

| كلمة السيد حسن أوريد: عبد الهادي التازي...هذا الماهد | ||
هل يمكن للعالم وكل صاحب معرفة أن يسمو ويتميز إن هو لم يرتبط بثقافة ما أو مرجعية فكرية أو قاعدة أخلاقية ؟ قد يكون صاحب معارف يحملها ودروس يزجيها وتقنيات يحذقها، ولكنه لن يسمو أو يتميز ... فالمرجعية الفكرية والقوام الثقافي هو ما يمنح العالم تميزه، بل هو ما يعطيه النفس، بل هو ما يجعله رسالة ﺗﻬون دوﻧﻬا الشدائد وتذلل من خلالها الصعاب ... وعبد الهادي التازي من طينة هؤلاء ... هو من الفرسان الأواخر لرعيل من الماهدين أصيبوا على حين غرة حينما حلت بساحتهم قوة حضارية فرضت عليهم هيمنتها العسكرية والسياسية والفكرية، بل سلبتهم حريتهم واستقلالهم ... وكيف تساير الخسف؟ قوة كانت فيما سلف ضاربة يضرب لها ألف حساب، فتحت الأندلس ونشرت الإسلام في أصقاع إفريقيا وأقامت حضارة لا تزال معالمها، أو بعض منها ماثلة للعيان... وتساءل عالم في قصيدة تنضح أسى هو المختار السوسي :
حتى متى شعبي يعبده الجهل * كأن لم يكن قطب السيادة من قبل... !
سرى هذا السؤال في النفوس سري النار في الهشيم، وانثنى أغلبهم إلى تلك القوة التي قارعوا ﺑﻬا الصعاب: الإسلام... ولكنهم أدركوا أن شيئا ما اعتمل في العالم، وأنه إن كان لزاما عليهم أن يعضوا بالنواجذ على الإسلام، فليس عليهم أن يديروا ظهورهم ما انتهت إليه التجربة الإنسانية من علوم ومعارف... أليس يدعو الإسلام إلى التقاط الحكمة أنى وجدت ؟
هؤلاء الماهدون هم الذين صنعوا الحركة الوطنية ... صنعوا قاربا لا يقل أهمية عن قوارب طارق بن زياد ... في صنيع طارق الماجد اقتحام، وفي صنيعهم صمود ... وكان نسخ هذا الدوح هو مرجعية فكرية وقاعدة ثقافية من هذا المعين أخذ الأستاذ عبد الهادي التازي ... ارتبط على غرار أبناء جيله، بمنظومة أخلاقية تنهل من الإسلام، ولم يكن الإسلام في وجدان هؤلاء ينفصل عن اللغة العربية، ولذلك سعوا إلى الحفاظ عليها، بل في تطويرها. وتأثروا بأساليب الشرق وأدركوا دور الصحافة في نشر الوعي، بل ودورها في بعث الحياة في اللغة العربية، التي أصاﺑﻬا الوهن والجحود، لا تنضح بالحياة ولا تحمل أسرار الكون ولا تعين على الدهر ... كانت الكتابة ﺑﻬا وبأسلوب عصري خال من المستنبطات البلاغية، التي كانت تسمى مجازا بالمحسنات، عملا نضاليا وامتشق الفتى عبد الهادي قلمه يصور ما في الحياة بأسلوب رقيق رشيق، ينط كما تنط الطيور، ولا يؤوده أن يقتحم قضايا اﻟﻤﺠتمع، ولا يزعجه أن يزاوج بين الجد والهزل ... وكان من الرواد الذين أدركوا أن اللغة وحدها لا تكفي، وأنه ينبغي أن تستند إلى معرفة أكاديمية ولذلك حضر عملا رصينا، نال عنه جائزة الدكتوراه عن جامعة القرويين، وما أدراك ما القرويين. أليست هي التي حمت بيضة الإسلام في الغرب الإسلامي ؟ أليست الصخرة التي تكسرت عليها حراب المعتدين ؟ وهل يمكن أن يفصل هذا الموضوع عما قام به أعلام من هؤلاء الماهدين فيما أكبوا على تواريخ مدﻧﻬم ومناطقهم، مثل صنع المختار السوسي في سوس العالمة، والفقيه داود في تاريخ تطوان، وأبو العباس التعارجي في تاريخه لمراكش، وأبو جندار في الاغتباط في تاريخ الرباط وهلم جرا...
كان صيت عبد الهادي التازي يسبقه، ولم يتح لي أن رأيته رأي العين إلا يوم الجمعة تاسع يوليه سنة 1978 وقد حل أستاذا لمادة الفكر الإسلامي بالمدرسة المولوية ... كان يحمل شيئا فريدا عبر زاده الأكاديمي، وعبر قوامه الثقافي والفكري، كان يحمل تجربة ثرة في العمل الدبلوماسي، كان قد أتى توا من العراق حيث شغل منصب سفير هناك مرتين اثنتين تخللتهما سفارته في ليبيا... وكان أن زاوج في دروسه معرفته الأكاديمية مع تجربته الميدانية... وكانت كل الإحالات التي تحملها دروسه من أحمد أمين وسامي النشار فيما يخص الفرق الإسلامية والمذاهب والنحل لا تضاهي تجاربه للتدليل عن "تقية" الشيعة... وكان ذلك يثير لدينا فضولا،
أو ليس من خصائص التربية الجيدة إثارة الفضول؟ وكان يحدث أن تندر على استنتاجاته حول الاتحاد السوفيتي، وعن بؤسها الروحي، وعن ماديتها ... كان بعضنا يرى في تلك الاستنتاجات ضحالة معرفية وغبن رؤية وتأثير تربية بورجوازية ... كذا... كنا أبناء عصرنا، وكان عبد الهادي التازي يصدر في حكمه عن عمق تاريخي وحدس حضاري. ولذلك حينما نطق التاريخ بحكمه ثلاثون سنة بعد ذلك، كان عبد الهادي التازي على صواب وكنا على خطأ ...
وكان يحلو لنا أن نردد معه تلك المحفوظات التي نظمها المغاربة لتعلم اللغات الأجنبية. أذكر منها ما يخطر على بالي عفو الذاكرة:
كلمة الصباح عندهم "بونجور" ولفظة الدوام عندهم "توجور"،
الرأس طيط والأنف ني، والعنق "كو" ، وفي التعبير عن كثير قل "بوكو"
وماذا يعني كل هذا ؟ أفلا يعني أن المغاربة أرادوا أن يعلموا ما لدى الآخر من معارف وأن يتعلموا لذلك لغته وفق أسلوب متواضع حوله: النظم... مثلما يتعلمون ألفية ابن مالك وفقه ابن عاشر نظما... وقد لا تشاطرهم أسلوﺑﻬم ذاك، ولكن أليس في ذلك آية من رغبة المغاربة على الانفتاح ومعرفة الآخر...
ثم غادرنا عبد الهادي التازي، وقد يكون ذلك في ربيع 1979اختير لأن يكون سفيرا بإيران لدى الجمهورية الإسلامية الإيرانية... ومن يستطيع أن يمثل المغرب سواه وهو الذي عرف المرجعيات الشيعية كما أنه كان سفيرا بالعراق، وهو العارف بالملل والنحل، وهو الشاهد على ما كان يعتمد بالحوزات العلمية في النجف وكربلاء ... لا أزال أذكره وقد وقف خطيبا يودع زملاءه من الأساتذة بالمدرسة المولوية وتلامذته، يستشهد ببيت للمتنبي أسمعه لأول مرة :
خلقت ألوفا لو رجعت إلى الصبا لفارقت شيبي موجع القلب باكيا ... !
وهل هناك من دلائل الوفاء ما تضمنه هذا البيت من أخلاق وشيم ؟
والتحق أستاذنا بمنصبه في طهران وقام بما تفرضه عليه السفارة من إصلاح ذات البين حتى عادت المياه إلى مجاريها، لكن الرياح لم تلبث أن تغيرت، وعاد السفير إلى قواعده في جامعة محمد الخامس. ووجدت عبد الهادي التازي أستاذا بكلية الحقوق، وقد تكون السنة 1984 أو 1985 ، وكان آنذاك يدرس التاريخ الدبلوماسي للمغرب... وكانت دروسه آنذاك نواة مشروع طموح هو موسوعة للتاريخ الدبلوماسي للمغرب... ولا أزال أذكر جولاته في تاريخ المغرب الدبلوماسي الموغل في القدم، قبل الإسلام، ولا أزال أذكر إحالاته إلى تنافس مماليك نومديا وموريتانيا القيصرية والطنجية... لم يكن هذا المشروع اعتباطيا، مشروع هذه الموسوعة، التي رأت النور سنوات قليلة من تلك الدروس... أليست الدبلوماسية تعبيرا عن سيادة دولة ما... أو ليس هذا الإيغال في التاريخ شهادة على عمق هذه الأمة التاريخي... ما التاريخ؟ أليس هو مختبر العلاقات الإنسانية؟ أليس هو كتاب (العبر)، كما سماه ابن خلدون للعمران البشري ... أليس تاريخ دبلوماسية المغرب مختبر يفيد المؤرخ والدبلوماسي على السواء؟ بين رسالة عبد الهادي التازي حول جامعة القرويين وبين موسوعته الدبلوماسية وشيجة قوية. هما، لو شئت أن أستعمل تعبيرا أثيرا للفيلسوف الفرنسي باسكال، المنتهى الأصغر – فاس والمنتهى الأكبر – تاريخ الدبلوماسية، لأمة عريقة ذات مجد أثيل وحضارة راسخة ...ثم نذر عبد الهادي التازي حياته لمشروع علمي لا يقل أهمية عن تلك الصروح التي أقامها، وهو يريد ﺑﻬا مجد أمته وعراقة بلده هو تحقيق رحلة ابن بطوطة... ما ابن بطوطة؟ رحالة مغربي شهير جال بلدانا عديدة، وكفى... ذلك أن من الظهور الخفاء، وهو مثل لم يفتأ عبد الهادي التازي يردده في دروسه ولقاءاته، وهو يحق أن يكون شعارا للباحث الرصين... فالظاهر يخفي الباطن، وما يظهر لا يفصح عن سره ما لم يتدبره المرء بعقله وعلمه... ولذلك جعل عبد الهادي التازي وكده أن يسير غور عالم رحلة ابن بطوطة. وما أحسب أن ما أقدم عليه عبد الهادي التازي بمسبوق...وعسى أن تمتعني الأيام في قراءة تحقيق عبد الهادي التازي. ما قرأته عن رحلة ابن بطوطة يعود إلى عهد الصبا في نسخة مختصرة تجارية لا تفي بالغرض ... ويحضرني ما قاله لي الأديب لطفي أقلعي الذي كتب رواية منتقاة من هذا الرحالة الفريد الذي جاب أدغال إفريقيا والهند ومهامه بالصين وجزر البحر الهندي،إنه تعلم ما المغرب وعبقريته من خلال سيرة هذا الرحالة الفذ...وإذن هو قاسم مشترك في كل ما أكب عليه عبد الهادي التازي،عبقرية الأمة المغربية سواء أتجلت في عمارﺗﻬا وعمراﻧﻬا، وهوموضوع فاس، أو في سياستها الخارجية، أو في رجالاﺗﻬا، وابن بطوطة أحد هؤلاء الرجال الأفذاذ الذي ﺑﻬم نفخر ...
أعود إلى عوالم الدبلوماسية، وإلى دروس عبد الهادي التازي التي كان يقدمها بكلية الحقوق بالرباط، أعود إلى ذلك والذاكرة تلح علي، وأنا أكتب ما أكتب عفو البديهة وعلى السجية، أعود إلى ذلك الدرس الذي كان يرصعه بآية قرآنية كانت الثابت في العمل الدبلوماسي المغربي ... قد يكون فيما أقوم به إقحاما، ولكن لن تستقيم هذه الشهادة التي أرادها الأستاذ عبد الهادي التازي من واحد من تلامذته دون أن أذكر تلك الآية الكريمة :
"وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر، إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق" ...وعسى أن يتاح لي فهم أوجه هذه الآية الكريمة مثلما أتيح للأستاذ عبد الهادي التازي أن يقدم شرحا لها ...
هل وفيت الأستاذ عبد الهادي التازي حقه في هذه الشهادة ؟لا، فهو أجل مما قدمت... بيد أن لي في تقديمها – رغم قصورها– شفيعا، وهي أني أريد من خلالها تقديم عرفاني لرعيل من الماهدين، أولئك الذين أقاموا صرح الحركة الوطنية بإيماﻧﻬم وتضحياﺗﻬم، لم يثنهم عن ذلك ضعفهم وهواﻧﻬم على الناس... هو عرفان لهم وعرفان لآخر الفرسان عبد الهادي التازي... وقد أكون أغفلت جانبا من شخصيته هو أسماها بلا منازع دماثة خلقه وكريم سريرته، وهل كان يبلغ ما بلغ لولا تلك المضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله ألا وهي القلب | ||