الشهادات


  كلمة الدكتور أحمد مختار العبادي: الدكتور عبد الهادي التازي النهر الخالد  
 


كم كنت أود مخلصا أن أكون معكم بشخصي في هذاالاحتفال الكبير لتكريم عالم الأجيال وصديق العمر الأستاذ الدكتور عبد الهادى التازى صاحب الوجه البشوش والابتسامة المشرقة. ولكن ظروفا صحية حالت دون حضوري مع الأسف الشديد. وعزائي في هذا الاعتذار أن ينوب عني ويعبر عن امتناني وشكري ولدي الدكتور حسام أحمد مختار العبادي الذى سبق له زيارة المغرب أكثر من مرة أثناء دراسته فى إسبانيا.
أما عن صداقتي بالدكتور التازي فترجع إلى سنة 1378 -1959 أي منذ نصف قرن حينما جئت إلى المغرب الشقيق أستاذا معارا من كلية الآداب جامعة الإسكندرية إلى كلية الآداب جامعة محمد الخامس بالرباط [قبل الاستقلال كانت تسمى معهدا للدراسات المغربية] ولهذا قيل إنني كنت أول أستاذ عربي ﺑﻬا.وكان الأستاذ عبد الهادي التازي فى ذلك الوقت مشرفا على القسم الثقافي بوزارة التربية الوطنية، وكان حاصلا على شهادة العالمية بتفوق من جامعة القرويين بفاس سنة 1947 وعلى شهادات متعددة في الثقافة واللغات الأوربية الحديثة فجمع بذلك بين أصالة اللغة والدين وبين مناهج البحث العلمي واللغات الأوربية العصرية، ثم حدث بعد ذلك بعام تقريبا (سنة1379 ه/ 1960م أن احتفلت المملكة المغربية بالذكرى المائة بعد الألف لجامعة القرويين بمدينة فاس في عهد المغفور له الملك محمد الخامس طيب الله ثراه. وكان احتفالا عالميا رائعا ومهرجانا عظيما بأقدس تراث علمي في المغرب بمدينة فاس،حضره كبار الشخصيات ورؤساء الجامعات ورجال الفكر من شتى أنحاء العالم. وقد دامت هذه الزيارة الحافلة عدة أيام في فاس وغيرها من المدن المغربية العريقة. وكان الدكتور التازي بحكم إشرافه في إدارة الشئون الثقافية وراء نجاح هذا التنظيم الحافل للمهرجان والإشادة به في كل مكان، وقد أصدر سيادته –بوصفه الكاتب العام للمهرجان – كتابا خاصا له عرف باسم الكتاب الذهبي لجامعة القرويين في ذكراها المائة بعد الألف 245 /1960م) جمع كل ما قيل من أخبار - 1373/859 ومحاضراته وصور توضيحية جميلة. كما قدم له بمقدمة حافلة عن المهرجان بعنوان (أيام الذكرى) كما ساهم أيضا ببحث عن تحديد تاريخ وسنة بناء القرويين ( 245 أو 263 أو 306 ه) هذا،وقد ساهمت أنا أيضا، بحكم عضويتي في المهرجان ببحث عن العلاقات الثقافية بين غرناطة وفاس في القرن الثامن الهجري 14م، وكان نجاح مهرجان القرويين، نقلة هامة للدكتور التازي ليحصل بعدها على أول دبلوم للدرسات العليا فى التاريخ من كلية الآداب جامعة الرباط بدرجة ممتازة سنة 1963 م وهى تعادل درجة الماجستر فى الجامعات المصرية وكان لي شرف الإشراف عليها. ولا يتسع الوقت لذكر التفاصيل ولكنني أقتصر على ملاحظة واحدة فى هذا الصدد تدل على دقة الدكتور التازي وأمانته العلمية فى أبحاثه. ذلك أن موضوع الرسالة كان يقوم على دراسة وتحقيق ونشر مخطوط فى تاريخ الموحدين، عنوانه طويل نقتصر على بدايته وهو  (تاريخ المن بالإمامة على المستضعفين) تأليف ابن صاحب الصلاة .اعتمد التازي على صورة لهذا المخطوط فى الخزانة العامة بالرباط ثم لاحظ أن في بعض الورقات خروم  وثقوب أحدثت لبسا والتباسا عند التصوير في الأوراق التي تليها مما سبب صعوبة للقارىء فى فهمها. فما كان منه إلا أن سافر على نفقته الخاصة إلى مكتبة البودليانا بأكسفورد فى أنجلترا للاطلاع على المخطوطة الأصلية الوحيدة للكتاب وبذلك تفادى أخطاء الأشرطة المصورة وأخرج لنا على أكمل وجه كتاب المن بالإمامة لابن صاحب الصلاة، والذى يمتاز بقيمة تاريخية كبيرة فى تاريخ وحضارة الموحدين، كما كان مرجعا هاما للمؤرخين المتقدمين والمتأخرين أمثال ابن القطان، وابن عذارى وابن الأبار وابن الخطيب وابن خلدون والمقرى وغيرهم.
على أن المهم هنا هو أن هذه الرسالة التى تعادل درجة الماجستير فى مصر مهدت له الطريق للحصول على درجة الدكتوراه من كلية الآداب جامعة الإسكندرية بمصر وكان موضوعها "جامع القرويين، المسجد والجامعة بمدينة فاس، موسوعة لتاريخها المعماري والفكري". وكان المشرف على الرسالة في البداية أستاذنا المرحوم الدكتور جمال الدين الشيال عميد الكلية، ثم انتقل الإشراف إلي بعد وفاته رحمه الله وﺑﻬذه الرسالة القيمة نال التازي درجة دكتوراه الدولة فى الآداب بمرتبة الشرف الأولى سنة1971م وطبعت الرسالة فى دار الكتاب اللبناني في ثلاثة أجزاء، ولقد شرفت بكتابة كلمة التقديم التى قلت فيها باختصار:
بالأمس كان المعاصرون للوزير والمؤرخ الغرناطي لسان الدين ابن الخطيب ينعتونه بلقب "ذو العمرين" لأنه كان يخصص النهار لأداء مهام وظيفته بينما يتفرغ فى الليل للقراءة والتأليف. وقد وجدنا أن هذا الوصف ينطبق اليوم على صديقنا السفير الدكتور الأستاذ عبد الهادي التازي الذي عرف كيف يجمع بين مهمته كسفير ناجح وبين هوايته كعالم ومؤرخ كبير، وهذا كتابه في تاريخ جامع القرويين يعطينا صورة صادقة للحياة العلمية والاجتماعية والحضارية في مدينة فاس بوجه خاص وفي المغرب العربي بوجه عام. وقد حرص المؤلف على إظهار ما تبقى من هذه المظاهر الحضارية القديمة في عصرنا الحديث فربط الماضي بالحاضر وقدم لنا عملا متكاملا لهذه المؤسسة الجامعية العلمية التى كانت ولا تزال مركز إشعاع علمي وديني وسياسي في بلاد الغرب الإسلامي.
والواقع أن هناك أكثر من حافز دفعني على التقديم لهذا الكتاب، فهناك حافز الحب العميق الذى أكنه للمغرب وتاريخه وحضارته، وهناك حافز الأخوة الصادقة التي تربطني بمؤلف الكتاب منذ زمن بعيد، ثم هناك حافز الإيمان بقيمة هذا الكتاب الذي جمع بين العمق والأصالة والشمول فجاء فريدا في بابه، ولا أعتقد أن أحدا أقدم على مثل هذه المحاولة الجريئة من قبل.
والواقع أن موضوعا مثل هذه الموضوعات الحضارية المتشعبة يتطلب من مؤلفه الكثير من الجهد والقراءة المتصلة لاستخراج كل ما يتصل به من معلومات. وقد أعان الله مؤلف هذا الكتاب فاستطاع أن يطلع على جميع المصادر الأصلية التي تفيده في بحثه. وإلى جانب المراجع المعاصرة والمخطوطات النادرة، اعتمد أيضا على مدونات النوازل الفقهيه والجوالات وحوالات الأحباس الأوقاف وكتب الرحلات، والتاريخ والمعاجم إلى جانب الآثار والعملات القديمة والنقوش المدونة على جدران هذا المسجد ومرافقه، وﺑﻬذا العمل الشاق تمكن الدكتور التازي من إخراج أول دراسة علمية مستفيضة عن هذه الجامعة التي تعد من أقدم جامعات العالم. وهكذا نرى أن الدكتور عبد الهادي التازي كان ولايزال والحمد لله من ذوي العقول الموسوعية العالمية المرموقة والمواهب المتعددة.
فإلى جانب موسوعة جامع القرويين، قدم لنا التاريخ الدبلوماسي للمغرب فى عشرة مجلدات ( مطبعة فضالة 1986،كما قدم لنا موسوعة الرحالة المغربى ابن بطوطة المسماة:"تحفة النظار فى غرائب الأمصار وعجائب الأسفار" في (خمسة أجزاء (مطبوعات أكاديمية اللملكة المغربية سنة 1417 ه /1997 م، هذا إلى جانب مقالاته وأبحاثه العلمية التى لا تنتهي وتعد بالمئات!
وقد سجل بعض أسمائها الأستاذ عبد الفتاح الزين في كتاب بعنوان: دراسة فى حياة ومؤلفات الأستاذ عبد الهادي التازي المعهد الجامعى للبحث العلمى سنة 1991 م. ثم هناك عضوية عبد الهادي التازي في مجامع اللغة العربية في مصر والأردن والعراق إلى جانب الأوسمة والنياشين والميداليات والقلادات المختلفة التى نالها من مختلف الدول العربية والأوربية والتي لشدة تواضعه لم أسمعه يتحدث عنها أو عن غيرها من وسائل التقدير والتكريم أو بمدح نفسه بكلمة واحدة عنها، وهذا يذكرنا بالوزير الغرناطى ابن الخطيب حينما ذم وهجا أحد أصحابه لأنه مدح نفسه فقال عنه " هذا الشيخ حمد الله وأثنى على نفسه" !!وبعد، فهذه كلمات قليلة بالنسبة لمآثر التازي هذا النهر العذب الخالد ولكنها لمسة حب ووفاء لرمز الحب والوفاء الدكتور عبد الهادي التازي.