

| كلمة الأستاذ عباس الجراري: الدكتور عبد الهادي التازي....كما أعرفه | ||
حين طلب مني أن أشارك في هذا الحفل الكبير غمرني شعور بالبهج والحبور، لما ينم عنه التكريم في حد ذاته من وفاء وعرفان، وتقدير لجهود أبناء الوطن العاملين في جميع الواجهات من أجل رقي هذا الوطن وتقدمه. وقد زاد عندي هذا الشعور البهيج، والحفل يتعلق بالأخ الكريم الأستاذ الدكتور عبدالهادي التازي، الذي لا تخفى مكانته الطليعية بين أقرانه من العلماء والباحثين والأكاديميين المرموقين، ليس على مستوى المغرب فحسب، ولكن على صعيد العالم العربي والإسلامي والدولي كذلك. إلا أني حين عزمت على المشاركة وتقديم شهادة في حق المكرم الفاضل،أحسست ببعض التردد والحيرة. أما التردد فبسبب اتساع موقعه الجامع في رحابه بين النبوغ المبكر الذي ظهر به وسط نظرائه من طلبة القرويين وشباب فاس المتنور، وبين مواقفه الوطنية الرائدة، وإنجازاته العلمية العديدة، وكذا المسؤوليات السامية التي تحمل أعباءها بكفاية فائقة وخبرة كبيرة، في مختلف اﻟﻤﺠالات التعليمية والثقافية والسياسية على مدى أزيد من نصف قرن، ومازال ينهض ﺑﻬا في إقبال على الحياة بتفاؤل واستبشار،وبنشاط دائب وروح شباب دائم لا يشيخ.وأما الحيرة فناتجة عن هذا الاتساع الذي تجليه رحابة فكرية أجد معها صعوبة في الوقوف عند بعض جوانبها، وهي كلها لخصبها وغناها تغري، ليس بمجرد الحديث عنها، ولكن لإفاضة القول فيها بما هي جديرة به، وكذا بما هو جدير به من إشادة وتنويه.ولعلي أمام هذا الشعور المتردد الحائر، أن أكتفي باستحضار بعض ما يصلني بالصديق العزيز ويشدني إليه، في علاقة وطيدة منذ تسنى لي في أواخر سنوات الأربعين وأوائل الخمسين من القرن الماضي، أن أراه لأول مرة في الرباط، ولا سيما في مجلس والدي رحمه الله، حين زاره لإهدائه بواكير إنتاجه المتمثلة على ما أظن، في "تفسير سورة النور" و"شرح لامية العرب". وكان يرافقه في هذه الزيارة الوجيهان المرحومان عبد اللطيف التازي وعبد الله ملين. ثم رأيته بعد ذلك في مجلس العلامة سيدي المدني ابن الحسيني تغمده الله بواسع رحمته، وكان السيد الوالد يأخذني معه في مثل هذه الزيارات، وأنا يومئذ تلميذ المرحلة الابتدائية والإعدادية. والحقيقة أني منذ هذه اللقاءات ارتسمت في ذهني صورة الشاب التازي القادم من فاس، يحمل شهادة العالمية من جامعة القرويين التي أصبح مدرسا ﺑﻬا، والمتطلع بحماس نادر إلى الاستزادة المعرفية وتمتين الأواصر مع الشخصيات العلمية والوطنية البارزة في تلك المرحلة، وخاصة في الرباط حيث كانت له لحمة أسرية بآل التازي وملين، جعلته يكثر الزيارات ويطيل المقام، مما أتاح له اكتساب صداقات رباطيه كان دائم الإعراب عن اعتزازه ﺑﻬا. وقد كانت الرغبة في مثل هذه الاستزادة المعرفية مقرونة عنده- وما تزال- برفقة القلم والقراطيس وتقييد الفوائد والفرائد. ولست أشك في أن هذه الرغبة كانت حافزه إلى إتمام دراساته العليا في جامعة محمد الخامس بالرباط، ثم جامعة الإسكندرية في مصر الشقيقة. ولا أخفي كم كنت أعجب به وبأحاديثه ومروياته وما يحكيه من نوادر وطرائف، بأسلوب تزيد في جاذبيته بشاشته وابتسامته ووداعته. ثم توالت لقاءاتنا الثقافية في رحاب جامعة محمد الخامس، حين التحقت ﺑﻬيئة التدريس فيها، وكان هو يدير المعهد الجامعي للبحث العلمي. وقد كثرت هذه اللقاءات بعد ذلك في أكاديمية المملكة المغربية، وغيرها من المؤسسات العلمية، كمجمع اللغة العربية بالقاهرة، ومؤسسة آل البيت في المملكة الأردنية الهاشمية.وكانت كلها تتيح لي شخصيا فرصا لمزيد من الاستمتاع بصحبته في مرافقته وموافقته، وخاصة في المنتديات الخارجية التي كنا نحضرها، وما تستدعي من أسفار وتنقلات هي وحدها كانت كفيلة بالكشف عن عمق الصداقة التي تجمعنا، والتي يوطد أواصرها ﺑﻬدوء طبعه وصفاء سريرته وحسن طويته، وكريم شيمه التي منها وفاء صادق وإخلاص خالص، ورغبة تلقائية في التواصل مع الآخرين بتواضع يزين لطيف معشره وسماحة فكره. وكانت هذه الصداقة تتقوى عبر ما كنا نناقش من قضايا وطنية ومشكلات فكرية ومسائل لغوية، وما كنا نتبادله ونتهاداه من منشورات علمية، كان له فيها القدح المعلى وقصب السبق. وإذا كان اﻟﻤﺠال لا يتسع للحديث عنها كلها، فلا أقل من الإشارة إلى بعض منها، ولا سيما إصداراته الرائدة التي أغنت البحث التاريخي بجميع فروعه – تأليفا وتحقيقا – والتي يناهز عددها الأربعين، كتحقيقه الدقيق لكتاب "المن بالأمانة "لابن صاحب الصلاة، ودراسته المعمقة عن "جامع القرويين المسجد الجامعة بمدينة فاس"، دون إغفال "التاريخ الدبلوماسي المغربي" الذي هو بمجلداته العشرة موسوعة متفردة في بابه. | ||