...

وهكذا فبعد أن استنفر الكافة واحتشدت القبائل، والجموع، شرع في عبور البحر من (قصر المجاز) في صفر عام 674 =1275، واحتل ساحل (طريف) ... 

والمهم أن نذكر أن السلطان أبا يوسف حين استنصر به ابن الأحمر، اشترط عليه التنازل عن بعض الثغور والمواقع، لإنزال جنده حيث سجل التاريخ تنازل أمير غرناطة عن (رندة) Ronda و(طريف) والجزيرة الخضراء . 

لقد ملأت كتائب الجيش ضاحية طريف ... وهناك عقد العاهل لولي عهده وابنه من السيدة أم العز العلوية سالفة الذكر : الأمير يوسف عقد له على خمسة آلاف من عسكره ثم تبعه على أثره، وسرح كتائبه في البسائط وخلال المعاقل حتى انتهى إلى حصن المدور AL MODOVAR وبياسة (BAEZA) وأبدة UBEDA ، وبلمة (BALMA).

وقفل أبو يوسف بعد هذه الحركات والأرض تموج بالأسرى الذي حصل عليهم وحط ركبه باستجة ECIJA.

وهنا في استجة وردت الأخبار على أبي يوسف بأن زعيم الإفرنج دونونه  DE NOUNA خرج بتكليف من ألفونس في جيش جرار لاستنقاذ الأسرى واسترجاع الأموال ... وكان جيش هذا الزعيم حاشدا جمع الناس من "المحتلم إلى الشيخ" على حد تعبير المؤرخين ...

وكان الصدام بين الجيشين يوم 15 ربيع الأول 674=9 شتنبر 1275، ولم يلبث أن أسفر التلاحم عن مصرع الزعيم دونونه الذي كان الملك ألفونس قدمه على جيوشه واستعمله على حروبه وفوض له جميع أموره ... وتذكر الرواية العربية أن القتل استحر في الجانب القشتالي حتى بلغت قتلاهم الألوف، وجمع المغاربة من رؤوسهم أكواما جعلوا منها مآذن أذنوا عليها لصلاتي العصر والظهر!! ... على ما يذكره المؤرخون. وقد تليت أخبار هذا النصر من أعلى منبر جامع القرويين التي اقتدت بها سائر منابر المغرب ... 

لقد أمسى أبو يوسف يلقب بالمنصور لأن المواطنين وجدوا فيه شبها بالمنصور الموحدي، وأصبحوا يعلقون عليه الكثير من الآمال في استقامة الأحوال وعودة أيام ما قبل معركة العقاب التي كانت طالع نحس بالنسبة لدولة الموحدين.

ومع اهتمام أبي يوسف بأمر الأندلس والأندلسيين، نراه - بعد عودته إلى فاس - يفكر في تحقيق مشروع معماري كبير أصبح يحلم به ...

لقد اقتنع بأن مدينة ادريس بعدوتيها : عدوة القرويين وعدوة الأندلس، لم تعد كافية لإيواء الواردين، وهكذا قرر وبتاريخ 3 شوال 674هـ 21 مارس 1276 بناء فاس الجديدة التي خطط لها مهندسون على نحو ما فعله الإمام ادريس عند بنائه لفاس القديمة، وهكذا شاهدنا ما سمي آنذاك بالمدينة البيضاء أو فاس الجديدة ...

كان الإقدام على تشييد المدينة الجديدة يعبر عن نظره البعيد، - أنا أسميه إدريس الثالث!! - لقد أصبحت فاس القديمة والجديدة كرسي المملكة بالنسبة للحاكمين، ومنسكا للصالحين والمتقربين، ومدرسة للعلماء والمتطلعين، ومستجما للمرهقين ومصحة للمتعبين وسوقا رائجة عرفت بأقدار التحف والنفايس ودار صناعة تجلت فيها عبقرية الإنسان ...

قصدها الناس من كل مكان متناسين أوطارهم وأوطانهم، ولكثر ما شعروا بالارتياح وهم يقيمون بوطنهم الجديد ولكثر ما تملكهم من حب وتقدير، عادوا يعتبرون أن نعت الشاوي والمراكشي، والأندلسي والرندي، والعراقي والشامي نعت لا يعني غير مجرد كلمة أصبحت في عداد التاريخ !!.

وقد كان في أبرز تلك القرارات بعد بناء فاس الجديدة قرار تفقد الديار الأندلسية ولاسيما وأن للعاهل أبي يوسف فيها – كلنا يعلم -  قادة عليه أن يتفقدهم بين الفينة والأخرى وخاصة بعد موقعة استجة ECIJA التي كانت تتطلب تعهد نتائجها والاحتياط من ردود فعلها! 

ومن هنا وجدنا أبا يوسف في تلك الديار مرة ثانية عام 676هـ 1277 حيث أجاز البحر من قصر المجاز إلى طريف التي وصلها أخر المحرم من العام المذكور ... ومن طريف والجزيرة الخضراء إلى رندة التي بقي فيها نحوا من ثلاثين يوما يتفقد منشئاته فيها، والتي كان المسجد الكبير في صدرها، قبل أن يرتحل عنها، حيث تمت مواجهة مع ملك الروم الذي خرج في حشود حافلة وعلى ترتيب تولت وصفه المصادر القشتالية والمغربية على السواء. 

وقد عاد أبو يوسف إلى مقره بالجزيرة الخضراء التي دخلها في الثامن والعشرين من ربيع الأول 676=28 غشت 1277.

ولم تسكن له حركة وهو في الجزيرة الخضراء حيث خرج منتصف ربيع الآخر يناوش مدينة شريس JEREZ DE LA FRONTERA، وإلى جانب هذا سرح ولده وولدي عهده وابنه من الشريفة أم العز الأمير يوسف من معسكره في سرية لشن الغارات الاستباقية على بعض المواقع قبل أن يعود إلى والده الذي سر لما قام بها الابن من مبادرات ...

وقد أخذ أبو يوسف يفكر بصفة جدية في استرجاع قرطبة باعتبارها بلدا يعتمد عليها الروم في معاشهم ... وبالفعل نهض إليها – بعد أن استنفر ابن الأحمر لمرافقته – وكان ذلك في فاتح جمادى الأولى من سنة 676هـ = 30 شتنبر 1277.

واحتل بالفعل ضواحي قرطبة وخفقت ألوية السلطان في نواحيها وضربت طبوله في فضائها ... ووصلوا حصن الزهراء، حيث أقام السلطان أبو يوسف بها ثلاثا قبل أن يرتحل عنها ليستقبل وفدا عن الأقسة والرهبان للوساطة في الصلح، وهنا وجدناه يحيل الوفد إلى ابن الأحمر قائلا : إنما أنا ضيف والضيف لا يصالح على رب المنزل !

وعاد أبو يوسف إلى الجزيرة الخضراء التي كان يشيد فيها قصوره وما يحتاج إليه لاستقبال ضيوفه قبل أن يعود إلى المغرب فاتح سنة 677 مايه 1278 حيث اهتزت البلاد لمقدمه ... بعد أن كان منبر القرويين ردد أصداء انتصاراته على ما قلنا ... 

وقد حدث أن تغير الجو بين العاهل المغربي وابن الأحمر الأمر الذي أدى إلى تخوف هذا الأخير من الأول وتوقعه أن يفعل به ما فعل السلطان يوسف ابن تاشفين مع المعتمد ابن عباد ..!! وهكذا وجدنا ابن الأحمر يجعل يده في يد ألفونس الذي لم يتردد في إعلان الحرب على ملك المغرب، ومهاجمة قطع أسطوله الموجودة في الجزيرة الخضراء، وتجاوز الروم هذا إلى أن يمنعوا العاهل المغربي من عبور البحر للوصول إلى قواعده في الأندلس ... ولم يقف الأمر عند هذا الحد ولكن تجاوزه إلى عقد حلف ثلاثي مارق يضم قشتالة وغرناطة وتلمسان أيضا، كل هذا كان بهدف كسر شوكة العاهل المغربي أبي يوسف!!

وفي خضم هذه الظروف نرى أبا يوسف يعهد لابنه الأمير يوسف باستنفار الناس والاستعانة بالأسطول لتحرير الجزيرة الخضراء وفك الحصار عن بني مرين. 

وقد صادف قيام هذه الحركة ندم صاحب غرناطة ابن الأحمر على ما كان بدر منه لاسيما عندما بلغت الأخبار عن استعداد أزيد من سبعين قطعة من الأسطول بمرفأ سبتة لعبور البحر إلى الأندلس ... وكانت الأخبار تصل الأطراف المعنية عن طريق الحمام الزاجل من جبل طارق ...

ولم تلبث الأساطيل أن أقلعت من طنجة ثامن ربيع الأول 678=19 يوليه 1279 واجتازوا البحر وباتوا ليلة عيد المولد بمرفأ جبل الفتح، وكان عدد أساطيل الروم يناهز أربعمائة قطعة !

والتحم القتال بالنبال بين قادة الأساطيل، حيث سجل التاريخ، ما عرف بواقعة الملند  (AL MALANDE)، وهي كلمة دخلت القاموس العام، وتعني القائد العام للأسطول وكانت النتيجة أن انهزم (الملند) حيث أخذ إلى مدينة فاس ...

استجابة أبي يوسف لنجدة ألفونس العاشر

والسلطان أبو يوسف بمراكش يعيش أيام استجمام إذا به يتوصل بخطاب خطير من ألفونس العاشر كانت تحمله سفارة هامة تتألف من بطارقته وزعماء دولته مستصرخا بملك المغرب على ابنه شانصو الذي تمرد على والده بتواطؤ مع بعض الزعماء المحليين ..!!

وهنا وجدنا هذا الرجل العظيم أبا يوسف يتسع بعده السياسي والدبلوماسي لسماع الخطاب الجديد بل ويستعد للرحيل بنفسه إلى الأندلس لرد الاعتبار لخصمه السياسي بالأمس القريب!!

وهكذا قصد مع جيشه (قصر المجاز) حيث عبر إلى الجزيرة الخضراء في ربيع الثاني 681=يوليه 1282 وسار حتى نزل (صخرة عباد) القريبة من رندة، والتي ما تزال إلى اليوم تحتفظ بموقعها الشامخ الجميل حيث تهتم النشرات السياحية بذكرها، وذكر اجتماع أبي يوسف مع ألفونس العاشر بها. 

هناك في صخرة عباد قدم عليه ألفونس حيث أكرم أبو يوسف موصله ورحب به، كما تذكر المصادر التاريخية المغربية والأندلسية على السواء.

ويذكر ابن خلدون وابن الخطيب – وهما مصدران قريبان من الزمان والمكان - كما يذكر غيرهما من الأثبات أن الملك ألفونس العاشر لما اجتمع بالعاهل المغربي قبل يده إعظاما لقدره على نحو ما قرأنا، قبل عقود عام 382 = شتنبر 1942 عن تقبيل يد المنصور ابن أبي عامر من لدن ملك الروم  ...

وهناك في (صخرة عباد) طلب الفونس من أبي يوسف أن يمده بالمال ليستعين به على ظروفه، فأسلفه - تقول الرواية العربية - مائة ألف دينار من بيت مال المسلمين بينما رهنه ألفونس تاجه الموروث عن أسلافه...!

قال ابن خلدون "وبقي هذا التاج بدار بني أبي يوسف بن عبد الحق بمدينة فاس فخرا للأعقاب، لهذا العهد، يعني أواخر القرن الثامن الهجري" ... 

ونحن نتحدث عن (صخرة عباد) لابد لي من الإشادة بمساعدة ثمينة تلقيتها من سعادة السيدة الفضلى عمدة المدينة مدام خوسي فين بيبي PEPI PHINE JOSE H.E. التي أبت إلا أن ترافقني يوم 28/8/08 في زيارتي للصخرة رفقة فريق يتألف من المؤرخين والآثاريين والمصورين، علاوة على ما قدم إلي من مقالات ومعلومات أصيلة عن هذا الموقع الذي  يعتبر بالفعل حصنا من الحصون المنيعة، وهو يؤرخ لبداية النهاية في الوجود العربي بالأندلس حيث كان الاستيلاء عليه - بعد معارك  متوالية عنيفة – مؤشرا للهيمنة على رندة التي كانت  تابعة للعاهل المغربي ! وقد ذكرني تسلق الصخرة والوصول إلى قمتها في شعر السموأل :

هو الأبلق الفرد الذي شاع ذكره

يعز على من رامه ويطول!!

لقد رافق العاهل المغربي أبو يوسف الملك ألفونس إلى المناطق التي يحتلها ولده، ونازل قرطبة وبها يومئذ شانصو بن ألفونس الخارج على والده، فقاتلها أياما قبل أن يعود إلى معسكره ويبعث سراياه إلى جيان ويقصد طليطلة حتى انتهى إلى حصن (مجريط) الذي كان يعنى موقعا أندلسيا صغيرا أنشأه المسلمون أواسط القرن التاسع الميلادي، وينطلق بها الاسبان مخريط MAGEIRIT.

وقد سجل التاريخ الدبلوماسي الدولي هنا حدثا فريدا من نوعه ظل وسيظل مفخرة لأبي يوسف، عبر التاريخ، وذلك أن العاهل المغربي - وقد تحسس من خلال حديثه إلى حليفه الملك ألفونس أن ملك فرنسا فيليب لوهاردي لم يقف بجانب ألفونس في محنته مع ولده -، أقول : العاهل المغربي أقدم على القيام بمساعيه الحميدة من أجل حمل ملك فرنسا على مصالحة ملك اسبانيا مؤكدا أنه بالرغم مما يوجد بينه وبين ألفونس من خلافات حول الحدود، وبالرغم أيضا من أن المغرب ليس على دين أي من ملك فرنسا وملك اسبانيا، إلا أن ما حدث، جعلنا نتدخل لصالح الشرعية وصالح السلام في أوربا ..."

وقفت على هذه الرسالة شخصيا في المتحف العسكري بباريز، وأخذت لها صورة ظللت أعتز بها باعتبارها حجة قوية على أن السلطان أبا يوسف كان يعمل من أجل بناء السلام بين الشعوب لا يراعي في ذلك اختلافا في الدين والعقيدة ولا اختلافا في الشؤون العارضة.

لقد اعتدت أن أعايد أصدقائي بإرسال بطاقة تحمل بعض المعلومات الهامة، وكان من هذه المعايدات ما ورد في هذه الرسالة التاريخية ... عبارة تخاطب ملك فرنسا بهذه الكلمات : "... فإن أصابكم ما غير خاطركم من قبل الملك المذكور أو غير خاطره من قبلكم فنحن نضمن لكم زوال ذلك حتى تعود المودة على أكمل ما تقر به العيون" ...

وقد حررت هذه الرسالة بتاريخ 20 رجب 681=24 أكتوبر 1282 على أرض استجة ECIJA التي سبق أن قلنا أنها كانت مصرعا للقائد ذونونه في الموقعة التي تحمل اسم استجة والتي حضرها العاهل أبو يوسف نفسه.

لقد سجل التاريخ الدولي بهذا الحديث الكبير ظاهرة اعتبرها الأولى من نوعها ... حيت رأينا أول محاولة لربط الصلات بين ثلاثة دول : اسبانيا – فرنسا – المغرب  بمعنى أننا وجدنا أنفسنا أمام محاولة اتفاقية متعددة الأطراف وليس بين طرفين اثنين فقط.

ولقد سجلت العلاقات الثنائية بمناسبة الاستصراخ بالمغرب، تطورات هامة لا يجوز السكوت عنها لاسيما وقد احتفظ بها الأرشيف الاسباني إلى اليوم ...

ذلك أن السلطان أبا يوسف فاتح ألفونس العاشر في شأن الرفع من مستوى العلاقات بين الطرفين وهكذا سمعنا لأول مرة عن إهدائه لألفونس العاشر زربية رفيعة منسوجة من الحرير كانت أهديت لملك المغرب من الخلافة في بغداد، الأمر الذي يعبر من جهة أخرى عن علاقات المغرب بعراق العرب والعجم ...

وإلى جانب هذه الزربية التي وقفنا على أخبارنا في المصادر القشتالية حيث نجد أن العاهل يقدم هبة نقدية تناهز مائة ألف دينار ذهب، والأكثر إثارة للانتباه هو أن العاهل استصحب معه إلى المغرب عشرات الأبقار من أجل تحسين نسل الماشية التي كان المغرب يتوفر عليها بكثرة ... 

وعاد العاهل المغربي بعد هذه الحركات الهامة إلى الجزيرة الخضراء فحل بها في شعبان حيث أقام بها إلى آخر السنة المذكورة.

وقد ظل مقيما بالجزيرة ينطلق منها بين فينة وأخرى، لتفقد المواقع وإشعار الناس بأنه هنا ... مستعينا في تلك التفقدات بأولاده وأحفاده إن اقتضى الحال، قبل أن يعود إلى فاس، آواخر شعبان حيث قضى رمضان بالعاصمة هذه السنة 682=1283.

 وكان عليه أن ينتظر السنة القابلة 683هـ 1284 ليقصد إلى قصر المجاز حيث تجمعت الحشود من المتطوعة والمرتزقة، وأجاز البحر بنفسه في غرة صفر من سنة أربع وثمانين وستمائة = 1285 ... واحتل مدينة طريف، ومنها إلى الجزيرة الخضراء حيث أقام أياما ... ثم خرج قاصدا مدينة شريس JEREZ حيث بث السرايا وتفقد المسالح التي كانت في الثغور ... 

ووصل ولي عهده من المغرب الأمير يوسف بنفير أهل المغرب في جيوش ضخمة وعساكر موفورة حيث وجدوا السلطان أبا يوسف في استقبالهم والسرور بمقدمهم ... كان هناك جسر قائم من المراكب البحرية يربط بين العدوتين ... حيث كان يشعر الروم بأن أبا يوسف هنا في شريس  JEREZ مستعينا بعيونه من اليهود والمعاهدين من النصارى يتعرفون أخبار الملك سانشو الذي كان قد خلف والده ألفونس على مملكة قشتالة.

كل يوم كانت له حركة إلى وجهة من الوجهات ... بسائط اشبيلية، لبلة NIEBLA، قرمونه CARMONA، استيجة ECIJA، وجبال الشرف AL JARAFE، وجميع بسائط ألفرونتيرا LAFRONTERA.

واحتل السلطان بمحل إقامته بالجزيرة الخضراء غرة رمضان 684 نونبر 1285 قريبا من المدينة الجديدة التي بناها والتي تحمل اسم البنية La Pena  بإزاء الجزيرة حيث كان يشرف على المناورات البحرية التي تجري أمامه بالمرسى ...

هذا ويفيد ابن خلدون أن الساكنة حملوا العاهل الاسباني الجديد شانصو على إيفاد سفارة للسلطان أبي يوسف سعيا في إبرام صلح دائم معه، حيث نجده يبعث إلى أمير المسلمين وهو بالجزيرة الخضراء وفدا كبيرا من بطارقتهم يخطبون السلم، وقد ردهم السلطان لأمر اقتضاه رأيه، حيث وجدنا أن العاهل الاسباني شانصو يجدد الرغبة مفوضا للسلطان أبي يوسف في أن يشترط ما شاء لإبرام هذا الصلح ... وهنا استجاب أمير المسلمين وجنح إلى السلم وأجابهم إلى ما سألوه واشترط عليهم ما تقبلوه من مسالمة المسلمين كافة، مغاربة وغير مغاربة والوقوف عند مرضاته من ولاء جيرانه من الملوك أو عداوتهم، ورفع الضريبة عن تجار المسلمين بدار الحرب من بلاده وترك التضريب بين ملوك المسلمين والدخول بينهم في فتنة ...

وهكذا عهد السلطان للشيخ أبي محمد عبد الحق الترجمان بالمهمة وبعثه لإحكام العقد، فسار عبد الحق الترجمان إلى اشبيلية حيث اجتمع بسانشو ووقع الاتفاق على الوفاء بالشروط المطلوبة.

وقد أوعز عبد الحق الترجمان للملك سانشو بالوفادة بنفسه على العاهل أبي يوسف لتتمكن الألفة وتستحكم العقدة ... فسأله شانصو لقي الأمير يوسف أولا ليطمئن قلبه حيث اجتمع الشخصان على فراسخ من لافرونتيررا LAFRONTERA، وباتا بمعسكر المسلمين هناك.

وارتحلا من الغد للقاء أبي يوسف حيث شهدت المدينة احتفالا كبيرا لم يشاهدوه من قبل حيث صدر الأمر بأن لا يلبس المسلمون إلا البياض 

وقد ظهر الملك سانشو في جماعته بلباس أسود ... كان مشهدا رائعا يوم الأحد 20 شعبان سنة 684 = 21 أكتوبر 1285.

وهكذا تحقق - بعد لقاء (صخرة عباد) التاريخي بالأمس – بين أبي يوسف وألفونس العاشر، تحقق لقاء قمة ثان بالمكان الذي يحمل اسم (حصن الصخرات). 

تقدم العاهل الإسباني فلقيه العاهل المغربي بأحسن مبرة وأتم كرامة يلقي بها مثله من عظماء الملل ... وما تزال هذه البقعة اليوم مركزا مقصودا للزائرين.

وقدم سانشو بين يدي أبي يوسف هدية من طرف بلاده أتحف بها السلطان وولي عهده كان فيها زوج من الخيل الوحشي المسمى بالفيل، وحمارة من حمر الوحش إلى غير ذلك من الطرف فقبلها السلطان وابنه وأضعف له المكافأة ووقع عقد السلم.

وهنا طلب السلطان أبو يوسف أن يبعث إليه العاهل الإسباني بكتب العلم التي بأيدي الروم منذ استيلائهم على المدن الأندلسية، فبعث إليه بثلاثة عشر حملا : منها جمله من مصاحف القرآن الكريم وتفاسير كابن عطية والثعلبي كما بعث كتب الحديث وشروحاتها كالتهذيب والاستذكار، ومن كتب الأصول والفروع واللغة العربية والأدب وغير ذلك.


 
     
  حديث بمناسبة العمرة من مسجد الجعرانة إلى المسجد الحرام  
 

الجعرانة : بكسر الجيم والعين موقع جغرافي بين الطائف ومكة، وهو إلى مكة أقرب وفي الأثر الشريف : "إنه بعد رجوع النبي (ص) من غزوة الطائف وصل إلى الجعرانة وكان يحبس بها غنائم قبيلة هوازن، فأقام بالجعرانة ثلاث عشرة ليلة في انتظار وفد هوازن الذين جاؤوا تائبين، فلما أراد (ص) الانصراف إلى المدينة، خرج ليلا فأحرم بعمرة ودخل مكة فطاف وسعى ماشيا وحلق ورجع إلى الجعرانة من ليلته ....

وقال أبو العباس القاضي : "أفضل العمرة لأهل مكة من الجعرانة لأن رسول الله (ص) اعتمر منها، وهي من مكة على بريد ... وهذا مذهب الأئمة الثلاث : الشافعي ومالك وابن حنبل. وقد ورد ذكر الجعرانة في الشعر العربي وكان من ذلك : 

فيا ليت في الجعرانة اليوم دارها

فكنت أراها في الملبين ساعة

ودارى ما بين الشئام فكبكب

ببطن مني ترمي جمار المحصب!



من هذا الموقع : الجعرانة حبب إلي هذه المرة أن أحرم اقتداء بفعل الرسول عليه الصلاة والسلام حيث جعل رداءه مارا من تحت الإبط الأيمن أخذا بطرفه جاعلا إياه على الكتف الأيسر تاركا الكتف الأيمن عاريا، وهي العملية التي تحمل في مصطلح الفقهاء اسم : (الإضطباع) بتقديم الضاد على الطاء ...

وهكذا فكما قمنا قبل خمسين سنة خلت بالعمرة من هذا المكان عدنا اليوم إليه استحضارا للذكرى وحرصا على المقارنات والمفارقات بين ما كانت عليه الأوضاع تلك والأوضاع هذه الأيام.  

لقد كنت في رحلتي الأولى التي عنونتها : "التحليق إلى البيت العتيق"، قمت بوصف دقيق لظروف رحلتنا التي تمت على متن الجو من المغرب إلى جدة 1378هـ 1959م عبر طرابلس، وكان الناس قبلها - كلنا يعلم – يقصدون مكة عن طريق البر أو البحر ...

لم تكن هذه الرحلة الثانية مبرمجة في نشاطي خارج المغرب هذا العام لكن أمرها كان مطاعا عندي كالشأن في كل دعوة تأتي من تلك البقاع المقدسة التي أعتز بالارتباط بها ... لاسيما وهي سفرة ما أوجفت عليها من خيل ولا ركاب !

وكم كان الفرق شاسعا بين الأسطول الجوي بالأمس واليوم ! لقد كانت الطائرة

(إير باص) تحتضن أزيد من خمسمائة نفر!!

كل هؤلاء يقصدون هذه الليلة 17 رمضان 1428 (29 شتنبر 2007) المدينة المنورة دون توقف في طرابلس على نحو ما كان الشأن قبل خمسين سنة !

ووجدنا أنفسنا في مطار المدينة الفسيح الأنيق الرفيع الذي كان يعج بالطائرات من مختلف الأحجام بما فيها الطائرات الخاصة !

 وكم كان الفرق بين أزقة المدينة التي عرفناها بالأمس وبين شوارعها اليوم!! بين فنادقها المتواضعة قبل وبين فنادقها الشامخة بعد، بين مساحة المسجد النبوي التي رأيناها قبل وبين مساحته الفسيحة الأرجاء اليوم ... الفرق بين معاناة الزوار بالأمس وبين الإماكانات المتوفرة اليوم للناس، كل الناس على اختلاف أطيافهم وشرائحهم الاجتماعية، والمناخ؟ والطقس؟ والجو؟ كل هذا أصبح أمرا متحكما فيه مهيمنا عليه ! فأجهزة التكييف بمختلف أشكالها منتشرة في كل الجهات، فيها المسموع وفيها الصامت! والماء موجود في كل منعرج ومنعطف بارده ودافئه! أما عن السراديب وما أدراك ما السراديب؟ سراديب تحت الأرض كانت السر الذي يقف إزاء مظاهر المنشئات العليا،  صمودها نظيفة متألقة لامعة، تلك السراديب التي تشمل على دورات المياه التي تظل في خدمة الحجاج أناء الليل وأطراف النهار ... تظل في خدمة المترددين عليها رجالا ونساءا وأطفالا بما تتوفر عليه من أعداد كبيرة من الخدام والمساعدين والمساعدات.

ولقد ظهرت اللوافت بمختلف اللغات لإرشاد الزوار، ولم يبق هناك مشكل بالنسبة للمسلمين الذين يتحدثون بالفرنسية أو بالإنجليزية أو بالأوردو – لقد أخذت العولمة هناك أيضا تفرض نفسها على الزائرين والزائرات، وهكذا فالحروف الأخرى قائمة إلى جانب الحرف العربي ... والمصاحف رهن إشارة القراء، بدون استثناء، وبأي لسان من الألسن المستعملة في الترجمة بالأمم المتحدة ... الحاج نفسه أو المعتمر لم يعد ذلك الزائر الذي كان يأتي بالأمس ... لقد تطور الناس واتسعت دائرة ثقافتهم وانفتحت صدروهم ووسائل تواصلهم، وتخففوا من الأعباء التي كانت تثقلهم بالأمس ...  للسيارات مرائب تحت الأرض معروفة المساحة معلمة الساحة ...

كنا بالأمس لا نتمكن من سماع الخطباء والأئمة ولا حتى من التعرف على وجوههم لكنا اليوم نرى الإمام ونسمع الخطيب عبر المذياع والتلفزيون ... وللحاجة المعتمرة والزائرة نفس الحقوق والواجبات في القراءة والإطلاع على كل ما يجري في الساحة ...

تغيرت الأشياء ... وحتى فيما يتعلق بتواصل الناس على الساحة المحلية بل وعلى الساحة الدولية عبر إدارات البريد العادي والسريع، بل إن الناس أصبحوا يملكون أمر تواصلهم مع ذويهم خارج هذه البقاع دون رقابة ولا متابعة، وبيسر مدهش، وحتى من داخل المسجد النبوي وحتى في الروضة الشريفة بين المحراب والمنبر ... لم تعد هناك مقارنة بين الأمس واليوم ... ثم إن الوسائل متوفرة للوصول إلى معالم المدينة التي كانت مشاهد للرسول عليه الصلوات : مسجد قباء، مسجد الجمعة، مسجد الغمامة، مسجد القبلتين، جبل أحد، جبل ثور، جبل بني قريظة ... وادي الحليفة، البقيع، حديقة البيعة ، أبار علي ... كل هذه الأمكنة وغيرها أصبحت معروفة المعالم ... ولها وعليها تآليف أدلة مصورة تكشف عنها للأجيال الحاضرة...

أما عن الالتحاق بمكة فكل الطرق توصل إلى مكة! علاوة على الطريق الجوي هناك الطريق السيار المزفت والمؤثث بالعدد الكثير من المحطات المزودة بمخازن تزودك بما تشتهيه ... مشروبات، متناولات، مسليات، صحف، مجلات، وكأنك تعبر طريقا من طرق أوروبا أو أمريكا ... سفر لا يحتاج لزاد كما يقولون!

لقد فضلنا هذه المرة أن نلتحق بمكة عبر الطائرة التي لم تكد تحلق حتى أخذت تستعد للنزول في جدة ..! ظاهرة أخرى تثلج الصدور ... إن القوم درسوا أحوال العابرين من الحجاج والمعتمرين فوجدوا أن فيهم الضعيف والعاجز والمعذور والمعوق، فيسروا للناس طريق الصعود والنزول حتى لا يشعر أصحاب القلوب المريضة بما قد يلحقهم من إرهاق، ولا يشعر الزمنى بأنهم معوقون فعلا، ويسألون عن درجة إعاقتك فيهيئون لك ما يناسبك من وسائل الراحة وكأنك جالس في بيتك وعلى فراشك! إنما عليك أن تتفقد جيبك وتكون كريما مع الذين يخدمونك و(الزيت في العجين لا يضيع) كما يذكر المثل العربي!

وفي المسجد الحرام بمكة، وبالرغم من هذه الحشود التي تجاوزت هذا العام عدد المليونين، كان الإنسان، أي إنسان، يشعر بأنه يستطيع أن يجد له موضع قدم في هذا الخضم من البشر، أن يجد من يتنافس على إفطاره وإطعامه ابتغاء مرضاة الله! 

وقد فضلت، كما أشرت في البداية، أن أنطلق في عمرتي مما انطلق منه السابقون ... (الجعرانة) وهكذا أخذنا معنا السيد أبا وليد الذي سألنا في البداية عن موقع الجعرانة الذي أحرم منه الرسول؟ ولم لا ننطلق من "التنعيم" الذي أحرمت منه زوجته السيدة عائشة ...؟

معظم الذين سمعوا (الجعرانة) سألوا عن السر في اختيارها بالذات ... ووصلناها بعد نحو من خمسة وعشرين كيلومترا حيث أخذنا لنا "دوشا" في المكان المخصص لذلك، ثم قصدنا المسجد الذي دخله الرسول عليه الصلوات ... لقد كان المسجد الذي عرفناه بالأمس عاطلا تقريبا، لكنا وجدناه اليوم مزودا بالكهرباء ومكبر للصوت، ويحتوي على مكتبة تحتضن العدد الكافي من المصاحف إضافة إلى بعض المؤلفات التي تعالج الشؤون الدينية : صوم رمضان، ختم القرآن، يشعر المرء هنا شعورا جيدا بروحانية الزمان والمكان ...

ولم يكن غريبا علي أن أجد هنا عددا من الذين وردوا لعين المسجد : مسجد الجعرانة الذي يقع بين أكام تحيط بالموقع ... صادفنا هنا معتمرين من إندونيسيا ... وآخرين من الباكستان، إسلام أباد، من تاجيكستان، ومن بغداد، الكرخ ... كل الذين تحدثت إليهم من هؤلاء الواردين كانوا يرجعون إلى ذاكرتهم عن اعتمار النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الموقع.

وعندما أخذنا طريق العودة إلى مكة انتصبت لافتة أمامنا تقول : للمسلمين فقط ... وبجانبها الإنجليزية ما ترجمته بداية حدود الحرم (Begining of haram Boundary).

لقد تذكرت هنا وساطة كانت طلبت مني منذ يبراير عام 1987، أي قبل عشرين سنة وساطة طلب إلي أن أقوم بها بين الملتقى الدولي حول (وحدة الديانات السماوية) المنعقد في قرطبة وبين سمو ولي عهد المملكة العربية السعودية آنذاك الأمير عبد الله بن عبد العزيز، طلبت مني هذه الوساطة التي تهدف إلى السماح بإقامة كنيسة للمسيحيين بجدة! وقد ربطت بين تلك الوساطة قبل عشرين سنة، بما قرأناه هذه الأيام بمناسبة زيارة خادم الحرمين الملك عبد الله بن عبد العزيز للفاتيكان في بداية نونبر 2007، بما قرأنا عن رغبة البابا في فتح أبواب مكة لغير المسلمين!! 

أعود للقول، ونحن نقوم بمناسك العمرة هذا العام (1428=2007)، شعرت بتحول كبير وأنا أمارس واجباتي في هذه البقاع ... رحاب مكة 

بداية، علي أن أذكر أن المعوق اليوم أمسى غير معوق، فالعربات المتحركة أصبحت منتشرة في كل زاوية، وأصبح من المعتاد أن نرى منظمة الوقف توفر العربات لكل راغب، وهكذا فإن المسافة التي كان على المعتمر أو الحاج أن يقطعها وهو يطوف بالكعبة المشرفة، هذه المسافة غدا من الممكن أن يقطعها المعتمر وهو راكب على عربة يجرها آخر ... بل أصبح من الممكن وقد تنوعت أشكال العربات أن يسوق العاجز عربته بنفسه بواسطة بطاريات تتجدد ...!

وما قلناه عن الطواف نقوله عن السعي بين الصفا والمروة ... وهكذا أمسى من الممكن أن نرى العاجزين وفي استطاعتهم أن يركبوا تلك العربات ليقوموا بجولات مريحة بين الصفا والمروة، لقد غاب "الشقذف" و"المحمل" الذي كنا نعرفه بالأمس، "ذهب إلى غير رجعة"...

وقضت الحاجة وبلغ الاجتهاد إلى أن خلق من المطاف الواحد عدة مطافات، وخلق من المسعى الواحد عدة مساعي، وقد وظفت الكهرباء لخدمة الحجاج والمعتمرين وأمسى العاجز يستعين بالمصاعد الكهربائية لتنقله حيث يشاء، إلى السراديب، إلى السطوح ...

وقبل هذا وبعد هذا ... الحفاظ التام على أمنك وراحتك وكرامتك لتؤدي مناسكك وأنت شاعر بالطمأنينة التي هي الشرط الأساسي في الدخول إلى العبادات : " فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة" ...

هنا رجل الأمن المتخصص في متابعة أصحاب السوابق الذين ينشلون المعتمرين والمصلين ويستخدمون الأمواس والمقصات من الذين تفضحهم البصمات والقسمات. 

لكن مما يثير الانتباه مما لم نكن نعرفه في عمرتنا الأولى قبل خمسين سنة أن في استطاعة الحاج والمعتمر أن يتصل بسائر جهات العالم عن طريق الهاتف المحمول ... وهكذا فمن المعتاد أن نرى الطائفين والساعين يتناولون أطراف الحديث مع مختلف أطراف الدنيا ... وقد طلب إلي شقيقي ورفيقي الطبيب عبد الحكم عن الرأي في مثل هذا الحديث مع الآخرين أثناء الطواف والسعي. 

ورجعت بي الذاكرة إلى أقوال الفقهاء الذين كانوا يقولون : إن الطواف بمثابة الصلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام ... 

وحيث إن الكلام مباح في الطواف بمكة، فإن هذا يعني أن الكلام مباح حتى مع الذين يوجدون في قارة أخرى!!

وهناك ظاهرة أخرى لم تكن متيسرة لدينا بالأمس، تلك أخذ الصور للحاج أو المعتمر ... إن تلك الهواتف المتحركة تتوفر ذاتها على جهاز للتصوير وعلى جهاز كذلك لتسجيل الأصوات التي تجري على اللسان ...

حتى ماء زمزم الذي كان بالأمس محل صراع وتدافع وأخذ طابور، أمسى اليوم نتيجة للعلم والمعرفة أضحى لسبب أو آخر متوفرا للناس في كل منعرج ومنعطف وفي قنينات مرتبة 

لم يعد هناك مستحيل على المشرفين على التخطيط للمستقبل، حتى جبال مكة أخذت تعرف الخضوع للتطويع والتركيع ... جبل عمر وهو يجاور المسجد الحرام من الباب الخلفي لدار التوحيد، أمسى اليوم بمقتضى توسعة الملك بن عبد العزيز يخضع لمقتضيات تفرضها المصلحة العامة ...

وهناك عنصر حضاري أخر جديد أخذ ينتشر على الساحة ... حرية النقد والمتابعة في استطاعتك أن تقول : إن مكبرات الصوت في المساجد أضعفت الخشوع، ومست الطمأنينة! وأن صلاة التهجد في المسجد لا أصل لها في الشرع! في استطاعتك أن تقترح إنشاء حضانات للأطفال بجوار الحرم المكي ...! حرية القول لمن عنده ما يقول مما يمكن أن يقال !! 

أكثر من هذا أن في استطاعتك أن تراجع وفي أي وقت الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام، والمسجد النبوي لتلقي سؤالك من أي حجم ومن أي نوع فستجد من يحاورك في انفتاح وتفتح وتقبل لما تلقيه من فكر ... وبأي لغة شئت، وفي استطاعتك أن تقرأ أن وضع الأمة ما يزال غثاء كغثاء السيل !! ...

وبعد أن أتممت العمرة تفقدت مذكراتي التي كنت سجلت فيها ما أريد أن أقضيه في هذه العمرة ... وكان في صدر ذلك تلك المقيدات أن أسلم على سيد تربطني به وشائج ترجع لعهود خلت عندما كنت أبحث عمن يكمل معلوماتي حول الهواية الحضارية العربية المعروفة في التاريخ القديم : (القنص بالصقر) ...

وهكذا فهناك في قصر الصفا بمكة المكرمة وصلت الرحم مع خادم الحرمين الملك عبد الله بن عبد العزيز الذي له ببلادنا بصمات تعرفها جيدا الزائرات والزائرون لمؤسسة الملك عبد العزيز بالدار البيضاء ويعرفها الطلبة المترددون على جامعة الأخوين!

وعلى ذكر المؤسسة السعودية بالمغرب أذكر أنني تفقدت بعض المكتبات التي كان لي معها تاريخ هنا وخاصة منها المكتبة التي توجد جوار باب السلام الذي كان بدوره بمثابة أكاديمية لمكة تجتمع حولها وفيها معظم مكتبات مكة .

وقد استجبت لدعوة كريمة من زميلي العلامة الكبير عبد الملك ابن دهيش لزيارة مكتبته العظيمة التي تقع في حي العزيزية بضواحي مكة المكرمة.

لقد أثقل هذا السيد الجليل حقائبي بمؤلفاته العديدة المفيدة من التي حررها بيراعته أو التي أشرف على إخراجها أو حققها من أمثال : أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه، تصنيف الإمام أبي عبد الله محمد بن إسحاق ابن العباس الفاكهي المكي من علماء القرن الثالث الهجري دراسة وتحقيق الأستاذ الدكتور عبد الملك بن عبد الله بن دهيش، ستة أجزاء.

وأمثال الحرم المكي الشريف والأعلام المحيطة به، دراسة تاريخية وميدانية، وهو البحث الذي قدمه الشيخ عبد الملك ابن دهيش لنيل درجة الدكتوراه.

بيت ابن دهيش كله إخوة وأبناء بمن فيهم اخو الشيخ الأستاذ الدكتور عبد اللطيف الذي  كان لي نعم المساعد على الوصول إلى هذا الملاذ ... لم أشعر فيه بالوقت كيف يمر. 

لقد كان اليوم يصادف ثاني عيد الفطر هناك بينما يمثل عندنا بالمغرب أخر يوم من رمضان، وبطبيعة الحال ألقى السؤال الآزلي كيف يحصل هذا الخلاف؟ وذكرت هنا الصهر العلامة الفلكي محمد ابن عبد الرازق صاحب (العذب الزلال) ...

وقد قرأت هنا عن خبر صدر يومه في جريدة الرياض (14 أكتوبر 2007)  يتحدث عن (باكستان تحتفل بعيد الفطر ثلاث مرات) نظرا لاختلاف المطالع هنا وهناك  ...

وقد اجتمعت في نادي الشيخ ابن دهيش بعدد من أعيان مكة من الذين وردوا للسلام على هذا الشيخ الفذ، كان على رأس أولئك معالي الشيخ الدكتور صالح بن حميد رئيس مجلس الشورى وآخرون وردوا قبل أن يؤدي الجميع صلاة الظهر ويتقدموا إلى الموائد والفوائد.

كل ركن في مكة كان يغري بالزيارة، إن مكة تكون متحفا يذكرك بتاريخ عبق من تاريخ ماضيك مما ألف عنه أسلافك وأجدادك ... ومما أعدت له الجهات المختصة اليوم عشرات النشرات والتآليف تسهيلا على المعتمرين والحجاج ... وخاصة من هذه الوثائق ما كتبه آل ابن دهيش وما حرره الدكتور خالد محمد حامد مما زود بالصور والرسوم والخرائط الملونة من التي لا غنى للحاج والمعتمر عنها ... وهنا في تأليف الأستاذ حامد سنقف على مسجد نمرة وجبل الرحمة ومسجد الصخيرات ومزدلفة ومسجد المشعر الحرام ووادي محسر، ومنى، ومسجد الخيف، وجمرة العقبة الكبرى والجمرة الوسطى والجمرة الصغرى ...

هذا إلى الجبال المحيطة بمكة من أمثال جبل حراء وجبل ثور، وغار ثور، وجبل أبي قبيس، وجبل قيقعان وجبل ثبير، وجبل أجياد وجبل الصفا ...

ونظرا للكثرة المتزايدة أضحى من القضايا التي تفرض التفكير فيها قضية توسيع فضاء الحرم، بمعنى أن تعتبر المساجد الأخرى على أنها جزء من ذلك الفضاء ... ما دامت مساجد الحرم تتناول ما جاور أيضا. 

ونحن نعرف عن المساجد التي تحتضنها مكة في كل جهة من جهاتها مما تؤدى فيه صلاة الجمعة أمثال مسجد الراية ومسجد خالد بن الوليد ومسجد حمزة بن عبد المطلب ومسجد التنعيم والذي أحرمت منه السيدة عائشة ومسجد الجعرانة سالف الذكر، ومسجد الحديبية ومسجد البيعة ومسجد الجن ومسجد الشجرة ومسجد الإجابة ومسجد أبي بكر الصديق ومسجد الفتح.

ويتحدث المؤرخون بمكة عن مكان المولد النبوي كمعلمة من المعالم التي تستحق الزيارة وعن المحصب وعن وادي طوى، ومقبرة المعلا ووادي سرف  ....

وبعد، فقد قصدت أن أثير الانتباه إلى الجعرانة : هذه المعلمة التاريخية الكبيرة التي يكاد اسمها يغيب عمن يقصدون مكة اليوم لأداء مناسك الحج والعمرة ... وإني لأرجو من خلال هذه الإشارة، أن يهتم الزائرون والزائرات بهذا الموقع الجغرافي الذي نسميه الجعرانة، والذي كان له ذكر عطر في بداية التاريخ الإسلامي على ما عرفناه والذي ظل بالنسبة لرجال العلم المنطلق المفضل لبداية عمراتهم الميمونة البارة... 





 





 
     
  التاريخ الآخر للمغرب ابن العربي المعافري نموذجا  
 

الدرس الافتتاحي الذي أعده د. عبد الهادي التازي عضو أكاديمية المملكة المغربية بجامعة الملك محمد بن عبد الله – فاس، بدعوة من رئيس الجامعة الأستاذ الدكتور السيد السرغيني الفارسي يوم الخميس 25 من ذي القعدة 1433 الموافق 11 أكتوبر 2012، بالقاعة الكبرى لكلية الطب.

تاريخ المغرب الذي قرأناه بالأمس، كنا نسمع فيه عن قائد تغلب على قائد فانتزع من يديه ما كان يستولي عليه، وكنا نسمع فيه عن قتل هذا الزعيم لزعيم آخر وإقامة إمارة أخرى، وكنا نسمع عن بيعة ملك نظرا لما يتوفر عليه من كريزمات تبرر اختياره، ثم عن عزله لأنه لم يقم بواجباته .. !

هكذا كنا نقرأ تاريخنا المحلى، طبعا إلى جانب تاريخ معلمة من المعالم التاريخية شيدت هنا أو هناك أو قنطرة بنيت على هذا النهر في الجنوب أو الشمال ...

لكن هناك تاريخا آخر كانت مصادرنا كسولة في كتابته أو الالتفات إليه، ذلك تاريخ علاقاتنا مع الأمم الأخرى التي تقع على ساحل البحر المتوسط أو ساحل المحيط الأطلسي ... علاقات المغرب بباقي ممالك إفريقيا، بأوروبا، أو آسيا، أو أمريكا. ذلك "التاريخ الجميل" الحافل بكل المعطيات، عرفنا من خلال ذلك "التاريخ الجميل" الحسن القانوني للمغاربة الرجال الذين كانوا يعقدون الاتفاقيات والمعاهدات، ويرفعون الرسائل والخطابات إلى ملوك وقادة الأمم الأخرى ..

عرفنا من خلال ذلك "التاريخ الجميل" عن دور الأدب الإداري الذي كان يتمثل في إنشاء الرسائل التي تنتقل من فاس أو مراكش أو مكناس مثلا إلى الجهات الأخرى التي احتفظت – لحسن الحظ – بنصوصها الرفيعة الرائعة ...

التاريخ الدولي لأمة من الأمم يعني التعبير عن مظهر من مظاهر رقيها وترفها لأن الدولة لا تفكر في الاتصال بالعالم الخارجي إلا إذا كانت داخليا في وضع سعيد رغيد ...

عرفنا من خلال ذلك "التاريخ الجميل" عن "العُملة" " السِّكة" التي كان المغرب يتعامل بها داخلا وخارجا، وسجلنا حضور عُملتنا من عهد ما قبل ظهور الإسلام إلى اليوم، قادتنا كابرا عن كابر بأسمائهم وشعاراتهم، كل هذا "التاريخ الجميل" أهملناه ...

مؤرخونا من أمثال ابن صاحب الصلاة، والمراكشي، وابن أبي زرع، وابن خلدون، والقلقشندي ... سجلوا بعض اللقطات، لكنهم كانوا غائبين عما يوجد في الأرشيفات والمصادر الأوروبية .. !

لم نكن نعرف عن زواج العاهل المغربي يوبا الثاني بالأميرة المصرية كليوباترا سيلني حتى وقفنا على سكته التي تحمل صورته إلى جانب صورتها ...

لقد قدر لي أن أنتقل من سلك التعليم إلى السلك الدبلوماسي ووجدت نفسي يوم الاثنين 13 مايه 1963 أمام الملك الحسن الثاني يقلدني وظيفة السفير ببغداد .. فأعربت له عن غبطتي بالوظيفة الجديدة وقلت له : إنني سعيد جدا أن أكون حلقة من حلقات السلسلة التي تربط المغرب بأرض الرافدين وذكرت له اسم : الإمام عبد الله ابن العربي الذي راح إلى بغداد صحبة ابنه أبي بكر سفيرا ليوسف ابن تاشفين بهدف ربط الصلات بين جناحي العالم الإسلامي ... 

هنا طلب مني أن أتولى كتابة هذا التاريخ، ورحت أبحث في غضون المكتبات والخزانات فوجدت نفسي أنني أعيش مع "تاريخ آخر" ... لم أقرأه في كتاب ولم أسمع به في مجلس !

هذا ما أردت أن أقوله لأبنائنا وبناتنا إن لم أقل أحفادنا وحفيداتنا. حرام أن لا يخصص لهذا "التاريخ الجميل" كرسي في كل جامعة من الجامعات المغربية، حرام أن لا تحتفل بهذا الجانب الحضاري من جوانب حضارتنا وثقافتنا، إنه رافد من روافد هويتنا الوطنية ... حرام أن لا نبحث عن نفوسنا في دهاليس المكتبات الأوروبية، والآسيوية والإفريقية ... في بطون الكتب والمنعرجات والمنعطفات !!

هناك على مقربة من جامع القرويين فسقية "خصة" عظيمة من الرخام تزن مائة قنطار وثلاثة وأربعين قنطارا نقلت من ألمرية الأندلسية وعبرت بوغاز جبل طارق إلى ميناء العرائش عام 725/1324-1325، ومن العرائش حملت بالعجلات إلى أن وصلت إلى منزل قوم يسكنون على ضفة وادي  سبو، ونقلت منه إلى أن وصلت إلى ضواحي فاس حيث حملت إلى مدرسة الصهريج قبل أن نستقر بالمدرسة المصباحية عام 747=1346 المجاورة لجامع القرويين ... هل وقفنا على هذه "الخصة" واستحضرنا "تاريخها الجميل" الذي يحمل عددا كبيرا من الإشارات والدلالات ؟

وهناك بقلب جامع القرويين جرس ضخم جلبه المغاربة من جنوب أوروبا إلى قلب فاس، يحمل نقوشا باللغة اللاتينية، حوله الصناع بفاس إلى ثريا ... علقوه في القبة الثامنة  من المسجد منتصف شوال عام 737هـ الموافق 15 مايه 1338، في يوم حافل .. كان هذا الجرس وغيره من الأجراس المعلقة بالجامع، كان رسالة موجهة من أسلافنا إلى الأجيال اللاحقة تذكرنا بذلكم "التاريخ الجميل" ... فهل زرنا جامع القرويين اليوم ورفعنا أبصارنا لنكحل عيوننا بهذا الأثر الذي يذكرنا في "التاريخ الدولي للمغرب"؟ 

في هذه المدينة فاس كان لنا وال عظيم يحمل اسم عُمَر ويكنى أبا حفص، ويلقب بالمرتضَى، هو نبيط الخليفة عبد المؤمن بن علي مؤسس الدولة الموحدية، هذا الوالي أصبح بحكم التدرج الهيرارشي على قمة الدولة الموحدية عام 646=1248 ...

كان يراسل دول أوروبا، راسل أعظم سلطة في العالم المسيحي : البابا إينوصات الرابع، لقد شعر من خلال المراسلات المتبادلة أن البابا يريد أن يواصله بإرسال سفير عنه إلى المملكة المغربية، فبعث له أبو حفص عمر المرتضى برسالة عظيمة جميلة تحمل تاريخ 18 ربيع الأول 648 = 20 يونيه 1250 .

هذه الرسالة ضيعنا نسختها، ومن حسن حظنا أن حاضرة الفاتيكان تحتفظ بالنسخة الأصلية لها، وهي الوثيقة التاريخية التي اخترتها – من بين مئات الوثائق – كمقدمة للموضوع الذي نتناوله اليوم في هذا الدرس الافتتاحي بعنوان : 

(التاريخ الآخر للمغرب ... ابن العربي المعافري نموذجا)







 
     
  موقف المغرب من أحادية القرار مما يتصل بحوار الديانات والحضارات  
 

شهدت الكرة الأرضية أثناء شهر شتنبر زلزالا كئيبا حزينا رأيناه وسمعنا عنه وقرأنا مما كان يبعث على الأسى والأسف مما كنا في غنى عنه لو أننا رجعنا إلى الأصول والثوابت التي ظلت تحكمنا منذ قرون عديدة عندما كنا نتلقى الدرس إثر الدرس والنصيحة إثر النصيحة بأن أفضل طريق لحياة الإنسان هي أن يقبل العيش مع الآخرين الذين يتقاسمون الأرض والهواء ... بمعنى أن يشعر شعورا كاملا بأن من حق كل أحد أن يؤمن بالرسالة التي حملها الأنبياء من أجل إسعاد البشرية جمعاء ...

وقد كاد ذلك الزلزال أن يصرفنا جميعا عن الواقع الذي عشناه طوال قرون خلت عندما كان قادتنا يحتكمون دائما إلى العقل والمنطق ويفسحون المجال للنقاش والحوار والتفاهم، بعيدا عن التعصب والتعنت، وبعيدا عن التنابر والتراشق ...

وقد حبب إلي، ونحن نعيش هذه الأحداث التي تتناسل كل مطلع شمس، أن أتناول الموضوع من خلال موقف المملكة المغربية من قضية "أحادية القرار بين دول الجوار التي تعتبر عندي أم القضايا وأسباب كل الرزايا ...

عندما يخيل لأحد منا داخل أسرة أو مجتمع ما من المجتمعات صغيرة أو كبيرة أن يقوم بمبادرة ما داخل تلك الأسرة أو ذلك المجتمع دون ما أن يأخذ برأي الذين يوجدون من حواليه ليعرف رأيهم ... أن يقوم بمبادرة ما : فتح نافذة أو إغلاقها، وقف برنامج تلفزيوني مثلا دون أن يستشير الحاضرين الذين كان يهمهم أمر تلك النافذة أو أمر ذلك البرنامج ...

لا سيما ونحن اليوم نعيش عالما اقترب بعضه من بعض حتى لأمست "النافذة" تهم الذين يسكنون المحيط الأطلسي على نحو الذين يسكنون المحيط الهادئ ...

وإن المسؤولية كل المسؤولية تقع على الملوك والرؤساء والقادة والزعماء في أن يأخذوا بزمام المبادرة إزاء كل ما يمكن أن يعكر الأجواء ... وأن لا يستصغروا أي تصرف منهم ... وأن يحاولوا أن يتخيروا من الوسائل ما يجعلهم جديرين بالرسالة الملقاة على كواهلهم ... لا سيما حول الموضوعات الدقيقة الحساسة التي تتصل بما سميتها "الثوابت" عند الآخرين ...

أمام عيني وأنا أكتب هذه الورقة عشرات بل مئات من الوثائق الدولية التي تربط المملكة المغربية بغيرها من الأمم الأخرى وخاصة الملة المسيحية ... في تلك الوثائق نصوص المعاهدات المبرمة، ونصوص الخطابات المتبادلة وكلها تجعل في صدر شعاراتها ضرورة الحوار قبل اتخاذ القرار ... وضرورة المجاملات والمكايسات دون اللجوء إلى المواجهات والتحديات ...

سوف لا أعيد هنا ما قلته في تآليفي وفي مقالاتي عن الموضوع وأكتفي فقط بتقديم بعض البعض مما يتصل بالموقف من هذه الآفة التي نسميها أحادية القرار.

هذه الآفة التي حاربها القرآن بنصه وقدمها ليس فقط للمسلمين ولكن لكل العالمين على أنها أس المشاكل التي تهدد العلاقات بين الأمم والشعوب والأشخاص كذلك.

كلنا يعرف عن مبدأ مشهور في القانون الدولي العام، هذا المبدأ يقوم على أهمية احترام رأي الأطراف الأخرى عند محاولة إبرام الاتفاقيات، بمعنى أنه لا يجوز أن تبرم العهود والمواثيق على أساس أن يكون الرأي لواحد فقط هو الكاسب الأكثر ... أن يكون هو القوي، أن يكون هو الغني ... عمل كهذا هو ما نسميه بلغة اليوم أحادية القرار أي أن يتملكنا الشعور بأن غيرنا لا يستحق أن نفاتحه الحديث ولا أن نناقشه، وأن لنا وحدنا أن نملي على غيرنا ما نريد !!!

يتحدثون عن امرأة عاشت في القديم سماها التاريخ الإسلامي (ريطة بنت سعد التيمية) ... كانت امرأة مصابة بتخلف فكري، لذلك نعتوها بالمعتوهة وبالحمقاء ...

كانت تقوم بغزل الصوف من الغداة إلى المساء، ثم تقوم بنقض ما غزلت من ذي قبل، وهكذا يذهب جهدها عبثا في عبث وضياعا في ضياع ... فلا هي استفادت مما غزلت، ولا أهلها استفادوا من عملها !!

لعل (ريطة) هذه تذكرنا في الأسطورة اليونانية التي تتحدث عن بينيلوب Pénélope التي كانت تنفض في الليل ما غزلته في النهار على ما هو معروف في الأدب الإغريقي ...

يبدو أن قصة ريطة كان مشهورة في دنيا العرب، ومن ثمت وجدنا لها ذكرا في شعر الأمير عبد الله بن المعتز.

كنافضة أسرارها حين أحكمت * قوى الحبل خرقاء اليدين صناع

لابد بعد هذا التمهيد أن نستحضر الآية القرآنية الكريمة التي تتحدث عن ريطة أو بالحرى تشجب العهود والمواثيق التي قد تعتمد على أحادية القرار أي إلى الاتفاقيات المبنية على أن تكون هناك سلطة عليا لا تتابع وأخرى سفلى حسبها أن تتبع ...

الآية الكريمة تقول : "ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاتا، تتحدون أيمانكم (مواثيقكم) دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة".

الآية واضحة تمام الوضوح في الحديث عن أحادية القرار أي عن المواثيق والعهود والأيمان التي تنعت في الأدبيات الأوروبية بالاتفاقيات السبعة (Les Conventions Leoniennes) ...

وهي أي الآية الشريفة واضحة تمام الوضوح في تنبيه المتنفذين إلى الاحتياط في تصرفاتهم إزاء الآخرين، قولا وكتابة وممارسة ... وأن لا يتصرفوا تصرفا انفراديا أحاديا يهدف إلى فرض الرأي. اقرأوا الآية الكريمة مرة أخرى :

"ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها، من بعد قوة أنكاتا، تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة" أي أقوى وأرقى منها. 

ومن الطريف أن نذكر أن هذه الآية بالذات حفظتها وثائق الجمعية العامة لهيأة الأمم المتحدة في جلستها ليوم 27 شتنبر 1983 أي قبل نحو من ربع قرن عندما استشهد بها العاهل الراحل الملك الحسن الثاني وهو يدافع عن القضية الفلسطينية التي لم تجد لها إلى الآن حلا يقوم على أحادية القرار !!

وسنرجع بعد هذه الجولة المفيدة في تاريخنا الدولي بالأمس البعيد، سنرجع إلى هذه الوثيقة التي ترجع لأوائل عهد الدولة السعدية بمدينة مراكش بينما كانت دولة بني مرين بمدينة فاس في طريقها إلى الاختفاء، أي أننا سنرجع إلى بداية القرن العاشر الهجري الذي يوافق بداية القرن السادس عشر الميلادي.

كان الملك السعدي على ذلك العهد هو السلطان أبو العباس الأعرج الذي بويع بإشارة من والده أبي عبد الله القائم منذ عام 918=1512. وهو العاهل الذي كان يتصدى لاجتياح البرتغال للجنوب المغربي ... 

هذا البرتغال الذي كانت له أطماع واسعة في بلاد المغرب، لا تتمثل فقط في الهيمنة على الأرض، ولكن، وهذا مهم، في إزاحة السكان بالقوة عن دينهم عن معتقدهم الذي ارتضوه منذ مئات السنين ... وهو أي البرتغال هو الذي بنى أول كنيسة مسيحية عام 910=1514 بمدينة آسفي، دون استيذان من أهل المدينة، بل هو الذي سيذهب أبعد من ذلك، إلى أن يخطط لتنصير البلاد وتمسيحها كلها عندما سنراه يزحف إلى المغرب وعلى رأس الجيوش البرتغالية برية وبحرية في المعركة الشهيرة المعروفة عام 986=1878 بمعركة وادي المخازن أو معركة الملوك الثلاثة كما تنعتها مصادر التاريخ الدولي المطبوعة في أوروبا ...

في تلك الأثناء، والدولة السعدية في بداية نشأتها تتطلع إلى تحرير أرض المغرب من الاحتلال، نجد أن ملك البرتغال، يصر على المضي في طريقه لفرض الرأي الأحادي الذي طغى عليه، والقاضي بتنصير البلاد دون مراعاة لشعور أهلها ... 

وهنا يتموقع الخطاب التاريخي العظيم الذي أرسل به السلطان أحمد الأعرج إلى الملك ضون خوان حول حادثة ما كان لها أن تقع لو أن القادة كانوا يعرفون حدود تصرفاتهم ...

لقد تجلى أول اتصال للسعديين بالبرتغاليين بعد تغلب السلطان أبي العباس الأعرج على مدينة مراكش، وانضمام الزعيم الناصر الهنتاتي لأبي العباس (27 رمضان 920 = 13 أبريل 1515، تجلى في إرسال سفارة برتغالية تتكون من ابن حاكم آسفي العسكري كونصالو Gonsalo وعضوية ابراهام بن زاميرو إلى أبي العباس لإبرام هدنة بين الطرفين، وانتهت المفاوضات فعلا إلى إبرام اتفاقية سلام تشير إليها رسالة تحمل تاريخ 24 صفر 932 = 10 دجنبر 1525، كتب تاريخها بالأرقام الغبارية العربية. 

وقد نفذت رسالة ثانية إلى كارسا قابطان آسفي بتاريخ 3 ذي الحجة 936 = 10 شتنبر 1526. وتبعت هذه الرسالة رسالة ثالثة تقترح تفعيل الاتفاقية، وكان جواب كارسا إلى أبي العباس مولاي أحمد الأعرج تحمل تاريخ 24 شتنبر 1526 (ذي الحجة 632). 

لقد قبل أبو العباس الأعرج عقد هدنة جديدة لمدة سنة بينه وبين جاك الثاني بتاريخ 22 ذي الحجة 931 = 29 شتنبر 1526.

وبين أيدينا مضمون رسالة بعثها أبو العباس إلى جان III بتاريخ 22 جمادى II 933 = 26 مارس 1957 يخبره بأن أخاه محمد الشيخ سلم إليه رسالة من جان III، وأنه عازم على تنفيذ التزاماته فيما يتعلق بشرط السلام ...

وقد اشتكى السلطان مولاي أحمد من سلوك كارسيا قابطان آسفي ... وحتى يعزز شكواه من سلوك كارسيا بعث بنص الرسالة التي كان كارسيا بعثها إلى مولاي أحمد بتاريخ 24 شتنبر 1556، وهي تشهد بأن هذا لم يحترم التعهدات التي التزم بها سلفه كونصالو Gonsalo. ومع أن الأعراف تقتضي احترام الاتفاقيات التي أبرمها السابقون !

ويهمنا اليوم أن نعرف عن الرسالة التي تحمل تاريخ 23 ربيع الأول 936 = 25 نونبر 1529 وهي تتضمن موضوعين اثنين :

الأول وهو بيت القصيد : قضية الفتى الذي اشتكى والده (بوشتى بن فارس) من أن العسكريين البرتغاليين يحاولون تنصيره بعد أن أخذوه إلى معسكرهم ! فالعاهل المغربي يطالب بإرجاعه إلى أسرته ليقيم بعض الوقت بينهم، فأي دين اختاره بعد هذه الإقامة قبلوه.

أما الموضوع الثاني فهو الإشادة بقابطان آسفي الجديد لوبيز Lopez فيما يتعلق بالسير الإداري العادي للعلاقات على العكس من كارسيا الذي كان يحاول عرقلة المسيرة ... لقد كان مولاي أحمد فاتح ملك البرتغال في شأن هذا الفتى المراد تنصيره بعد استدراجه – على ما قلنا – للمعسكر البرتغالي ...

وادعى جواب ملك البرتغال أن هذا المغربي اعتنق دين النصرانية، وقد سمح الملك البرتغالي لنفسه بأن يزكي أن أمر هذا الاعتناق الطوعي حق، وكان يقول : إنه حضر بنفسه أمر قبول المواطن المغربي للدين المسيحي ! 

وهنا يأتي خطاب السلطان أحمد الأعرج ليقول للعاهل البرتغالي : إنه لا يخامرنا شك في أقوالكم، ولكن الحق والعدل لا يعتمد فقط على ما قلتم وإنما يتجلى في الرأي الآخر الذي يقوم عليه دين الإسلام في مثل هذه الحال ...

ثم يشرح ملك المغرب لملك البرتغال موقف الإسلام حول هذه النازلة، وهو يتلخص في أن هذا المواطن المغربي يجب أن يخرج من بلاد البرتغال وأن لا يبقى تحت حكمكم، ونحن نضمن له الأمان، من طرفنا، على أن يقضي عند وليه وكافله فترة من الزمان حددتها الرسالة بعشر ليال أو حتى خمس عشرة ليلة ... فإذا حصل أنه اختار أي دين فإننا سنقبل اختيار هذا العلام ... "وهذا هو الحق" تقول رسالة العاهل المغربي.

وهكذا نجد أن المغرب إذ ينكر أحادية القرار يعلن عن اعتقاده بأن الحوار هو وحده الكفيل بحل المشكل، وأنه لا مانع عندنا من الأخذ بنتيجة الحوار ...

وينتقل الخطاب المغربي بعد هذا الموضوع لعلاج قضايا إدارية بين المغرب والبرتغال على ما نقرأه في النص العربي الذي تقدم ترجمته كذلك إلى اللغة الفرنسية تسهيلا على الذين يهتمون بالموضوع، علاوة على صورة الخطاب مع (العلامة) أي التوقيع الذي يأتي آخر الخطاب ويكون عادة بحروف غليظة يكتبها العاهل بيده أو الكاتب الذي يقع عليه اختياره، وهو يحمل هذا التعبير : (وكتب في التاريخ).

وهكذا نجد أن الحكم في المغرب على ما تدل عليه مئات الرسائل – كما قلنا - يحافظ على الطابع الإسلامي للبلاد كما كان، ولا يقبل أصلا المس بعقيدة أبناء البلاد وهو ضد سياسة الباب المفتوح وإذا صح هذا التعبير وخاصة في أمر المعتقدات نعم للحوار ... ولكن لا للابتزاز وأحادية القرار. لقد ظل المغرب يعتبر أن العقيدة، عقيدة الإسلام هي هويته هي الميزة التي تميزه، هي بمثابة الشوك الذي يحمي القنفذ، القنفذ مادام بشوكه فهو قنفذ وإلا فهو فأرة كبيرة !!

إذا سلمت أنا في هويتي وسلمت أنت، وسلم الثالث أضعنا خمسة عشر قرنا من الموروث الثقافي، وكنا عاقين لماضينا، ومعنى هذا أننا كنا مفرطين في ضياع هذا التراث الضخم في هذه الهوية التي كانت وما تزال هي الدرع الذي يحمينا من الضياع والتشردم وحين نفتقد هذا الدرع نصبح لحما على وضم كما يقول التعبير العربي ... وليس معنى هذا أننا نعاكس طريق الآخرين ... أبدا ... إنما نريد من الآخرين أن لا يتخذوا قراراتهم الأحادية إزاءنا وفي غيبة منا ! ... والعلم على المناقشة خير منه على المتابعة كما يقولون !

ولابد أن أشير في الختام إلى أن النظام التربوي في المملكة المغربية كان يشترط في تعلم الولدان أن يقصدوا (المسايد) جمع (مسيد)، أي الكتاب الذي يستظهر فيه الطفل القرآن الكريم. وكان من عادة المغاربة أن يختاروا موقع المسيد على مقربة من المسجد الذي تقام فيه الصلوات، وإذا ما رجعنا إلى حجج الوقف فإننا سنقف على جرد واسع بأسماء تلك المسايد وتوزيعها على سائر جهات المدينة ... 

على نحو ما يرويه ابن خلدون عن الإمام ابن العربي المعافري في رحلته فإن تعليم الولدان بالمغرب كان يقوم أساسا ومبدءا على حفظ القرآن الكريم، وذلك خوفا على الطفل من أن تصرفه الظروف عن استيعاب القرآن الذي يرتكز عليه التعليم  بالنسبة للمغرب على ما قلنا. 

لقد كان ذلك النظام التربوي هو المتبع بالمغرب وعلى خلاف النظام المشرقي الذي حكى عنه الإمام ابن العربي، والذي كان يمزج بين الاستظهار وبين حفظ الشعر وتعلم الحساب ... لقد كانت "المسايد" وراء السر في انتشار المدارس الأولية التي تعتبر بمثابة جرعات تلقن الطفل المواد الأساسية لارتباطاته الروحية. كنا نعيش حالة طوارئ مع بعض جيرتنا الذين كانوا يرون في الحضور الإسلامي بالمنطقة ما يمنعهم من بسط نفوذهم على البلاد، وما يقضي على غزوهم الفكري الذي كان يهدف إلى القضاء على كل مقومات البلاد ..

 

LETTRE DE MOULAY AHMED EL-A’REJ A JEAN III

(TRADUCTION)



Louange à Dieu seul !

De la part du serviteur de Dieu Très-Haut, le Prince des Croyants et l’auxiliaire de la religion, qui combat dans la voie du maître des mondes, le Sultan de Marakech, la [bien] gardée [de Dieu], et de ses environs, du Haha et de ses environs, du Souss et de ses régions, du Dar’a et de ses provinces, de Tougourarin’ et de ce que s’y rattache et du Wadio-Noun et de ce qui en est proche, seing manuel le Chérif – que Dieu assiste son pouvoir et fortifie son succès par son assistance victorieuse !

Au roi de Portugal D. Joào. – Que Dieu favorise la religion du culte du Dieu Unique et l’élève en lui donnant la puissance solide.

Votre lettre nous est arrivée et nous avons compris ce que vous [nous] y avez dit au sujet de l’affaire d’Ibn Bouchta ben Fares. Nous en avons retenu votre témoignage que celui-ci avait embrassé la religion nazaréenne. Nous ne doutons pas de votre témoignage sur ce fait et nous ne vous y soupçonnons point [de mauvaise foi].

Mais le droit applicable dans notre religion à celui qui se trouve en pareille situation, c’est qu’il soit retiré de votre pays et de sous votre juridiction, avec un sauf-conduit de notre part, et qu’il passe en compagnie de son « wali » dix ou quinze nuits : quelle que soit la religion qu’il aura choisie pendant ce laps de temps, il y reviendra. Tel est le droit.

Quant au capitaine de Safi, Francisco Lopes, n’eût été ce qui s’est passé entre nous le capitaine Garcia de Mello, à savoir la trahison [de celui-ci], il n’y aurait entre nous et lui que de bons rapports, en raison de l’appui que nous avons trouvé auprès de lui pour parvenir à ce qui peut amener la paix entre nous et vous. Tout le bien que vous lui ferez sera donc fait très à propos.

Que Dieu – qu’il soit loué ! – nous assiste pour parvenir à ce qui renferme la paix du monde et de la religion !

Ecrit [alors que] sept [nuits] restaient [à courir] de rabi’ le premier de l’an neuf cent trente-six – que Dieu nous le fasse connaître heureux par sa grâce et sa générosité !





 
     
  مصادر الحكاية الشعبية في التراث المغربي  
 


نظمت بمقر أكاديمية المملكة المغربية بالرباط ندوة علمية من لدن لجنة التراث بالتعاون مع الجمعية المغربية للتراث اللغوي حول الحكاية الشعبية بالمغرب، وذلك بتاريخ 19-20 شعبان 1426 22-23 شتنبر 2005. وهذه الورقة التي أعدها د. عبد الهادي التازي عضو الأكاديمية حول الموضوع، وحال وجوده في مكة المكرمة عن الحضور...



لم تكن مصادر الحكاية الشعبية في البيوت المغربية فقط من نسيج الخيال العلمي الذي نسمع به اليوم في مسلسلات هاري بوتر Harry Poter، من التي يتهافت على قراءتها الجد والأب والحفيد، ولكنها حكايات تعتمد على مصادر ومراجع تحتاج إلى دراسات ومراجعات واستقصاءات، ولعل مما يجب التذكير به هنا في بداية الحديث تلك المجالس التي اعتاد المغاربة حضورها بكثافة بظاهر أبواب المدن المغربية الكبرى أمثال فاس ومراكش ... مما كان يؤدي دور الثقافة الموازية حسب المصطلح المعاصر ...

كانت هذه المجالس تعقد خارج بعض الأبواب الشهيرة للمدينة : مثلا باب عجيسة بفاس باب الفتوح ... يجلس القوم متناثرين على المرتفعات هناك بين الأضرحة وشهود المقابر ... بعد صلاة العصر... حيث ينتصب من كان يعرف في هذا الوقت با ادريس الفداوي الذي يتتبع الناس حلقات مجلسه بعناية زائدة وكان يختار من صدق التعبير وحسن الأداء ما يزيد في شد الجمهور إليه، وبين فينة وأخرى يستعين بالنقر على دف صغير مربع لينبه الناس إلى فواصل سرده الجذاب ... 

ولعل مما يجب التذكير به أيضا في هذا المقام أن نعود إلى مجالس من نوع آخر تعقد داخل بعض المساجد الصغرى التي تنتشر عادة بين الديار والمنازل داخل دروب المدينة ومنعرجاتها مما يتجاوز ثلاثمائة مسجد بالعد والحساب.

هذه المساجد التي تتخذ عادة لصلاة العشاءين يشيد بعضها إلى جانب ضريح من أضرحة فاس من أمثال ضريح سيدي عبد الرحمان المليلي في حومة العدوة، أو بزاوية من الزوايا مثل زاوية الصادقين التي توجد بحي المشاطين ... 

هذه المساجد الصغرى كانت ملاذا لصغار التجار والصناع والعملة يقصدونها للتعلم حيث يستمتعون بتقديم ألوان من الثقافة، بأسلوب أقرب إلى الحكاية منه إلى الدرس ... ويعود منها الرجال إلى ديارهم يحكون للسيدات داخل البيت عما سمعوه من الفقيه ابن عبد القادر ابن سودة أو سيدي الحسين العراقي ...

تلك الأنماط من الثقافة الموازية هي التي كانت تغذي ربات البيوت بالعديد من القصص المطرفة التي كانت لها أسانيد ترتكز على أسس تناقلها الناس من أمثال "با ادريس الفداوي" أو أمثال طائفة من الفقهاء والعلماء الذين لا يتطرق الشك إلى ما يروونه من بديع القول ...

أنا من الجيل الذي كان والدي يصحبني معه إلى بعض تلك المجالس سواء منها التي تعقد خارج المدينة أو داخلها ... ومن الجيل الذي كان يسمع والده يردد أخبار تلك المجالس داخل البيت أمام الوالدة والعمة والخالة حيث أستمع مرة أخرى إلى ما تلقاه الوالد  من ذي قبل.

 ومن غير أن أنسى لا بد أن أتذكر أن عمتي فاطمة كانت – بدورها- تبرع في تبليغ الرسائل إلى من حواليها من السيدات بأسلوب أستطيع القول : إنه كان أسلوبا جذابا ولا يخلو من بهارات كانت تضفى على الموضوع نكهة خاصة ...

 عندما كنت أسمع من والدتي قصة عوج بن عناق الذي كان لفرط طوله يأخذ السمك من قعر البحر ويشويه بالشمس ... أقول عندما كنت استمتع بحكايات مثل هذه القصة في البيت لم أكن أعرف أن مصدرها كان هو ابن خلدون ... وما أدراك ما ابن خلدون الذي كان رائج الذكر عند المغاربة داخل بيوتهم ...

عندما كنت أسمع الناس يتحدثون إلينا عن "حمير جدة"، (حمير تصغير حمار، وجدة الموقع الجغرافي المعرف على البحر الأحمر، قرضة مكة المكرمة) ... كانوا يتحدثون عن (حمير جدة) ممثلا في شخص ضئيل الجسم، واسع النشاط، يتحرك بخفة ويقضي من الأغراض ما لا يقضيه الإنسان ذو الحجم الكبير... ! كان "حمير جدة" يعني في الأسطورة المغربية المخلوق الصغير الذي يؤدي الكثير في زمن يسير...

كنت أسمع هذا ولكني لم أربط بين كلمة (حمير جدة) وبين ما يحكيه الحجاج عن الحمير الصغيرة التي كانت تنقل الحجاج من جدة إلى مكة في ظرف قصير من الزمن، مقابل تكلفة خفيفة دون ما يتطلبه أصحاب الجمال والنوق ... وأذكر هنا على سبيل التوثيق أن معظم الرحالة المغاربة ممن سجلوا مذكراتهم من أمثال أبي سالم العياشي والشيخ أحمد بناصر وغيرهما أشادو بحمير جدة!           

ولا بد لي، بهذه المناسبة، أن أذكر أن نوادر الحجاج تكون مصدرا خصبا للحكاية الشعبية في التراث المغربي. ولعل من الطريف أن أشير هنا إلى القصة التي رواها الغنامي عن اليهود الذين تسللوا من الشام إلى المدينة المنورة التي دخلوها سرا بقصد حفر نفق يصل حتى الروضة الشريفة، بحثا عن أثر دفين هناك على ما كانوا يزعمون حيث تدخل السلطان قايتباي الأعظم مما يذكرنا اليوم فيما تقوم به إسرائيل وهي تقوم بحفرياتها تحت بيت المقدس أنقده الله من الرجس ...

كنا نسمع من القصص مما الذي يحض على تعلم السباحة ما وقع لأحد الفقهاء الكبار الذين ركبوا متن فلوكة ليقطعوا بحرا ... وقد لذ للشيخ العالم أن يظهر علمه أمام صاحب الفلوكة، فسأله "هل أنه يعرف النحو" فأجابه الرجل : إنه لا يعرف النحو، وهنا كان تعقيب الفقيه على جواب هذا الرجل البسيط : لقد ضاع نصف عمرك !! ولم تلبث الرياح أن هاجت وهاجت معها الأمواج، فتوجه صاحب الفلوكة إلى سيدنا الفقيه يقول له : هل تعرف السباحة ؟ فأجابه الفقيه : لا ... فكان تعقيب الفلايكي : لقد ضاع عمرك كله !!!  

هذه القصة بما تحمله من معان تظهر بسيطة ولكنها بعيدة المدى هذه القصة بسطها مولانا جلال الدين الرومي في موسوعته العالمية الشهيرة التي تحمل عنوان (مثنوي)، ومثل هذه القصة مما تحكيه العامة نقرأه في مثنوي ابن الرومي الذي كان ابن بطوطة أول رحالة مسلم عرف به عندما زار ضريحه في مدينة قونية.

وكلنا، يحفظ أسطورة ترويها العامة في معرض النصح بعدم الإلتفات لتعليقات الناس ومقاومة الحيرة عند اتخاذ المواقف، فهم يحكون لنا قصة الأب الذي ركب حماره تاركا ولده يمشي وراءه، فسمع الناس يقولون : يا له من أب قسي القلب ! ركب الحمار وترك طفله يتعب ! فنزل الوالد وأركب ولده فسمع الناس يقولون : يا له من ولد عاق ركب الحمار وترك والده يمشي على الأرض ! وركب الاثنان معا فاخذ الناس يعلقون على قسوة الرجلين يركبان معا على حيوان أبكم لا يستطيع الشكوى من ثقل الوزن ! ونزل الاثنان ليتركا الحمار ماشيا لوحده فأخذ الناس يقولون : يا لهما من بليدين ... تركا المركب الذي خلقه الله راحة للإنسان !! ولم يبق أمام الرجلين إلا أن يحملا الحمار على كتفيهما ويذهبا به إلى السوق ليتخلصا منه !! 

هذه القصة بما تدل عليه من تربية عالية أخذها المغاربة من كتاب نفح الطيب للمقري قبل أن يصوغها الشاعر الفرنسي لافونطين في قطعة من شعره على ما معروف ... 

وقد كونت (ألف ليلة وليلة) عنصر هاما من عناصر الحكاية الشعبية لدى المغاربة بل إنهم ابتكروا على منوالها قصصا رشيقة بلسانهم الدارج حملت بعض المؤلفين من مغاربة وغيرهم على أن يدونوا تلك الحكايات في كتاباتهم ...

وأذكر أنني كنت من بين هؤلاء الذين عنوا، منذ وقت مبكر، بصياغة الحكايات التي كنت أتلقاها وكنت أجعل لهذه القصص عناوين خاصة، وما أزال أحتفظ بهذه الكراسات وأعتز بها ضمن مكتبتي الخاصة ... 

عندي مجموعة مخطوطة تحمل عنوان (تطورات الزمان في حياة الإنسان) كتبت بتاريخ 1/1/1358 = 24 مارس 1936 ولي من العمر خمس عشرة سنة ! أهديتها إلى شقيقي الطفل عبد الرفيع الذي كان له من العمر نحو من سنتين.     

وهناك مجموعة أخرى مخطوطة أيضا كتبتها بعد الأولى تحمل عنوان (أخلاق الإنجاب في منتخبات الآداب) ضمنتها عددا من الحكايات الشعبية التي كنا نتلقاها ممن حوالينا مما يهدف إلى بناء خلق من الأخلاق أو تربية مثالية من التربيات.

ولا أظن أن أحدا ممن يهتم بالحكاية الشعبية ينسى قصة السيدة الصالحة التي كان زوجها يتحدث عن صرامتها في الحجاب، ويرسم لها صورة كاريكاتورية مضحكة عندما يذكر أنه كان يتوفر على ديك، على نحو ما جرت به العادة بالأمس في معظم البيوت ... وأنه كان يلاحظ أن زوجته عندما كانت تريد أن تقدم للديك حبا أو شرابا كانت تجعل لثاما على وجهها توقيا من نظرات الديك المارقة . !! 

وقد تحداه بعض أصدقائه، وأوحى إليه بأن يمتحن زوجته ... هذا الامتحان بدوره كان من الحكايات التي تداولتها البيوت بأشعارها وأوزارها ... 

وقد تنوعت الحكايات وتعددت لدرجة أنه خلقت لنا جحا فاس وجحا مراكش حيث أصبحنا نستمع إلى نوادر جحا الفاسي مع زوجته ومحيطه، وجحا المراكشي كذلك مع زوجته وعائلته ... 

والمهم في كل هذه المرويات أنها تستمد أصولها مما يلتقطه الناس من رواة الحكاية الذين يتوزعون في الأغلب بين من نسميهم "الحلايقية" نسبة إلى الحلقة، حيث يتميز الحلايقي بأسلوب يعرف به على نحو ما يتميز بلباسه وهيئته وطريقة آدابه وحتى موضوع أحاديثه ... 

 ومن هنا نرى أن "الفداوية" التي أشرنا إليها كانت تخضع لرقابة المحتسب الذي يكون عليه أن يتتبع ما يذاع بين الناس وما يجري في الساحة ...

وأظنني بحاجة إلى ترديد اسم هنا تحدثت عنه تواريخ مراكش ومذكرات ساحة جامع الفنا. بل وكتبت حوله الأطاريح بلغات أجنبية، ويتعلق الأمر بالحلايقي الشهير تحت اسم "با برغوت" الذي كان يتميز خلقة بأنه قليل الجسم قزم، ويلبس أحسن الثياب من التي يلبسها الكبار جاباضور ومتعلقاته ... يخيطها على مقدار حجمه ... وتغشاه في حلقته كل الطبقات بمن فيهم بعض المتنفدين ... 

ونعلم سلفا أن لكل حلايقي فاتحة وخاتمة اعتاد أن يرددها خاصتين به، يبدأ بهما عمله ... وتتميزان بأنهما تخضعان للظروف السياسية التي تعيشها البلاد.

وقد حدث ذات يوم أن جرت تعيينات وزارية كانت على غير ما يرتضيه بعض المعارضين الذين أوعزوه لبا برغوت أن يقول ما ينبغي أن يقال حول هذه التعيينات، وهكذا يروي الناس أنه اتخذ عند خاتمة حكايته دعاء على عكس ما يختار زوملاؤه من "الحلايقية" الآخرين الذين يتوسلون مثلا إلى الله أن يقويهم على الزمان، ويغلبهم على العدوان، وفيهم من يدعو بالأجر والثواب لمن ابتلاه الله من الأخيار بالنساء الأشرار ... 

با برغوت اختار أن يكون دعاؤه على الشكل التالي :

يا رب صغر هذا الزمان حتى يصبح با برغوت من كباره !!

ومعنى هذا الدعاء واضح عند رجال الفن والسياسة مما يعرفون أحجام الكبراء والعظماء ورجال الدولة !! 

وبلغت أصداء هذا الدعاء إلى من يهمه الأمر فتعرض با برغوت لمحن نعرف عن حجمها وأضرارها ولم يفرج عنه إلا بعد أن قدم التوبة على الحوبة ! 

قد أخذت على عاتقي أن أبحث كما أشرت في أصول تلك المرددات الشعبية التي وجدت أنها في معظمها، إن لم أقل كلها، ترجع إلى أصول ذات بال بل إن فيها ما هو مستمد من كتب تفسير القرآن أو الحديث الشريف مما يؤكد – كما أشرت منذ البداية، تأثر البيئة المغربية بمحيطها الاجتماعي الذي طبعته المؤثرات الإسلامية.

لقد أولعت بتتبع هذه الحكايات واقتنعت بأنها حكايات لا تمليها الارتجالية والتلقائية ولكنها تعود إلى أصول أصيلة وتهدف إلى تنبيه الغافل وتقويم المعوج وتسلية الحزين والتخفيف عن المظلوم ومساعدة المنكوب وتقوية عزيمة الضعيف ...

ولعل من المهم أن نلتفت إلى ما يجري على ألسنة العوام، من أمثال وتعابير تضرب في جذور الحكمة، وكلها ترجع إلى ما رووه عمن روى ... مما يصل أحيانا إلى مصدر فقهي أو تاريخي أو أدبي، أو حتى تجريبي طبي أو فلكي ...

كثيرا ما نسمع أن أحد المزدحمين على حانوت سفاج مثلا، يرى أن نوبته في الطابور قد هددت ومست، نسمعه يصيح : يا سيدي " قضى للسابق"، وهو بذلك يردد تعبيرا من تعابير الشيخ خليل وهو من أئمة الفقه المالكي مشرقا ومغربا ...

وكثيرا ما نسمع أن أحدهم، وقد شعر بأن زميله يخلف عليه الوعد ولا يعمل على احترام ما قاله : نسمعه يقول : "قولا وفعلا" وهو يشير بذلك إلى ما تحفظه العامة عن الشيخ عبد الواحد ابن عاشر في رجزه (قولا وفعلا هو الإسلام الرفيع) ...

كثيرا من الناس نسمعهم يرددون : "وحذف ما يعلم جائز"، ويرددون (وعفى عما يعسر). 

وربما ابتكروا نوازل ليجدوا لها أحكاما فقهية أو حلولا اجتماعية، وكل ذلك  مبني على مجرد الحكاية النافذة التي تعتمد على حس فقهي أو شعور وطني ...

لنتصور انشغال الساحة بمن يرث كلبا كأنه يملك ثروة تركها له صاحبه  القديم  نظرا لمعروف أسداه له ذلك الكلب، ونحن نعلم ما للكلب من مزايا حتى لاستحق أن يؤلف المرزباني كتابا محاسنه (فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب) ...

وعرض الاستفتاء على رجال الفقه فأفتوا بصرف ذلك المال للشخص الذي تسمح له نفسه أن يعيش تحت كنف أصهاره الذين يتزوج بنتهم !! ... ولا شك أن في هذا معنى عظيما من المعاني الموجهة للشباب حتى يعتمدوا على أنفسهم في العيش الكريم.

لقد كانت حلقات الفداوية ميدانا فسيحا للفتاوي يروج فيها ما لا تؤديه الفتوى الفقهية في داخل دور الفتوى، والمساجد العتيقة.

كان من أجمل ما سمعته من حكايات شريفة ونحن نتناول طعاما عند بعض رجال الفضل البدو ... حكى لنا، لكي يحثنا على صلة الرحم وفضل التزاور، حكى لنا  وكنت أستمع إليه بشوق : إن سيدنا عليا كان يتناول طعاما مع أصحابه، وإذا بهم يسمعون ساعيا يرجو طعاما ... فسلم الإمام علي إلى بعض الحاضرين دراهم طالبا إليه أن يسلمها للساعي ... وقد استغرب الحاضرون أن يفضل الإمام عطاء الدراهم عوض إشراك الساعي في الطعام، فقد سألوه عن السر ... أجاب لو أننا شاركناه الطعام لكان علينا أن نبحث عنه كل سنة، على الأقل، لكي نصل به الرحم، فخير أن يأخذ الدراهم لنبقى جميعا في حل من التزام تفرضه شراكة الطعام.           

وسمعت أحدهم وهو يتحدث عن آنية من الماء يشرب منها الكلب، هل يجوز الوضوء ببقية ذلك الماء، قالوا : لا بأس بذلك، في حين قالوا فيه  ولكن إذا شرب من تلك الآنية تارك الصلاة، فإن الوضوء بالسؤر الباقي لا يجوز ! بمعنى أن الكلاب أفضل من الإنسان في بعض الأحيان .. !!

كثيرة هي الحكايات التي تجري على ألسنة العامة مما يعود أصلا إلى حكم فقهي واقع تاريخي ولنضرب مثلا لهذا بالقصة التي أجمعت المصادر على ترديدها عندما أهدى المنصور الذهبي فيلا لأهل فاس فشكروه، في البداية، على ذلك التفضل، لكنهم لم يطيقوا ذرعا بعتو الفيل في مزروعاتهم وأشجارهم، فاتفقوا على قصد السلطان ليزيح عنهم هذا البلاء، لكنهم عندما مثلوا بين يديه دهشوا في مواجهته، فأقدم أحدهم على القول : إن أهل المدينة يجددون الشكر لكم على الفيل وقد لاحظوا أن الفيل في حاجة إلى فيلة، وهم يلتمسون منكم ... التفضل عليهم بما يخفف الغربة عن الفيل !! 

وذلك كله كلام له حضوره وله معناه وله شروحه في مظانه ... وأعتقد أن من هذا القبيل ما ترويه بعض التآليف المطبوعة على الحجر من أن مرويات بعض المدن في المغرب، وحكاياتها وتقاليدها وعاداتها كل ذلك يرجع إلى أصول فقهية غير قابلة للنقد والمناقشة ... وهو ما قصدت أن أؤكده اليوم بمناسبة الحديث عن الحكاية الشعبية في التراث المغربي.   





 
     
  لقاء آنفى بين السلطان محمد بن يوسف والرئيس فرانكلين د. روزفيلت  
 


العرض الذي قدمه الدكتور عبد الهادي التازي عضو أكاديمية المملكة المغربية في الندوة التي نظمها القسم الثقافي بالقنصلية الأمريكية بالدار البيضاء بمؤسسة الحسن الثاني إحياء للذكرى السبعين لمؤتمر آنفى التاريخي، يوم الثلاثاء 15 يناير 2013



كنا بحاجة ماسة إلى إنعاش الذاكرة باستحضار ذكرى ذلك "اللقاء الاستراتيجي" من علاقات المملكة المغربية بالولايات المتحدة الأمريكية في شخص السلطان سيدي محمد بن يوسف (محمد الخامس) عاهل المملكة المغربية والرئيس فرانكلين دولانو روزفيلت Franklin D. Roosevelt   رئيس الولايات المتحدة الأمريكية اللذين اجتمعا معا في آنفى  ذلك "اليوم الكبير" في التاريخ الحديث للمغرب الأقصى إن لم نقل في التأريخ لنهاية الاستعمار في المغرب الكبير وفي القارة الإفريقية والقارات الأخرى!!

لم أنس هذا التاريخ 22 يناير 1943 الذي أتى في أعقاب قنبلة الدار البيضاء من لدن الحلفاء يوم 7 نونبر 1942 (الموافق 29 شوال 1361)

وقتها كنت طالبا في جامعة القرويين بفاس وكنت إلى جانب هذا أسيّر بعض الخلايا الوطنية التابعة للحزب الوطني الذي أسس بعد حل كتلة العمل الوطني التي أذكر أن رقم انخراطي فيها يوم أسست في مايه عام 1934 كان 561 بعد رقم والدي 560!

وكانت بعض المعلومات تتسرب إلينا عن لقاء آنفى... وكانت إلى جانب ما تحمله من تفاؤلات، كانت تحمل معها توقعات المغاربة للقمع الذي ينتظرهم من جراء الغضب البالغ لرجال"الإقامة العامة" من تحمّس المواطنين لذلك "اللقاء" الذي كان خرقا سافرا في نظر المقيم العام نوكيس للبند الخامس من معاهدة الحماية الذي يمنع العاهل المغربي من الاتصال بالخارج!   

 يهمنا هنا قبل أن نرجع إلى لقاء آنفى لنقول كلمة قصيرة عن السلطان الذي كنا نسميه محمد بن يوسف، والذي عرفنا فيه أنه كان رجلا لا يضيع الفرصة كلما سنحت له، ولذلك فإنه لم يتردد وقد وجهت إليه الدعوة من الرئيس الأمريكي في أن يفصح عن الرغبة التي كانت تخامره، أمام الرئيس، وهنا سأستعين بالشهادة الحية التي وردت حول الموضوع، كما أستعين بما قاله رجال الحركة الوطنية كذلك. 

وأذكر منذ البداية أنني استغربت من اختصار الأستاذ علال الفاسي في تأليفه "الحركات الاستقلالية في المغرب العربي"، استغربت من اختصاره للكلام عن هذا "الحدث الكبير" وعدم ذكره لأسماء الذين حضروه ، ولو أنه أي السيد علال الفاسي، قال بأنه ≫من العبث أن ينكر تأثير الحرب وإعلان وثيقة المحيط الأطلسي ونزول الحلفاء بالمغرب.

الأمر الذي جعلني أسأله عن السبب في اختصار الحديث عن ذلك "اللقاء التاريخي"، فصارحني بأن الأمر يتعلق بهفوة من الطابع، وهو الأمر الذي تداركه في تأليفه اللاحق: "المغرب العربي منذ الحرب العالمية الأولى"، الذي أهداه لي بخطه.

وكان السيد الذي تناول الحديث بتفصيل عن لقاء آنفى هو الأستاذ محمد حسن الوزاني في الجزء السادس من "مذكراته حياة وجهاد" معتمدا على المؤرخ البريطاني روم لاندو Rom Landau الذي قام بتحليل ذكي لمذكرات نجل الرئيس الأمريكي السيد إليوط روزفيلت...

ويهمني جدا قبل أن أستمر في الحديث عن ذلك اللقاء أن أرجع قليلا إلى تاريخ الأمس، فإنني من المؤرخين الذين يؤمنون بأهمية دراسة المراحل السابقة لرصد المراحل اللاحقة!!

لا أتحدث عن حرص الملك محمد الثالث (ت 1204=1790) على إبرام أول اتفاقية بحاضرة مدينة مراكش مع جورج واشنطن أول رئيس للولايات المتحدة الأمريكية بتاريخ 23 يونيه 1786 (25 شعبان 1200) ، تلك الاتفاقية التي كانت متبوعة بأمر ملكي بتاريخ 31 يوليه 1786 (4 شوال 1200) يقتضي إنشاء أسطول مغربي قادر على الوصول – عبر الأطلسي - إلى الولايات المتحدة من أجل تفعيل مقتضيات الاتفاقية المغربية الأمريكية

لا أقتصر على تلك الفترة التي يعرفها كل الذين اهتموا بالتاريخ الدولي للمغرب... ولكني أشير كذلك إلى رسالة بعث بها حفيد الملك محمد الثالث: السلطان المولى عبد الرحمن بن هشام بتاريخ 22 أبريل 1855 ( شعبان 1271)، بعثها إلى الرئيس فرانكلين بييرس Franklin Pierce الذي نعته ملكنا بـ "سلطان أمريكا"! يقول فيها بالحرف: "اعلم أن عمنا أمير المؤمنين مولانا سليمان رحمه الله كان إذا وقع بينه وبين أحد من القناصل بطنجة شيء كان ينوب عنه قنصل المركان، وذلك لما يعلمه من وقوفكم على الحق، ولا تريدون الضرورة لأحد من عباد الله، والمحبة التي كانت بينكم وبين هذه الإيالة السعيدة لا زلنا عليها كما كان الأسلاف، والآن فإنا نعلمكم بحادثة وقعت لنا مع دولة الفرانسيس..."

ويشرح العاهل المغربي في الرسالة المذكورة "الحادثة الواقعة" مستنجدا بالرئيس الأمريكي  في أن يقوم بواجبه الأخلاقي في حل الخلاف بين المغرب وفرنسا...

 لكن الأكثر من هذا دلالة على أن المغرب يثق في الولايات المتحدة هو ما حدث أيام السلطان محمد بن عبد الرحمن (محمد الرابع)...

لقد شعر هذا الملك بأن بلاد المغرب مستهدفة من قبل بعض الدول الأوروبية : فرنسا التي أصبحت بعد اجتياح الجزائر جارة له، وأخذت تسعى لتوسيع رقعتها على حساب أرض المغرب... إسبانيا التي أخذت تطمع في توسيع المدينتين المحتلتين: سبتة ومليلية...! هذا إلى بريطانيا التي كانت تتطلع إلى ابتزاز المغرب لصالح مستعمرتها: (جبل طارق).

الملك محمد الرابع هذا توجه إلى الرئيس الأمريكي إليسيس كرانط Ulyssess Grant ليتمعشر به  ويقترح عليه حلفا ثنائيا من شأنه أن يحميه من أطماع الدول الأوروبية، وهذا مضمون التقرير الذي رفعه القنصل الأمريكي بطنجة آنذاك: فيليكس ماثيوس   Mathious  F.، وكتب عليه القنصل بخطه كلمة (سري)، ووجهه إلى وزير الخارجية السيد هاميلتون فيشHamilton Fish ، وكان التقرير يحمل تاريخ 29 يونيه 1871 بعد اجتماع قمة بمدينة فاس بينه وبين الملك محمد الرابع في قصر دار الدبيبغ.

كان محمد الرابع يتمتع بحاسة استباقية نافذة، فقد كان يدرك أن بعض الدول الأوروبية في طريقها إلى اقتسام إفريقيا!!! وهو الأمر الذي حدث بالفعل حيث شاهدنا هذه الدول تقدم عام 1880 على هذا العمل مما سجلته الخارطة الدولية للقارة الافريقية...

الآن نعود إلى فترة العاهل المغربي سيدي محمد بن يوسف الذي كان يعرف عن تاريخ بلاده، فلم لا يغتنم الفرصة ليذكر الرئيس الأمريكي روزفلت بالواقع الذي تعيشه بلاده اليوم وقد قدر لها أن تصبح مستعمرة لدولة من قارة أخرى؟! 

وهذا هو الموضوع الذي تناولته في أربع صفحات مزودة بالصورة في موسوعتي عن  (التاريخ الدبلوماسي للمغرب) الذي ترجم إلى الانجليزية

بعد هذا نأتي على ما ورد في مذكرات نجل الرئيس الأمريكي وهي شهادة حية رواها عن والده:

لقد وصف إيليوت (ELLIOTT) نجل الرئيس الأمريكي المأدبة في كتابه، دون أن يتطرق إلى المحادثة الخاصة التي سبقتها قائلا:

"لم تدر خمر قبل تناول العشاء ولا أثناءه، ولم نأكل لحم خنزير لأن ضيفنا الليلة هو السلطان، سليل النبي الذي جاء بالدين الإسلامي الحنيف"

"حضر السلطان يرافقه ولده الفتى ولي العهد، يتبعهما الصدر الأعظم ونائب مدير التشريفات، وكانوا يلبسون جلابيب بيضاء فضفاضة، وقد حمل السلطان معه تاجا رفيعا ودمليجين من ذهب، هدية لوالدتي، فتأمل والدي الهدية، ونظر إلي من طرف خفي وهو يقلب بصره في، وكان كلانا يفكر نفس تفكير الآخر، ويتصور والدتي تترأس بعض الحفلات في البيت الأبيض وهي تتحلى بتلك التحف"!!

"وابتدأ العشاء، وكان السلطان جالسا عن يمين والدي وتشرشل عن يساره، فقال تشرشل – والانشراح ظاهر على محياه – إن الجنرال دوكول وصل في هذا الزوال وتغذى مع الجنرال جيرو، ثم ذهبا معا إلى الميراضور (محل مشرف على البحر)، ولكن لما تقدمت المحادثة بعد ذلك ظهر على تشرشل شيء من الاضطراب، الأمر الذي دل على وجود شيء غير عادي".!!

" كان الحديث الذي يدور بحرارة بين والدي والسلطان الذي كان يتحدث عن خيرات المغرب الطبيعية والامكانيات الواسعة التي يمكن أن تسهم في ازدهاره، وكان الانشراح ظاهرا على كل واحد منهما في هذه المحادثة، وكانا معا يتكلمان اللغة الفرنسية بسهولة بينما لم يكن تشرشل يتكلمها!، وهكذا أمكن للمتحادثين أن يتعمقا في دراسة مسائل مختلفة كرفع مستوى معيشة المغاربة، وهو أمر يستلزم إبقاء قسط كبير مما تدره خيرات البلاد داخل حدود المغرب!

"وصرح السلطان بأنه يرغب رغبة أكيدة – وفي دائرة الإمكان طبعا – في أن تمد له يد الإعانة لإنجاح الجهود التي يبذلها لتزويد بلده بمؤسسات  صحية عصرية وتوسيع نطاق التعليم..."

"فأبدى والدي، إثر ذلك، رأيا مفاده أن السياسة الرشيدة في مثل هذه المشاريع تحتم على السلطان ترك سياسة التساهل والتنازل إزاء المصالح الأجنبية حتى لا يحرم البلد من خيراته! فحاول تشرشل تغيير مجرى الحديث، ولكن السلطان تابع كلامه واستفهم أبي عما يمكن استخلاصه من نصيحته بالنسبة للحكومة الفرنسية بعد تحريرها واستقلالها"

"فلاحظ أبي – وهو يقلب شوكة الأكل بين أصابعه – أن الأحوال ستتغير تغيرا جذريا بعد الحرب، وخصوصا في الميدان الاستعماري! وهنا سعل تشرشل محاولا تغيير مجرى الحديث! ولكن السلطان تناول الكلمة مرة أخرى وسأل أبي عما يعني بالتغييرات الجذرية، فأجاب أبي بأن رجال المال من الفرنسيين والانكليز كانوا ألفوا قبل الحرب شركات تتجدد تلقائيا غايتها استغلال ثروات المستعمرات. ثم أشار إلى إمكان العثور على ثروات بترولية، فتناول السلطان هذه المسألة بجد، وصرح بأنه يرى أن تستثمر كل الخيرات الطبيعية على شرط أن لا يغادر المردود البلد المستثمر! ثم هز رأسه متشائما وأظهر تأسفه على قلة العلماء والمهندسين من بين مواطنيه، ذاكرا أن المغرب لا يتوفر على فنيين قادرين بدون مساعدة خارجية على إنجاز مثل هذه المشاريع"!

"وهنا بدأ تشرشل يتحرك فوق كرسيه ويبدو عليه القلق والحيرة!! فهمس أبي في خفاء: إنه من الممكن على سبيل المثال إعداد مهندسين وعلماء بفضل تخطيط يرمي إلى تبادل جامعي مع الولايات المتحدة..."

"فهز السلطان رأسه مستحسنا ومعلنا موافقته على هذا الرأي، ولولا قواعد البروتوكول التي يتعين احترامها في مثل هذه الاجتماعات لأخذ السلطان عناوين الجامعات الأمريكية التي ينوي إرسال شبان بلده للتعلم فيها"!!

"وتابع أبي تبسيط فكرته – وهو يحرك الكأس الذي يشرب فيه الماء – ذاكرا للسلطان أنه يمكنه أن يطلب بكل سهولة مساعدة المؤسسات التجارية الامريكية لتعينه على وضع خارطة للاستغلال مقابل نسبة مئوية من الأرباح أو مقابل أجر إجمالي، وهذا الشكل من التعاون سيكون من نتائجه أنه يتيح لحكومة المغرب - البلد ذي السيادة – أن تراقب الثروات الوطنية مراقبة واسعة، وأن تنتفع بقسط كبير من عوائد هذه الامكانيات المضمونة، وأن تمسك بيديها قريبا أو بعيدا مقاليد الأمور الاقتصادية".

" فغمغم تشرشل وتظاهر بأنه ينصت إلى الحديث، لقد كان العشاء ممتعا جدا قضى الضيوف أثناءه – باستثناء واحد منهم – ساعة سارة جدا...

 وعندما خرجنا من قاعة الأكل أكد السلطان لأبي – وعيناه يشع منهما بريق – أنه سيطلب بمجرد ما تضع الحرب الدائرة أوزارها عون الولايات المتحدة ليمكن للمغرب أن ينطلق انطلاقا كاملا"!!.

"ها هو ذا مستقبل "جديد يلوح لبلادي"! قال السلطان هذه الجملة وهو يغادر قاعة الأكل، ووراءه الوزير الانجليزي الأول يمتص سيكارته والقلق ظاهر عليه!.

بعد هذه الشهادة الحية لنجل الرئيس الأمريكي نأتي على ما ورد من تحليلات في تأليف المؤرخ البريطاني الأستاذ روم لاندو Rom Landau

قال الكاتب البريطاني الذي تعرفت عليه فيما بعد في بيت السيد احمد بناني مدير التشريفات الملكية  وكان يحكي عما كتبه وهو متحمس لما يرويه عن ذلك اللقاء    

كان من أبرز الحوادث في حياة السلطان سيدي محمد بن يوسف، أثناء الحرب، مقابلته للرئيس روزفيلت، ذلك أنه إذا كان لم يحدث أي ارتباط سياسي بين الرجلين فإن مغزى الاجتماع يرجع إلى أن محمد الخامس تحادث فيه لأول مرة، منذ تولي العرش، على قدم المساواة مع رئيس دولة، ولأن الاجتماعات التي سبق أن عقدها مع الممثلين الأجانب نادرة الوقوع، وإذا حصلت فكانت تحت رعاية الفرنسيين على ما كان يفرضه البند الخامس من معاهدة الحماية على ما أسلفنا!

وقد اجتمع السلطان مع الرئيس الأمريكي أثناء مؤتمر الدار البيضاء الذي عقد في يناير 1943، وشارك فيه جميع زعماء الحلفاء: روزفيلت، وتشرشل، وأيزنهاور، وهاري هوبكنز، والجنرال باطون، كما شارك فيه الجنرالان جيرو ودوكول، وكان الفرنسيون يودون أن يتعاون زعماء الحلفاء مع المقيم العام وحده، فقد كان المقيم إلى جانب منصبه وزير خارجية السلطان! ولكن غضب روزفيلت على ممثل الحماية بلغ حدا جعله يصر على مقابلة السلطان، فاستدعاه هو وابنه الأكبر مولاي الحسن إلى تناول الغذاء في فيلا (دار السعادة) وهو المنزل الذي كان يقيم به الرئيس خارج الدار البيضاء...

" كانت المناسبة بالنسبة للسلطان أكثر أهمية من أن يعتبرها مناسبة لتبادل المجاملات، ولذلك طلب أن يجتمع على انفراد بالرئيس... وتم الاجتماع دون أن يشارك فيه ما دار من حديث، حتى مستر تشرشل نفسه، ومهما يكن المستوى الذي بلغته القرارات التي اتخذها زعماء الحلفاء، ومهما تكن أهميتها فإن أقرب موضوع إلى قلب السلطان لم يكن موضوع الحرب التي لا تستطيع بلاده أن تقوم فيها بدور كبير وإنما كان أقرب موضوع إلى قلبه هو المصير الذي يكتب لبلاده في المستقبل، وبالرغم من أن كل ما يعرفه عن روزفيلت كان يدفعه إلى أن يتطلع إلى الاجتماع بنظرة المتفائل، فإن الرئيس روزفيلت تجاوز كل ما كان يتوقعه السلطان من حماسة وهو يتحدث عن المغرب ومستقبله، وبالرغم أنه كان من الواضح أنه يوجز في حديثه، فقد طلب من السلطان أن يحيطه علما باقتصاديات المغرب، وتقدمه الاجتماعي، وقد قال: إنه يعلم عن ظروف الشقاء التي تعيش فيها أغلبية الأهالي، ويعلم عن الثروة التي جمعها المستوطنون الفرنسيون!.

ولما ذكر السلطان أنه يشكر الرئيس إذا تفضل بإبداء بعض التوجيهات لتحسين حالة الأهالي من حيث الصحة والتعليم... وعده روزفيلت بأن يبذل كل ما في استطاعته...

 ولكن أكثر التصريحات تأثيرا هي تلك التي أكد فيها الرئيس أنه لا يرغب فقط في أن يتمتع المغرب باستقلاله في المستقبل، ولكنه أضاف إلى ذلك أنه لن يدخر جهدا للإسراع بتحقيق هذا الاستقلال حينما تضع الحرب أوزارها، وقد كرر هذا الوعد أكثر من مرة كما لو كان يريد أن يؤكد لضيفه أنه وعد صادق، وليس مجرد حديث مجاملة!!.

"كانت عناية روزفيلت بمستقبل المغرب أكثر قوة من أن تكون مجرد أحاديث ديبلوماسية، ولم يعط وعده فيما يتعلق باستقلال البلاد في المستقبل عطاء عابرا يمكن أن ينسى، بل إنه حينما لقي الأمير فيصل ابن الملك عبد العزيز ابن سعود وزير خارجيته طرق معه الموضوع، وأظهر نفس الاهتمام الذي أظهره خلال محادثاته مع السلطان، كما كرر نفس الآمال والنوايا.

وقد دفعني حب الاستطلاع إلى أن أسأل الأمير فيصل عام 1959م 1378ه، وهو ولي للعهد عن هذه المعلومة فأكد لي ذلك قائلا: "أنتم إخوتنا!" وكان علي أن أعرف زمن ومكان لقاء الطرفين: الأمير فيصل والرئيس روزفيلت، حيث علمت من خلال الوثائق أن الملك عبد العزيز بن سعود لما كان يروم تقوية المملكة والاستفادة من الخبرة الأمريكية عهد إلى وزير خارجيته بالاتصال بالرئيس الأمريكي روزفيلت حول الموضوع وانتهت الاتصالات إلى لقاء قمة مع العاهل السعودي على ظهر سفينة حربية حيث تم التوقيع على الميثاق الذي حمل في التاريخ الدولي اسم كونسي Quincy  والذي تم توقيعه في شهر يبراير 1945 عند عودة الرئيس من مؤتمر يالطا...                  وهو الحدث الذي تعبر عنه الصورة الشهيرة التي تجمع بين الملك عبد العزيز وبين الرئيس روزفيلت.                                    

وقد مكن هذا اللقاء الاستراتيجي الأمير فيصل من تفعيل سياسة المملكة السعودية في التقارب العربي الأمريكي الذي كان ينشده مؤسس الدولة السعودية

لنرجع بعد تلك المعلومة التي اختص بذكرها الكاتب البريطاني روم لاندو، إلى تحليله الذي يؤكد لنا أن السلطان سيدي محمد بن يوسف كان يعتبر اجتماعه بالرئيس روزفيلت حدثا ذا أهمية بالغة في تاريخ بلاده، ذلك أنه تمكن من أن يبلغ صوت المغرب إلى الرجل الذي كان يتمتع في ذلك الحين بنفوذ منقطع النظير في شؤون العالم، وقد اطمأن إلى ما سمعه من فمه، هو نفسه، من عطف على أماني المغرب الوطنية، وبذلك كان من الطبيعي أن تعتبر وفاة روزفيلت بعد اجتماعه بالسلطان بقليل (1945) قبل نهاية الحرب خسارة شخصية فادحة بالنسبة للشعب المغربي وملكه"...

"ويتابع روم لاندو قائلا:  وفي الوقت الذي تم فيه الاجتماع كانت الأمة المغربية تنظر إلى الرئيس الأمريكي على أنه أعظم رجال تلك الفترة، ومما زاد في عزتهم واحترامهم لأنفسهم هو أن الرئيس الأمريكي لم يكن راغبا في مجرد مقابلة سلطانهم فحسب، وإنما كان راغبا في معاملته على أنه حاكم ذو رأي وخطط للمستقبل...

يمكن أن يقال أن الاجتماع بين السلطان والرئيس قد فتح عهدا جديدا في الشؤون المغربية، فقد وضع المغرب على الخارطة الأمريكية أو على الأقل خارطة الرئاسة، وأحيى في نفس السلطان وشعبه الأمل بأنهم ضمنوا تأييد حليف، له من قوته ما يمكن لبلادهم من أن تحصل في المستقبل على ما تريد...

"... فقد أبدى الرئيس أكثر ما يمكن من الاهتمام بماضي المغرب وحاضره، وقدم ملاحظات متعددة تتعلق بمستقبله، وأن السلطان الذي سره اهتمام المضيف كان يقدم المعلومات اللازمة، وكثيرا ما طلب منه النصح، وقد أثر في نفس الرئيس اهتمام السلطان الدقيق بأمريكا تأثيرا حسنا.

 يقول أحد الذين كان لهم شرف استضافة الرئيس الأمريكي في مراكش بعد ذلك ببضعة أيام: "تحدث إلى الرئيس عما دار بينه وبين السلطان، وعن الاهتمام الخاص الذي أبداه الملك بأمريكا وبكل شيء أمريكي"، وقد اتضح لكل واحد أن السلطان والرئيس كانا مسرورين في ذلك الوقت، وقد تضمنت الملاحظات التي أبداها الرئيس أن المغرب يجب ألا يسمح للأجانب بأن يمتصوا ثروته، وأنه يجب أن يطور إمكاناته الاقتصادية لمنفعته الخاصة، وإن "حكومة ذات سيادة يجب أن يكون لها إشراف كبير على موارد الثروة في بلادها" ...

"إن أشد أنصار المغاربة تأييدا لطلبهم الاستقلال كان عليه أن يتذكر أن ابريطانيا العظمى والولايات المتحدة لم تكونا في حرب مع فرنسا، وأنهما، بغض النظر عما يمكن أن يؤول إليه الأمر، لم يعهد إليهما بحل القضية المغربية، ومع ذلك فقد كان من الواضح ان مثل هذه الاعتبارات لم تكن ذات قيمة كبيرة بالنسبة إلى أولئك الذين كانوا يشتركون في الاجتماع، وقد كان من الطبيعي أن يكون السلطان قد فهم من هذا كله أن الرئيس قد ضمن للمغرب استعادة سيادته التامة سياسيا واقتصاديا...

 ومثل هذا الانطباع زادته قوة أقوال متعددة تفوه بها روزفيلت أثناء محادثات أخرى حول الموضوع نفسه، مثال ذلك أنه التقى بعد بضعة أشهر بوزير خارجية الملك  عبد العزيز ابن سعود (الأمير فيصل)– كما سلف القول- وأعاد على مسامعه آراء مثل "حق المغرب في أن يستفيد مما هو ملك حق له".

"... ويضيف روم لاندو إلى هذه التعليقات قوله: كان إليوت ابن الرئيس يدون حالا ملاحظات عن الأحاديث التي جرت مع أبيه... ومن ملاحظات الرئيس التي ليس فيها غموض: "لماذا يصبح المغرب وسكانه من المغاربة ملكا لفرنسا؟ أي شيء لا بد أن يكون خيرا من العيش تحت حكم الاستعمار الفرنسي عندما نربح الحرب، سأبذل كل جهدي وقوتي لأتأكد من أن الولايات المتحدة لن تكون في وضع تقبل فيه أية خطة من شأنها توسيع المطامح الاستعمارية"!!.

"وقد تلقى السلطان فيما بعد من الرئيس رسالتين تركتا في نفسه شعورا بالاطمئنان كالاطمئنان الذي حصل عليه من قبل، والمعتقد أن روزفيلت كتب إلى السلطان فيهما "واعدا إياه بأن يعمل بنفسه، عند انتهاء الحرب، على التعجيل باستقلال المغرب"، ولو أن الرئيس عاش مدة أطول لكان ممكنا أن يكون عند وعده على ما يرى المراقبون الفرنسيون..."

وقد علّق كاتب فرنسي هو الأستاذ روجي لوتورنو في كتابه "التطور السياسي لإفريقيا الشمالية الإسلامية" علّق على نفس الموضوع بأن النزول الأمريكي في المغرب جعل السلطان يشعر بأن الوقت قد حان للانعتاق من النفوذ الفرنسي! وتجلى هذا بكيفية ذات قيمة ومغزى عندما رفض السلطان طلب الجنرال نوكيس اللجوء إلى مكناس- أثناء الحرب- وتجلى أكثر بمناسبة الاجتماع في مؤتمر آنفى بالدار البيضاء، وقد مكنت المحادثة بين السلطان والرئيس من الشعور بأن المغرب خطا خطواته السياسية الأولى، ومهما يكن فقد تحدث الطرفان بما فيه الكفاية للتفاهم، فالسلطان كان يعلم أن روزفيلت سيجتهد لتفكيك العلاقات بين المغرب وفرنسا، ولبذل المعونة التقنية والمالية الأمريكية، بينما تأكد الرئيس من أنه فتح آفاقا شاسعة وجدية لشعب جديد، وباختصار ففي بضعة أيام تحولت نظرة السلطان، فانتقل فجأة من فترة الصّبا إلى فترة المراهقة السياسية مع ما يصحبها من فورات ورغبات، وقد ودّع السلطان رئيس الولايات المتحدة وهو رجل آخر  يحلم بمستقبل جديد لبلاده!

 
     
  بمناسبة 26 أبريل اليوم الوطني للدبلوماسية المغربية  
 
د. عبد الهادي التازي  

رئيس نادي الدبلوماسيين المغاربة 

هناك ظاهرة كنا نلاحظها في تعامل ملوك المغرب مع عقد الحماية الفرنسية (1912) وبخاصة مع البندين الخامس والسادس. 

ومعلوم أن هذين البندين يجعلان حدا لعلاقة المغرب الدولية التي ظلت قائمة مع سائر الممالك منذ فجر التاريخ 

وكان البند الخامس ينص على أن المقيم العام هو "الواسطة الوحيدة بين جلالة السلطان ونواب الأجانب ..." 

كما ينص البند السادس على " أن نواب فرنسا السياسيين والقنصليين هم النائبون عن المخزن ...". 

وأمامنا عدد من الحالات التي كان العاهل المغربي يعبر من خلالها عن عدم رضاه على هذه الوضعية التي جعلت من المغرب دولة تابعة بعد ذلك التاريخ الطويل العريض الذي كان للمغرب على صعيد المجموعة الدولية. 

ومن غير أن نستعرض ما قام به السلطان مولاي يوسف رحمه الله في هذا الصدد نذكر أن أبرز اعتراض هو الذي سجله السلطان سيدي محمد بن يوسف في اجتماعه بالدار البيضاء عام 1943 صحبه سمو ولي عهده آنذاك مولاي الحسن، مع الرئيس روزفيلت والوزير البريطاني الأول تشورشيل ... 

وقد تجلى اعتراضه بعد ذلك عام 1944 عندما وقف جنبا إلى جنب مع الوطنيين المغاربة وهم يقدمون عريضة الاستقلال ... 

وتجلى اعتراضه واضحا في أبريل 1947 في طنجة عندما لم يكتف فقط بإعلان انتسابه للجامعة العربية ولكنه تحدث عن تصوره لرابطة الدين الإسلامي التي تجعل المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها يشعرون شعورا واحدا ... " 

إن كل الملاحظين اعتبروا أن تصريحات السلطان سيدي محمد بن يوسف بطنجة كانت منعطفا حاسما في تاريخ المغرب السياسي. 

وقد وجدنا أن الملك في خطاب العرش لعام 1949 يؤكد بالتعبير الواضح الصريح على "محافظته على سيادة البلاد ووحدة ترابها ! ". 

كما وجدنا جلالته في خطاب العرش ليوم 18 نونبر 1950 يعبر عن موقفه الصريح أمام الرأي العام الدولي من عقد الحماية الفرنسية 

ولم يكن غريبا أن نسمع، لأول مرة، صدى المغرب في مبنى الأمم المتحدة في دورتها الخامسة عندما تدخل أثيرت قضية السياسة المتبعة في المغرب. 

إن الطريق إلى المنتظم الدولي أصبح مفتوحا ومن هنا تحققت استراتيجية المغرب في الخروج بالنزاع من المحيط الضيق إلى ذلك الفضاء !

ولقد رفعت مذكرة ساخنة عام 1953  تطلب إلى الأمين العام للأمم المتحدة بتسجيل القضية المغربية استعدادا لشجب العدوان الشنيع  المتمثل في نفي العاهل المغربي السلطان سيدي محمد بن يوسف ونفيه صحبة عائلته إلى مجاهل الدنيا. 

وأمام الإجماع الذي كان يناصر العاهل المغربي سواء في الداخل أو الخارج، لم يلبث الرأي العالمي جميعه أن سمع بعودة العاهل المغربي سيدي محمد بن يوسف إلى عرشه في نونبر 1955 حيث شاهدناه بعد شهور قلائل يسلم الظهير الشريف الخاص باسترجاع الدبلوماسية المغربية مكانتها يوم 26 أبريل 1956 ... 

لقد بدا واضحا من التوجيهات الملكية السامية أن سياسة الشؤون الخارجية تنال من اهتمام جلالة الملك القسط الأوفر، فقد ظلت الدبلوماسية المغربية متصلة به حسب نصوص الدستور المغربي. وكلنا يعرف أن دستور المملكة ينص على أن الملك هو الذي يعتمد السفراء سواء لدى الدول الأجنبية أوالمنظمات الدولية ولديه هو يعتمد السفراء وممثلوا المنظمات الدولية 

والملك هو الذي يوقع المعاهدات ويصادق عليها، ومن هنا كان وزراء الخارجية في المملكة المغربية أكثر صلة بتوجيهات جلالة الملك.  

ولا بد لنا من الإشارة إلى خطاب لجلالة الحسن الثاني في أول مناسبة له بعد تربعه على كرسي الملك ... خطابه التاريخي في بلغراد يوم 8 شتنبر 1961 = 26 ربيع الأول 1381 أمام سبعة وعشرين من ملوك ورؤساء الدول والحكومات. 

ولقد ظل إسهام الملك الشاب جلالة الملك الحسن الثاني في تلك "القمة" التي لم يكن لها نظير على صعيد المجتمعات الدولية، أقول ظل يقيم الدليل على تعلق المغرب بمبادئ العدل والحق وعدم التبعية. 

لقد قرأنا عن عرش ملوك المغرب أنه لم يكن كرسيا من أبنوس، مطرز باللؤلؤ والمرجان والفضة والذهب، وأنه كان مطية خيولهم التي كانوا يدبرون منها أمر البلاد وحيث إننا اليوم نعيش عصرا تجاوز الخيول إلى السيارات والسفن والقاطرات والطائرات، فهل اختلف الأمر اليوم عن الأمس ؟ إن العاهل يظل على مكتبه ومع ملفاته سواء أكان بفاس أو مراكش أو بالرباط، بباريز أو نيويورك أو موسكو ... وسواء أكان على متن البحر أو الجو، فهو مع المغرب ومع أبناء المغرب أينما كان ... 

لقد عرفته الساحة الدولية فعرفت فيه مثال القائد الفذ الذي يمتلك الحكمة وفصل الخطاب، وحسبك أن تقوم برحلة لأرشيفات المنظمات الدولية وتطلب إليها أن تمدك بالمقولات التي سجلتها عن جلالة الملك الحسن الثاني فيما يتصل بالعلاقات الدولية، وفيما التقطته من استجواباته أو تصريحاته أو خطاباته هنا وهناك، وفيما سجلته عنه هناك في مختلف القارات في شتى المناسبات ... 

ومن هنا لم يكن غريبا علينا أن نراه على قمة الدبلوماسية العالمية يعالج ما استعصى من قضايا الإنسانية. وقد اجتمع له في فترة من الفترات أن كان يمثل قارة بأكملها من القارات أو هيئة بسائرها من الهيئات : فيها العالم الإفريقي والعالم العربي وفيها العالم الإسلامي كذلك. 

ولقد كان في صدر اهتماماتنا الدبلوماسية المغربية، قضية بناء وحدة المغرب العربي، "إن جميع عناصر التاريخ يمكن أن تتغير إلا العنصر الجغرافي ومن ثمة يجب العمل ضمن الإطار". ومن هنا كذلك اقتناع جلالة الملك الحسن الثاني لصالح جمع الشمل بين قادة المغرب. 

وهكذا فمنذ الخطوة الأولى في طنجة (أبريل 1958) لتحقيق هذه الفكرة شاهدنا سلسلة من اللقاءات على مختلف المستويات .. 

وقد ظل شعار الدبلوماسية المغربية إزاء الجامعة العربية هو نفس الشعار الذي رفعه المغرب منذ استرجاع استقلاله، ومن ثمة ارتبط اسم جلالته ارتباطا قويا بقضايا العروبة، لأنه يؤمن إيمانا بأن بناء المجموعة الدولية ينطلق من هذه المجموعة الإقليمية .. 

وجلالة الملك هو الذي عرف على الساحة الدولية بأنه مناضل صلب من أجل الحرية والعدالة، ومن هناك تتبع الناس حماسه من أجل مقاومة الاستعمار في كل أجزاء القارة، يبذل بسخاء .. ويرحب في قصره بكل المناضلين في سبيل التخلص من حكم الأجنبي، غير هياب في ذلك ولا وجل ... 

وهل ينسى أحد أن الدار البيضاء هي التي شاهدت في يناير 1961 أول ميثاق إفريقي مهد لإنشاء منظمة الوحدة الإفريقية ؟ 

ومن منا لم يقرأ عن نجدة الجندي المغربي، وفي سبيل الإبقاء على إفريقيا إفريقية ؟ إن كل ذلك كان يستحق منا الوقوف عنده مقدرين مكبرين في هذا اليوم التاريخي. 

ولقد كانت الدبلوماسية المغربية ممثلة في جلالة الملك الحسن الثاني على موعد مع التاريخ عندما ادخر لهذا الملك الجليل المأثرة الخالدة التي تجلت في دعوة العالم الإسلامي كله للاجتماع على أرض المغرب وتحت رئاسة المغرب من أجل مدارسة قضية تعتبر قمة قضايا المسلمين في العصر الحاضر.. كانت المناسبة الأولى في التاريخ الدولي التي اجتمع فيها المسلمون على طاولة واحدة (رجب 1389 = شتنبر 1969) حيث تم - في الرباط - إنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي في أعقاب المحاولة الصهيونية الآثمة لإحراق المسجد الأقصى .. 

ينبغي أن نعيد إلى الذاكرة تلك الصورة الرائعة لذلك اللقاء الذي شد الناس إليه في القارات الخمس، وبالتالي شدهم إلى المغرب الذي جمع الناس على كلمة واحدة، وحسب بعض الناس أنه مؤتمر دون غد كما يكون الشأن في مؤتمرات أخرى تعقد في جهات الدنيا لكنهم لم يلبثوا أن سمعوا عن ذيوله ومتعلقاته في كل جهات العالم ... 

وقد وجدناه في حاضرة الفاتيكان يقوم لأول مرة في تاريخ الأديان وفي تاريخ العالم كله، ماضيه وحاضره - وعلى مستوى القمة - بإجراء حوار شجاع متبصر مع قداسة البابا 

يوحنا بولس الثاني، يوم الأربعاء ثاني أبريل 1980 حول القضية التي تشغل بال كل مسلمي العالم الإسلامي قضية بيت المقدس. 

ولقد تتبع العالم أجمع ذلك اللقاء، واستعرض العالم أجمع قضية القدس، وحتى الذين فاتهم، لسبب من الأسباب، أن يهتموا بالحرم الثالث عادوا يبحثون عنه وعن تاريخه، وعاد ذكر عمر بن الخطاب وذكر أيام الموحدين وصلاح الدين ..!!

إن ما كتبه الغرب عن قضية القدس وقضية فلسطين بهذه المناسبة كان يفوق، بثلاثة أضعاف، ما كتبه عنه طيلة القرون الماضية !!

أما عن المكانة الدولية لجلالة الملك الحسن الثاني في القارة الأوربية فيمكن أن نستخلصها من ندواته الصحفية واستجواباته المثيرة وخطاباته ورسائله منذ أن تربع على عرش أسلافه. لقد وجد فيه عباقرة الكلمة الموزونة، وعباقرة القول، وجدوا فيه مثال المطلع الصائب الذي لا تخونه الحجة ولا يغيب عنه البرهان !

وهكذا فإن له مع دول أوربا الغربية، ودول أوربا الشرقية كذلك، ماض وحاضر مكنها جميعها من التعرف، عن كثب على مركز الدبلوماسية المغربية .. ويكفي أن السلك الديبلوماسي في كل تلك الدول يتبارى من أجل الوصول إلى المغرب ليمثل بلاده هنا حيث الاستقرار والاستمرار، وحيث احترام الديمقراطية والموضوعية. 

ولكن هل إن قربه من أوربا أنساه قارة آسيا والاهتمام بمشاكلها بل والاقتناع بأن قربها في بعدها وأنها تمثل عاملا قويا من عوامل الاستقرار في أوربا وفي إفريقيا .. إن العالم بالنسبة إليه أضحى مدينة إن لم يكن قرية، وكيف لا يهتم جلالة الملك الحسن الثاني بتلك القارة الواسعة ولأسلافه الأبعدين والأقربين حديث يروى رددته تلك البلاد على مختلف العصور .. 

وماذا عن أصداء المملكة المغربية في القارة الأمريكية ؟ ينبغي أن تقوم برحلة لنقرأ ما تكتبه تلك الديار أيضا لنسمع عن "الملك الحكيم" كما ينعتونه، لقد كان الأمريكيون يشعرون بالمفاجأة فعلا وجلالة الملك يتحدث إليهم عن مساعدة أسلافه للولايات المتحدة في بناء استقلالها !! كما يتحدث إليهم عن السياسية الأطلسية لجده العظيم جلالة محمد الثالث وجده محمد الرابع .. 

علينا أن نقف قليلا مع جواب جلالة الملك الحسن الثاني على خطاب الرئيس الأمريكي كؤخرا فهو إلى جانب أنه وثيقة تاريخية رائعة بالنسبة لماضي أمريكا والمغرب، إلى جانب ذلك فإنه أي الجوانب وضع الشعب الأمريكي في الصورة الحقيقة التي ينبغي له أن يتوفر عليها فيما يمس علاقته بالشعب المغربي. 

وقد عرف الأمريكان أننا مستعدون للمساهمة في بناء المستقبل على أساس من احترام لمعطيات ذلك التاريخ ... وكذلك كانت أصداء المغرب في أمريكا الشمالية : كندا وفي أمريكا الجنوبية بما تحتضنه من جمهوريات ربطنا بها أيضا تاريخ قديم تنطق به رفوف المستندات كما تنطق به مختلف التقاليد والعادات التي انتقلت إلى تلك الديار عبر إسبانيا والبرتغال !!

أما عن أبهاء الأمم المتحدة، بما فيها المنظمات المتفرعة عنها، الثقافية فقد عرفت المغرب منذ الوقت الذي استرجع فيه استقلاله ومنذ ذلك الوقت عرفت فيه العنصر النافع الذي ينتظره المنتظم الدولي .. إن المغرب بما مر به من تجربة عملية في النضال الوطني بقيادة ملكه، وبما تجشمه من محن في سبيل تحرير البلاد كان أصدق من يدعو لنزع السلاح ... والثورة على الميز العنصري في العالم، "واجتناب التدخل في الشؤون الداخلية لمختلف الدول واحترام وحدتها الترابية، واستنكار العنف والعدوان، وإيثار فض النزعات والخلافات بالطرق السلمية، ووضع حد للتسابق في مضمار التسلح وانتشار أدوات التخريب والتدمير". 

ولا بد أن نقف قليلا مع الحدث الذي هز العالم كله وشد الملاحظين والمعلقين إليه، ردحا من الزمن ... إنه حدث استرجاع الصحراء بالطرق الدبلوماسية المتعارف عليها بين الأمم لقد طلب المغرب من الجمعية العامة للأمم المتحدة غداة الاستقلال استشارة محكمة العدل الدولية حول ماذا كانت الصحراء أرضا خلاء أو مرتبطة بالمغرب ... 

ولم تلبث محكمة لاهاي أن أصدرت رأيها الاستشاري الذي يؤكد وجود روابط البيعة بن سكان الصحراء وملوك المغرب ... الأمر الذي أعقبه الإعلان سنة 1975 عن "المسيرة الخضراء " من أجل الصحراء ... 

*  *  *  

وأخيرا يضاف إلى كل ذلك الصرح الدبلوماسي الذي أحياه المغرب من جديد بفضل جلالة الملك الحسن الثاني، يضاف إليه ما يمكن أن نسميه " الدبلوماسية الموازية " الأمر الذي 

يتجلى فيما تقوم به المملكة المغربي بقيادة رائدها العظيم من أعمال رائعة تخدم السمعة المغربية وترفع بصيت البلاد عاليا .. ونعني بذلك ما تقوم به الفرق البرلمانية من زيارات لمثيلاتها في الجهات الأخرى من أنحاء العالم ... وما تقوم به الفرق الرياضية من أعمال لا تقل عما يقوم به الدبلوماسيون خارج البلاد، هذا إلى ما تحققه الأوساط المثقفة على صعيد اللقاءات العلمية سواء منها الثنائية أو المتعددات الأطراف ... 

إن جولة سريعة في المجلدات الضخمة التي تحتضنها مديرية الشؤون القانونية والمعاهدات وزارة الشؤون الخارجية سواء في ذلك المعاهدات والاتفاقيات والأوقاف الثنائية أو الاتفاقيات المتعددة الأطراف أقول إن جولة في تلك الرفوف تجعلنا في الصورة الحقيقية لذلك النشاط الذي حققته الدبلوماسية المغربية منذ 26 أبريل 1956 هذا التاريخ الذي يعتز الدبلوماسيون المغاربة بأنه تاريخهم وبأنه يومهم وأنهم جميعا، وبدون استثناء، ليقدمون آيات شكرهم وامتنانهم للدبلوماسي الأول جلالة الملك الحسن الثاني الذي حافظ على الأمانة كما تسلمها من أسلافه الميامين، وأنهم ليقدرون لجلالته ما أضفاه من رعاية سامية لاحتفائهم بهذا اليوم الوطني الذي يبقى مناسبة جيدة للقيام بوقفة تأمل أمام ما حققته المملكة المغربية من أهداف، وأمام ما يزال ينتظرها من آمال معقودة على سيدنا الهمام أبقاه الله منارة يهتدي بها أبناء هذا المغرب الذي يكنون لجلالته كل معاني الإخلاص والوفاء ... 

ينبغي أن نذكر من أيام المغرب التي لا تنسى يوم 26 أبريل 1956 لأنه هو اليوم الذي صدر فيه الظهير الشريف بإنشاء وزارة الشؤون الخارجية بالمغرب ومعنى هذا أن المغرب استرجع سيادتـه على الصعيد الدولي وأصبح - كما كان بالأمس البعيد - في استطاعته أن يتعامل مع العالم الخارجي على قدم المساواة، وقد رأى نادي الدبلوماسيين المغاربة أن يجعل من هذا اليوم، في كل سنة، ذكرى يستعرض فيها المواطنون ما أنجزته الدبلوماسية المغربية على الصعيد الدولي بفضل صاحب الجلالة الملك محمد الخامس رحمه الله وفضل وارث سره صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني الذي يقود المسيرة المغربية في حكمة وتبصر وأناة والذي أبى حفظه الله إلا أن يشمل برعايته السامية هذا اليوم الوطني الذي يتطلب من كل واحد منا، وخاصة من الذين عايشوا هذا اليوم أو أسهموا من قريب أو بعيد في العمل الدبلوماسي طوال السنين الماضية، يتطلب منهم أن يزودوا الذاكرة المغربية بما ينور الطريق حول الموضوع ... 

وبهذه المناسبة زودنا الدكتور عبد الهادي التازي رئيس نادي الدبلوماسيين المغاربة بهذا العرض الموجز عن المسيرة الدبلوماسية منذ 26أبريل 1956. 





 
     
  شهادات عن أيام منفى الملك محمد الخامس  
 

معظم الذين تناولوا حياة الملك محمد الخامس – إن لم أقل كلهم، لم يهتموا بالفترة التي قضاها بالمنفى السحيق، وقد ظللت أستغرب هذا الصمت ولا سيما بعد أن وقفت على ما كتب بمناسبة الندوة الدولية حول محمد الخامس بالرباط عام (نونبر 1987) فكل الذين تناولوا الحديث عن الرجل وخاصة من الذين قدموا بحوثهم باللغة العربية ظلوا غير ملتفتين إلى هذه الفترة الحالكة من حياة المملكة المغربية

وحتى الذين تناولوا الحديث باللغة الأجنبية ولا سيما الذين كنا ننتظر منهم أن يرضوا استطلاعنا كانوا شحيحي الحديث عن تلك الفترة

وباستثناء الأستاذ ماكس جالاد  الذي خصص تدخله لأيام المحنة  والذي قدم لنا فيه موقع مدغشقر الجغرافي ومدى صبر العاهل على التأقلم في هذا المكان القريب من القارة الافريقية ولكنه الأقرب إلى آسيا !.. مذكرا بان أجهزة التكييف في فندق تيرم كانت تتعرض باستمرار للخلل والعطب ... قدم لنا في هذا الحديث تتناريف على أنها محطة للعلاج بالنسبة للذين يشتكون من أكبادهم التعبانة ! وبالرغم من هذا المقام الموحش فقد نظم العاهل العظيم أيامه، وأخذ يحضر صلاة الجمعة وينشر الرسالة بين المتساكنين الذين كان أغلبهم من جزر القمر 

لقد علمنا الاستعمار عندما كنا نحن في سجون المغرب وكان يشعر بقوة ثبات المناضلين، وعنادهم كان يعمل على أن يكسر شركتهم بإظهار قمع أكثر محاولا تركيع الإرادات

هكذا كان سلوك الاستعمار وهو يقرر نقل العاهل من كورسيكا إلى مدغشقر حتى يشعره باليأس والإحباط

وقد أخبرنا الأستاذ جاك ريتزيرعن الرسالة التي توصل بها من العاهل في انتسيرابي وكانت تحمل تاريخ 29 نونبر 1954 وقد ظهر فيها الملك على أنه رجل دولة عظيم، يعرف كيف يهيمن، وهو في قلب المحنة، على الألم الذي كان يعتصره إزاء الذين تصرفوا إزاءه ذلك التصرف الأهوج الغير المبرر

وفي تدخل ثان للأستاذ ريتزير قرأنا عن شهادة الدكتور ديبوا روكبير     والكولونيل تويا الذي كان الحارس الأول لسجن العاهل ... في هذه الشهادة سمعنا عن الزيارة التي تمت يوم أول أكتوبر 1953 لفندق موفلون دور 

 من خلال هذه الزيارة وبالرغم من الهم الذي كان يحمله العاهل إزاء متابعة الأمراء والأميرات للدراسة فإن جلالة الملك كان يبدو قويا شامخا 

وقرأنا فيما قرأناه أن الأمير مولاي الحسن كان يتمتع برباطة جأش وثبات منقطع النظير، وهو يوالي دراسته القانونية، والأمر كذلك كان بالنسبة للأميرة للا عائشة التي كانت على نفس الروح العالية لأخيها مولاي الحسن. كما سمعنا عن زيارة ثانية للدكتور ديبوا روكبير إلى الأسرة في انتسيرابي بمناسبة مولد الأميرة للا أمينة 

لكن الذي كنت، وما أزال أنتظره، هو يوميات تلك الأيام التي كان في الإمكان تسجيلها من لدن بعض الأمراء أو الأميرات ممن كانوا يعيشون تلك الذكريات

وأعتقد جازما أن المغفور له جلالة الملك محمد الخامس شعر بأن توالي الزمن يحاول أن ينسي من ذاكرة الناس تلك الفترة من تاريخ المغرب : فترة المنفى. فقرر رحمه الله – أن يبعث الذكرى من جديد بأن قام بنفسه، صحبة ولي عهده، الأمير مولاي الحسن بالرحلة إلى تلك الديار أواخر يبراير 1959 حيث وقفنا على نص خطاب جلالته يوم 26 يبراير الذي وجهه إلى شعبه والذي نرى من المفيد أن نذكر بنصه هنا

وقد بقيت لنا بعض الآثار المكتوبة حول هذه الرحلة : رحلة الذكرى، ومنها نشرة الوزارة الأولى التي كان على رأسها آنذاك الأستاذ الراحل عبد الله إبراهيم، والتي نترك للقارئ العودة إليها كوثيقة موثقة مطبوعة. وهو سجل مزود بكلمات نافذة وصور دالة فريدة ... أضفت إليها، أنا، بعض الصور عن مرور العاهل بمطار مالطا وقد حصلت عليها من وكالة الأنباء الفرنسية

وفي أحاديث خاصة مع بعض من عاشوا ذلك المنفى من أصحاب وصاحبات السمو الملكي ... كنت ألتقط بتلهف وشوق بعض المعلومات الطريفة التي أحتفظ بها ... وما أزال أذكر أنني سألت سمو الأمير مولاي الحسن عندما كان، أثناء بعض المحطات، يعبر الجو من كورسيكا إلى مدغشقر حيث عرض عليه بائع في المطار أن يشتري منه قردا كان يلعب به ... فأجابه الأمير بأنه ترك قردا أكبر من هذا في المغرب، يعني الصنيعة التي تركها الاستعمار في الرباط 

المهم من كل هذا التقديم أنني أشعر، وما أزال، بفراغ هائل فيما يتصل بأمر ذلك المقام الذي تميز في صدر ما تميز به بمولد الأميرة الجليلة للا أمينة الذي سبق أن أشرنا إليه ... ذلك المولد الذي اقترن لوحده بلمسات طريفة ما كان أحوجنا إلى سماعها بما تخللها من احتفالات بالرغم من الظروف القاسية التي كانت العائلة الملكية تعيشها في الجزيرة

وقد أكبرت جدا مبادرة صاحبة السمو الملكي الأميرة للا أمينة عندما حركت السواكن وقامت بزيارة مسقط رأسها في مدغشقر بعد مرور أربعين سنة على الحدث التاريخي الكبير حيث رأيناها تتنقل من زاوية إلى زاوية ومن مكان إلى مكان، وسمعنا عن بعض الشهادات التي كانت بردا وسلاما على المواطنين

لقد وقفنا على عدد من الحقائق التي لم نكن نعرف عنها شيئا ... والتي من الممكن أن نقف عليها اليوم من خلال الأشرطة والرسوم والصور التي تتوفر عليها المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير

ومع كل هذا وذاك فإننا، كما قلت، نشعر بالحاجة الماسة إلى ما يمكن أن يقال عن تلك الأيام سواء مما كان يجري هناك، ومما جرى خارج الجزيرة، مثلا في المحطات التي كانت الطائرة ترسو فيها للتزود بالوقود، أو في ما كان يجري هنا بالمغرب من ردود فعل للوطنيين والمناضلين أو فيما كانت الصحافة وأجهزة الإعلام تكتبه بين الفينة والأخرى، نحن بحاجة إلى موسوعة كاملة عن فترة المنفى، وفي حاجة ماسة إلى دراسة دولية لما ترتب عن ذلك الحدث

بالنسبة إلي كوطني عشت مع السلطان سيدي محمد بن يوسف كما كنا نسميه، أذكر أنني التقيته عددا من المرات كان أولها بفاس يوم عاشر أبريل 1940 وأنا ما أزال طالبا بثانوية القرويين ... كنت على صلة قوية بوطنية الرجل وأفكاره ومبادئه

وما تزال كلمة "الكيان" ترن في أذني عند استقباله لنا بالدار البيضاء يوم 12 غشت 1953، أي قبل أسبوع من نفيه، لقد كان يردد اهتمامه بالكيان المغربي المعرض للخطر

أذكر أن المحطة الإذاعية الوحيدة التي كانت تردد الحديث أحيانا عن العاهل باللغة الفرنسية، هي طنجة 

وما نسيت ذات يوم سمعت فيه أن الملك يشكو من البرد وهو في زونزاكورسيكا ... كان يطلب التدفئة .! كان الخبر بالنسبة إلينا كارثة، ولو كنا نملك أصواف الدنيا وأوبارها لكسوناه بها حتى لا يشعر بالبرد

ولا أخفيكم أنني أمسيت شاعرا بالرغم مني ... كنت أعتصر الكلمات حتى أبوح بما كنت أريد البوح به

كانت أخبار (زونزا) تحرقنا بالفعل. لقد خطفت منا قلبا ما كان أعزه عندنا ... وأخذنا نسمع عن شائعات بين الفينة والأخرى تذكر أنه عائد لنا، لا سيما بعد أن اشتعلت الثورة المسلحة بالمغرب، وبعد أن تكرر الهجوم على صنائع الاستعمار هنا وهناك، لم يطق المغاربة الصبر عما فقدوه فكنا نتوسل إلى (زونزا) أن ترد لنا ما أخذته منا

إن المغاربة لم يقطعوا أملهم في عودة ساكني زونزا وساكن الفندق الذي كان يحمل اسم "أروية الذهب

إلى متى أنت يا زونزا تلظينا

سلبت قلبا، وما قلب سلبت لنا

صبرنا عنه فما أغنى تحملنا

زونزا ! سلام على "أروية" ملكت

فإن ذكرك في الأرجاء يكوينا

ورحت بالحلم والآمال تلهينا

فعمرك الله، ردي ما أنت تسبينا

 منا القلوب فليس البعد يثنينا 

وأمام اشتداد الثورة وتعدد الضربات الموجهة، أخد الاستعمار يخاف من إمكانية فرار الملك، لا سيما وفرنسا ما تزال تشعر بالغضة من فرار البطل المغربي الكبير محمد بن عبد الكريم الخطابي قبل بضع سنوات 

إن الأحرار في العوالم الأخرى كانوا يرون في إزاحة الملك عن عرشه بالرغم من رغبة شعبه ... يرون في ذلك عملا متهورا جديرا بالمقاومة 

وتفتقت عبقرية الاستعمار عن فكرة ترمي لإقصاء العاهل أكثر، على ما سمعنا، لا سيما وقد كثرت احتجاجاته من قلة الوسائل التي تضمن له ولأسرته العيش الكريم، وقد توقع المتشبعون بالروح الاستعمارية حياة قاسية لمحمد بن يوسف عندما يجد نفسه بهذه الجزيرة النائية، مرغما على العيش بين قوم لا يشبهون أهله في سحنتهم، ولا في عاداتهم وتقاليدهم ولباسهم وطعامهم، لا تصلهم أخبار العالم إلا بعدما تبلى، ولا يسمعون من مذياعه إلا ما يراد لهم أن يسمعوه. وهم يعيشون إلى جانب ذلك كله في خوف يتجدد في نفوسهم، وترتعد له فرائصهم، كما تذكروا ما كان يمر بهم من بطش ونكال على يد مستعمريهم 

ولشد ما كانت دهشة هؤلاء حينما بلغهم أن الرجل قد استعاض عن مسجد أهل فاس الذي نعرفه بالقصر الملكي في الرباط، استعاض عنه بمسجد انتسيرابي في مدغشقر! المصحف هنا وهناك، القبلة هنا وهناك، إن رسالته الإنسانية التي حيل بينه وبين أدائها بالمغرب، أخذ يبثها بين من اجتمعوا حوله في ذلك المسجد، كان يبشر بها عن طريقهم في الجزيرة كلها فيعيد إلى نفوس أهلها الاطمئنان، وإلى قلوبهم الإيمان بقوة تعلو على ما عرفه الأقوياء

هناك وفي مدغشقر عميت علينا أنباؤه ... إلا عندما سمعنا عن الحدث السعيد : مولد الأميرة للا أمينة، أصبح المغاربة يسمون بها بناتهم في كل جهات المغرب، وكانت هذه المبادرة من المغاربة غير مقبولة من الدائرة التي تسجل أسماء الولادات الجديدة

فماذا عن "المنفى" ؟ وماذا عن الحكايات المطرفة التي سمعناها أو علمناها فيما بعد مما يصلنا عن طريق الرواية والحكاية

سأكتفي هنا بحكايتين واقعيتين اثنتين مما حدث أثناء هذا المنفى 

الحكاية الأولى : وكانت في بداية بالمنفى عندما تناهت إلى العاهل أخبار وفاة والدته للا الياقوت رحمها الله يوم فاتح شتنبر1953 بعد أن كان يعيش مع أصداء خطاب علال الفاسي الصادر بالقاهرة

لقد وقع الاستعمار في حيص بيص وهو يسمع النبأ بفاس، كيف يتعامل مع الخبر؟ وهل من الضروري نشر الخبر ... وفتحوا التلفون على الطبيب سوكرى الذي كان يشرف على علاجها، وطلب إليهم أن يتصلوا بالباشا التازي باشا المدينة الذي أخبرهم بان نشر الخبر أكثر من ضروري، هو واجب، وينبغي أن يتم على الطريقة التقليدية في المغرب، أي أن يتجول البراح في أزقة المدينة لإخبار الناس بالحدث، وهنا سال المراقب المدني الفرنسي عن النص الذي يتلوه البراح عن الناس ملحين مصرين على أن يقتصر على ذكر اسم فقط، دون ذكر لولدها الملك المنفي، وهنا أخبرهم الباشا بأن ذكر المرحومة غير كاف في مثل هذه الأحوال، وجرت مفاوضات بهذا الشأن تأخر معها موعد دفن السيدة ..! إلى أن رضخوا إلى اقتراح الباشا الذي كان يعضده، في هذا، الطبيب الذي كان حاضرا هذه الجلسة، وكان الاقتراح يتلخص في نعث السيدة المتوفاة بأنها زوجة السلطان مولاى يوسف ابن الحسن رحمه الله 

وقد عرف المواطنون حينئذ القصد، وتهافتوا على حضور الجنازة بكثافة غير مسبوقة لاحظها رجال الاستعمار أنفسهم، وقامت مجلة (باري ماطش) بنشر صورة لموكب الجنازة يتقدمه الباشا التازي، وهي الصورة التي بقيت منقوشة في ذاكرة السلطان ابن يوسف إلى أن عاد في منفاه والباشا التازي واستقبل الدكتور سوكرى، وكلاهما أكد لي هذه الحكاية الطريفة 

الحكاية الثانية 

ظل أحد الفضلاء من المواطنين – بالرغم من بعد المنفى – يراسل السلطان في منفاه، وكان البريد الأجنبي يصل إلى العاهل، فيقرأه، أحيانا لا يجد فيه جديدا وأحيانا يجد فيه أقصوصة أو أسطورة يتندر بها 

 وذات يوم كتب هذا السيد الفاضل إلى العاهل يخبره بأنه رأى بالمنام رؤيا مضمونها أن أهل تطوان يستعدون لاحتفال كبير، وأنهم قاموا بتبييض بيوتهم وصقل طناجيرهم وكسوة صغارهم، وهم في الشغل فاكهون

وبما أنه أي هذا الرجل الفاضل كان مفتوحا عليه في تأويل الأحلام فإنه يفسر هذه المنامة بأن الله سينصر الملك وبأن مطالبه ستنفذ بكاملها، ويعود إلى المغرب حيث نجري له احتفالات يفرح بها الكبير والصغير

 وقد قرأ العاهل هذه الرسالة على عادته وأطلع عليها بعض خاصته، وبعد بضعة أيام ... تغيرت دواليب الأمور ... ووصل الكولونيل تويا إلى مقام الملك حيث أبلغه الطلب بالاستعداد للعودة إلى بلاده 

وباختصار شديد لما وصل الملك إلى تطوان سأل سمو الأمير مولاي الحسن بن المهدي عن شخص مجذوب اسمه كذا ... إن هذا السيد كان معروفا بتجوله في أزقة المدينة صباح مساء ولما دخل على العاهل قال له بلهجة أهل الشمال قلت لك !! وردد الآية : جعلها ربي حقا 

ولما سأله العاهل عن ذريته اكتشف أنه غير متزوج فاقترح العاهل تزويجه في ذلك المساء، الأمر الذي تم بالرغم من تمنعاته واعتذاراته 

وقد طلب إليه الملك أن يأتيه صباح اليوم الموالي ليتناول معه القهوة ... وحضر السيد في الوقت المحدد ... وسأله العاهل عن شعوره، وكيف يجد نفسه بعد الزواج ؟ ولشد ما كان استغراب الملك وهو يسمع هذا "المجذوب" يقول : إنه طلق زوجته قبل أن يأتي.!! فسأله الملك لماذا ؟ فأجابه : لما كنت خارجا سألتني إلى أين أنت ذاهب ؟ومتى أنت راجع؟ وماذا ستتغذى اليوم؟ وبما أنني لم أعتد مثل هذه الأسئلة التي تحد من نشاطي وتثقل ظهري ... فضلت أن أسرحها وأعيش حرا بعيدا عن القيل والقال وكثرة السؤال 





 
     
  الدولة الإسلامية والآخر  
 


يفتتح جلالة الملك عبد الله الثاني في عمان (المملكة الأردنية الهاشمية) المؤتمر الدولي السادس عشر لمؤسسة آل البيت الملكية للفكر الإسلامي، في الفترة ما بين 19-21 غشت 2013.

موضوع المؤتمر دراسة مشروع دولة إسلامية حديثة قابلة للاستمرار ومستدامة...
وهذا ملخص تعليق د. عبد الهادي التازي عضو المؤسسة وعضو أكاديمية المملكة المغربية منذ 1980 من القرن الماضي.

 أرى من واجبي، بادئ ذي بدء أن أنوه عاليا بالحس الاستباقي  لمؤسسة آل البيت التي فكرت في إثارة مثل هذه الموضوعات لا سيما في هذه الظروف التي نعيش فيها، مشرقا ومغربا،نعيش هذه المشاريع التي تتعرض لامتحانات عسيرة، وتداعيات خطيرة تقتضي منا مثل هذه الوقفات...
 دنيا من العناوين والتعبيرات التي أخذنا نقرأها ونسمعها بمختلف اللغات والألسن، أخذنا نسمع عن الديموقراطية وماذا تعني... وأخذنا نسمع عن الدساتير سواء منها المكتوبة أو الغير المكتوبة... أخذنا نسمع عن تجاريب الأمم السابقة وعن النماذج الحية لبعض الدول التي نعيش محاولاتها...
 أخذت الحكومات التي ظهرت هنا وهناك تشعر بأنها أمام مشاكل من كل نوع وشكل، أخذت تشعر بضرورة الالتفات إلى الآخر على نحو ما تنصت إلى ردود الفعل التي نتجت عن بعض القرارات التي اتخذتها.
قرأنا أن وجود الدولة رهين بالتفكير في الذين أسهموا في التصويت إلى جانب استيعاب وضعية الآخرين... قرأنا عن ضرورة تكافؤ الفرص في اختيار الناس...
كل الاتجاهات أخذت تشعر بأن هناك حاجة ملحة إلى مدى الاهتمام بتقدير وضعية الآخرين وبالتالي بضرورة الشعور بالتبعة التي يتحملها الخليفة، بالمسؤولية... حتى لقد أخذت أميل إلى المشاركة في (الندوة) بصفتي مستمعا، لقد كنت أشعر بالحاجة إلى سماع رأي زملائي حول هذا الموضوع الشائك البائك! ومع هذا حاولت أن أتصفح بعض الأوراق طوال حكم الأمويين والعباسيين وما تفزع عن هؤلاء وأولئك من إمارات وممالك في مختلف جهات العالم الإسلامي بالأمس، كنا نشهد عن محاولات رائدة لإرضاء الغاضبين وإسكات المعارضين، عن طريق إشراكهم في الرأي...رأوا في ذلك ضمانة لتجنب الفتنة والفوضى... مفضلين هذا الطريق على الاستئثار بالقيادة! 
هناك آداب إسلامية من شأنها أن تثير انتباهنا ونحن نتحدث عن الانتباه للآخر، عن فكرة التشارك، أو التعايش، والتنازل بمصطلح ابن خلدون في مقدمته.
هناك آية في القرآن الكريم  تتحدث عن "الجار الجنب" و"الصاحب بالجنب" وكيف يجب أن لا ننسى ذلك الجار ونحن نعيش فترة القتار، أي الدخان الذي يعبق بيتنا من لحم يشوى أو طعام يطبخ... 
الآداب الإسلامية تقتضي منا إشراك الآخر متعة الظروف التي نعيشها...
 آية أخرى تتحدث عن حالة اقتسام الإرث بين ورثة لهم الحق وحدهم في ذلك الموروث، فرضا أو تعصيبا، يحضر الحالة آخرون  بعيدون عن الإرث والوارثين لم يكن لائقا  أن لا نفكر في أولئك الذين يسمعون عن السدس والربع والثلث.
 على نحو هذا أستحضر آية عظيمة وردت في آخر سورة الأنعام، آية مهمة تتحدث عن الدولة الإسلامية، إن لم أقل الدولة الكونية... كما تتحدث الآية عن شرائحها الاجتماعية من غني وفقير وعالم وجاهل، وسليم وعليل...
بعد حديث آية الأنعام عن العنصر الحاكم بما يشمله فضاء حكمه، تنبه الحاكم إلى ضرورة جس نبض الآخرين... هل أنهم مرتاحون من تصرفكم إزاءهم؟ لنقرأ الآية المتعلقة بالدولة الإسلامية: (وهو الذي جعلكم خلائف الأرض, ورفع بعضكم فوق بعض درجات، ليبلوكم فيما أتاكم)
عندي أن تعبير (ليبلوكم فيما أتاكم) يتناول العنصر الأكثر أهمية وفعالية في سبيل مشروع إنشاء الدولة الإسلامية الحديثة والمستدامة.
شعور الخلائف وهم يتمكنون من مقاليد الحكم، وشعورهم بالأطراف لأخرى،  بإشراك "المخالفين" في إدارة الحكم يكون عنصرا حاسما في استمرار الحكم واستتباب الأمن، وعندما أقول الأطراف الأخرى أقصد إلى التعهدات التي تربطنا بأقوام آخرين، من جهة أخرى أقصد إلى ما أصبح معروفا في مصطلحنا بالشرعية الدولية،  أي شيء نقصده بالشرعية الدولية؟
 كم يكون جميلا إذا ما فكر المسؤول الأول في أولئك الذين لم يتح لهم أن يصلوا إلى الكرسي لسبب أو آخر، إذا ما فكر فيهم الخليفة وتذكر أنهم محل اهتمام منه يرجع إليهم فيما هو من مداركهم واختصاصهم...
 كذلك فهمت قول التنزيل: ليبلوكم فيما أتاكم... أن تعرفوا كيف تتصرفون بعد بلواكم بوظيفة  خلائف تحكمون أرضا يسكنها قوم رفع بعضهم فوق بعض درجات!
 كان الحكام يتجنبون كلما كان ذلك ممكنا، يتجنبون بأن يثيروا حفيظة الآخر...ليبلوكم فيما أتاكم من وسلطة وحكم.
 اعرفوا كيف تتصرفون وقد صرتم خلائف الأرض... حذار أن يكون تصرفكم تصرف الحاكم الذي أمسى لا يرى من حواليه! لا يبصر الآخرين! 
 وخلاصة الكلام أن السيد الذي انتهى إليه الحكم في آخرالمطاف  عليه أن يفهم أن الأمر لم ينته عند هذا الحد!... ولكنه ما يزال يحتاج إلى تفكير آخر وهو الالتفات إلى الذين لم يصلوا!!  وهذا ما سماه القرآن بالبلوى وسمته المصطلحات الجديدة بالاشتراك في السلطة أو توسيع القاعدة السياسية... وإلا سنجد أنفسنا أمام الذين يستحضرون قول البحتري:
 دعوت على عمرو  فمات وسرني
     وعاشرت أقواما بكيت على عمرو!! 
أعود مرة أخرى إلى التنويه بالفكر الاستباقي لمؤسسة آل البيت الملكية للفكر الإسلامي  في فتح الحوار حول موضوع الدولة التي ننشدها
وأريد أن أختم تعليقي بأن أحدا من أي جهة كان لا يمكنه أن يفكر في إنشاء دولة إسلامية بالمواصفات المذكورة دون أن يجعل أمامه أن يفكر فيمن حواليه، في الآخر، لذلك نردد القول: أن التفكير في الآخرين هو الشرعية التي ينشدها الجميع



 
     
  1935-1957  
 


1- أخلاق الأنجاب في منتخبات الآداب.* مخطوط، غير منشور، 3 شعبان 1354/ 30 شتنبر 1935.
2- فوائد الصيام الدينية والصحية.* جريدة (الأمة) الجزائرية، 27 رمضان 1354 / 23 دجنبر 1935.= تجربة أولى، تلخيص لمقال نشر (بالفتح) المصرية وتعليق عليه.
 3- تطورات الزمان في حياة الإنسان.* مخطوط، 1 محرم 1355 / 4 مارس 1936.
4- الخمر وخطره العظيم.* جريدة (البصائر) الجزائرية/ 19 جمادى الأولى 1355 / 7 غشت 1936
5- السعادة هل تسكن القصور أو الأكواخ؟* جريدة (البصائر) الجزائرية، الحلقة الأولى، 22 ذو الحجة 1355 / 4 مارس 1937. الحلقة الثانية، 25 مارس 1938.
6- هذا بلاغ للناس ...* جريدة (الوحدة المغربية )، تطوان، المغرب، 17 مارس 1937.
7- لبيك يا شيخ.* جريدة (الوحدة المغربية)، تطوان، المغرب، 21 مارس 1937.
8- يا قوم أجيبوا داعي الله.* جريدة (الوحدة المغربية)، تطوان، المغرب، 31 مارس 1937.
9- وطني ...* جريدة (الوحدة الوطنية)، تطوان، المغرب، 17 ابريل 1937.
10- خصال العظماء. * جريدة (الوحدة الوطنية)، تطوان، المغرب، 18 أبريل 1937.
11- من هم عظماء الإنسانية ؟.* جريدة (الوحدة الوطنية)، تطوان، المغرب، 10 ماي 1937.= " أمسكت عن مراسلة الجريدة على إثر انشقاق كتلة العمل الوطني ".
12- الجمعية الرياضية الإسلامية.    * جريدة (المغرب)، السلاوية، المغرب، 21 شتنبر 1937.
13- تأبين الشيخ أبي شعيب الدكالي.* جريدة (الأمة)، الجزائرية، جمادى الثانية 1356 / شتنبر 1937.
14- العقل السليم في الجسم السليم.* جريدة (الأطلس)/ الرباط/ 8 شعبان 1356 / 14 أكتوبر 1937 
15- مسجد الأندلس والأحباس، أهذا صحيح ؟* جريدة (المغرب)، 12 شعبان 1356/18 أكتوبر1937.= بتوقيع " زي".
16- حول رفض الإذن للجمعية الرياضية الإسلامية.* جريدة (الزهراء) التونسية، 13 شوال 1356 / 17 دجنبر 1937.= "بتوقيع مستعار باسم أخي الصغير محمود عبد الكافي رحمه الله.
17- إخواننا المغاربة.* جريدة (الإرادة) التونسية، 14 شوال 1356 / 18 دجنبر 1937.= " سلسلة مقالات في أعقاب نفي الزعيم علال الفاسي وقمع الحركة الوطنية بتوقيع لجنة الرابطة الشعبية " منعت الجريدة من الدخول وتم اعتقال المؤلف.قرابة 6 مقالات كانت تبعث بالبريد البريطاني بالبطحاء بفاس.
18- صوت الوطنية المغربية : كشف الستار – استشهاد الفقيه القري.* جريدة (الإرادة)، تونس، 5 ذو القعدة 1356 / 7 يناير 1938.= بتوقيع : لجنة الرابطة الشعبية".
19- صوت الوطنية المغربية : إلى الخلود يا رجال التضحية – وأنت أيها التاريخ إشهد وسجل – ستكون أعجوبة.* جريدة (الإرادة)، تونس،  الخميس 18 ذو القعدة 1356 / 7 يناير 1938.= بتوقيع : لجنة الرابطة الشعبية".
20- صوت الوطنية المغربية في المغرب : لن نقبل الأوتوقراطية أبدا ولو نشرونا بالمنشار. فهل يسمع هذا الصوت ؟.  * جريدة (الإرادة)، تونس،  الخميس 25 ذو القعدة 1356 /  27 يناير 1938.= منع دخول الجريدة إلى المغرب ( راجع رقم 18 أعلاه).
21- لكي تتم فائدة التمرين الرياضي.* الملحق الثقافي لجريدة (المغرب) السلاوية، ربيع الأول 1357 / مايو 1938
22- ألف تسلية وتسلية.* الملحق الثقافي لجريدة (المغرب) السلاوية، الحلقة الأولى : 5 ماي 1938، الثانية : 26 ماي 1938، الثالثة : 2 يونيو 1938، الرابعة : 9 يونيه 1938، الخامسة : 16 يونيه 1938، السادسة : 23 يونيه 1938، السابعة : 9 يوليوز 1938، الثامنة : 21 يوليوز 1938، التاسعة : 1 شتنبر 1938، العاشرة : 15 شتنبر 1938 ... وقد بلغت 54 حلقة.= بتقديم أخي محمود عبد الكافي وتوقيع : المشغول".
23- المدني ابن الحسني في مجالس العلم بالرباط.* جريدة (السعادة) 19 ربيع الأول 1357 / 19 ماي 1938.
24-  لغز برد.* جريدة (السعادة)، 14 يناير 1939.= " بتوقيع أخي عبد الكافي".
25- دمعة في الغاز.* مخطوطة بتاريخ محرم 1361 / يناير 1942.= " ألقيت في ذكرى الهجرة بالمدرسة الإسلامية بفاس بزقاق البغل ومديرها أنذاك الفقيه أحمد الراجي ".
26- كلمة تأبين الشيخ عبد الواحد الفاسي [ والد الزعيم علال الفاسي المنفي أنذاك]. * ألقيت صباح الخميس 23 يوليوز 1942 خامس رجب 1361، ولم تنشر ويحتفظ بنصها في المذكرات ...= وهو اليوم الذي يصادف ثالث أيام الوفاة التي كانت يوم الإثنين 20 يوليوز وألقيت بروضة الفاسيين خارج باب الفتوح".
27- دراسات في التوقيت والتعديل : مطاع الأهلية – الخسوف والكسوف – حصص رمضان التقويم السنوي.* إمساكيات : رمضان 1361 / 1942، رمضان 1362 / شتنبر 1943، هلال محرم1363 / دجنبر 1943، ثم بعد الخروج من السجن رمضان 1365 / يوليوز 1946.
رمضان 1366 / يوليوز 1947، رمضان 1367/ غشت 1948 رمضان  1378 / 1959. = " أعلن على ظهر إمساكية رمضان 1362 عن المؤلف المخطوط : لباب التوقيت في دروس عشر". تأليف جاهز للطبع.
28 عيد ثالث [ تعقيب على مقال لمحمد الفاسي مدير القرويين الجديد].* جريدة ( المغرب)، سلا، 25  جمادة الثانية 1326 / 29 يونيو 1943.
29- مذكرات 375 يوم! [ مذكرات سجن].* (مخطوط).= أعلن عنه على ظهر بعض الإمساكات بعد الخروج من السجن 1945 " .
30- الوصايا العشر.= تاريخ رمضان 1364 / شتنبر 1945، ألقيته بالإذاعة الوطنية بالرباط" .
31- الاعتراف بالجميل.* (العلم)، 19 شعبان 1966/ 8 يوليوز 1947 .= " كان من المفروض أن تلتقي بين يدي جلالة الملك محمد الخامس ردا على مطالبة الجنرال جوان( Juin) إلى : أن أعترف بجميل فرنسا التي وفرت للشبان المغاربة ظروفا مناسبة للدراسة!!".
32- على الشاشة [ عرض لفيلم " هذا جناه أبي " اشترك فيه يوسف وهبي وزكي رستم وصباح] .* جريدة (العلم) 11 رمضان 1366 / 29 يوليوز 1947.
33- غداة الوصول [ افتتاحية] .* (العلم) 11 محرم 1366 / 5 دجنبر 1947.
34 رسائلها ووسائله.* مخطوط.= " 1947- 1984 مجموعة خاصة عندي في ملف!".
35- أيها المسلم المؤمن ...* 30 حلقة في (العلم)، في 2 يناير 1948 إلى 22 يناير 1950.= "بدعوة من لجنة الإرشاد". نشرت مجموعة من كتاب تحت عنوان: " في ظلال العقيدة " . نشر جمعية التضامن الإسلامي، دار الثقافة – البيضاء، 1397 – 1977.
36- الفرقدين.* مذكرات خاصة تتحدث عن الخطبة وظروفها ...= " أعلن عنه في إمساكية رمضان 1376 / يوليوز 1948.
(مخطوط).
37- مقالات في زاوية " أسرة النور" .* جريدة (العلم)، 9 يناير 1948، 1 فبراير 1948، 20 فبراير 1948.= " هي توقيع مستعار : الفتاة 111، وبعضها يحمل عنوان : الاستقامة أساس النجاح ... وجمال الفتاة ".
 39 لكن من المسؤول ؟* جريدة (العلم)، 5 شتنبر 1948.= بتوقيع : أبو السعد "
38 إنك لا تجني من الشوك العنب.(تعرضت للمحاكمة والغرامة)* جريدة (العلم) ، 11 شتنبر 1948.= "مقال بمناسبة عيدها الثاني، وهي تحمل صورتي بالجلابة والسلهام".( راجع : (541).
39- هل أنت معي ؟* جريدة (العلم)، 4 مارس 1949.= " اقتراح نقل الدراسة من مسجد القرويين إلى متحف البطحاء، دار السلاح، وفيه التركيز على المثل العربي : بطني وعطري وسائري ذري".
40- وقعة وادي المخازن.* دجلة (رسالة المغرب)، الرباط، العدد 6 – السلسلة الجديدة، 28 مارس 1949[ حذفت الرقابة آخره]، (دعوة الحق)، غشت 1978[ منشور دون رقابة] .
41- مفكرة القابس من تاريخ دولة محمد الخامس.* مخطوط (جميلة) نتيجة أساتذتي لمادة التاريخ بالقرويين.= "عام 1949".
42- وقعة الزلاقة.* (رسالة المغرب)، الرباط، 20 مارس 1950(حذفتها الرقابة).
43- أداب لامية العرب.* المطبعة الوطنية، الراباط، 1953.
43 Oulema de fès ont quitté Casablanca
pour prendre à Saint Germain – en Laye ( déclaration de A.T.) * (Maroc – Presse); 7 novembre 1955.
  44- كيف تضرب على الآلة الكاتبة [ بالإشتراك مع أندريه بويو، فاس 1375 / 1955].* مرموق . 
45- حقائق عن الشمال الإفريقي (العلم) ابتداءا من 11/12/1956.
46- السيارة والدراجة (على هامش التقشف).* جريدة (العلم)، 6 يناير 1957. بتوقيع ذو السيارة.
47- من أبطال الكفاح الوطني الشهيد السلاوي.* جريدة (العلم)، 7 يناير 1957.
48- حول أزمة التعليم بجامعة القرويين وإضراب الطلبة.[استجواب].* جريدة (العلم)، 18 يناير 1957.= "يحمل صورة المستجوب".
49- أيام فاس الدامية جريدة العلم 31/3/1957.
50- إنقاذ مسجد دار الدبيبغ و[  التعليق على القصر التاريخي للسلطان مولاي عبد الله.* (العلم)، 15 ماي 1957.
51- حاجة الدعاة إلى مقومات.* مجلة (دعوة الحق)، يوليوز 1957.
52- وادي المخازن – عندما يتحدث الإفرنج عن انتصارنا -.* (العلم)، 4 يوليوز 1957.
53 – العطش في إيموازار.*  (العلم)، 28 غشت 1957.= "بتوقيع غفل"
54- التعليم بالقرويين.= مشاركتي في مؤتمر تيومليلين للثقافة الإسلامية والمسيحية]، هذا اللقاء الثاني وكانت العادة أنه يعقد في كل سنة قبل الاستقلال واستمر الأمر على خط مجاملة !! حيث تحدث عن التعليم [ القوييين ودور المدارس الحرة في ازدهاره]، وقد استقبلنا من طرف جلالة الملك بتاريخ 29 غشت 1957".
55- ألإفريقي الذي صحح الأوضاع : محمد الخامس.*( جريدة (العلم)، 18 نونبر 1957. = " وقد انتقل المؤلف من فاس على الرباط.
56- شارع المنصور الذهبي بفاس.* ( العلم)، 23 نونبر 1957.
57- |أقدم ساعة مائية في العلم. * جريدة (العلم)، 27 يناير 1958 و 28 يناير 1958.= مقال بمناسبة انعقاد مؤتر اليونيسكو الإقليمي.






 
     

مزيد من المعلومات
الإسم

اللقب
اتركوا رسالتكم هنا
البريد الإلكتروني
الهاتف
يرجى إدخال الرموز كما تظهر في الصورة أدناه *