إسهام ابن بطوطة في كتابة التاريخ الدبلوماسي للصين  
 


ملخص المحاضرة التي قدمها الدكتور عبد الهادي التازي عضو أكاديمية المملكة المغربية ومجمع اللغة العربية بالقاهرة بجامعة محمد الخامس (كلية الآداب والعلوم الإنسانية) بالرباط  يوم 24 يبراير 2014، بدعوة من جمعية الصداقة المغربية الصينية بالشراكة مع سفارة جمهورية الصين الشعبية وكلية الآداب.

وُصفت رحلة ابن بطوطة ذات يوم بأنها ”تاريخ لما أهمله التاريخ“ وأعود اليوم لهذا الوصف بمناسبة ذكرى مرور سبعة قرون وعشرة أعوام على مولد ابن بطوطة بطنجة يوم: 24 يبراير 1304(27 رجب 703).

كان الرحالة المغربي ابن بطوطة المتوفى بآنفا عاصمة تامسنا عام 770ﻫ = 1368م أول من قدم  ممالك ومسالك الأمس لعالم اليوم ونحن نعلم أن رحلته ترجمت إلى أكثر من خمسين لغة، كان آخرها الترجمة إلى اللغة الصينية التي تقع في أكثر من ألف صفحة والتي قام بها زميلنا الأستاذ الدكتور لي قوانغبين مدير عام مركز بكين للخدمة البطوطية( ) .

لقد رَفَع ابن بطوطة عَلَم بلاده في أكثر من خمسمائة موقع... وقد كان في صدر المواقع الجغرافية التي قدمها إلينا جزر مالديف، قدمها تقديم شاهد عيان، زارها (744=1344) مرتين اثنتين ومارس فيها وظيفة سامية مكنته من التعرف على مختلف طبقات البلاد، علاوة على تزوجه وإنجابه هناك...

وستظل المعلومات التي تضمنتْها مذكراته عن (ديبة المهل  Dhibat Al  Mahal وثيقةً علمية ذات أهمية كبرى للجانب الحضاري والانتروبولوجي، وسيظل كل تأليف كتب أو يكتب عن هذه البلاد دون ما رجوع لابن بطوطة، سيظل ناقصا أبتر إن لم ينعت بوصف آخر دون ذلك!

وأنه بمرور الزمن يتأكد الباحثون، في كل الجهات من مصداقية مرويات ابن بطوطة، ويزدادون اقتناعا بأن الوزير المغربي ابن أودرار كان على حق في إنصاف ابن بطوطة من ابن خلدون عندما كان هذا الأخير يحاول التنقيص من أهمية إفادات الرحالة المغربي وبالتالي يحاول - ربما- إتلافها أو تحريقها…

لقد احتفظ متحف مالديف بلوحة تاريخية  تعتبر عندي بمثابة شهادة حية على مصداقية ابن بطوطة في جميع ما ترويه الرحلة....

ولقد وقع اختياري على رحلة ابن بطوطة بالذات لأنها عندي، كما قلت منذ البداية (تاريخ لما أهمله التاريخ)، وقد اكتشفت فيها وأنا أجمع مواد الموسوعة التي ألفتها عن "التاريخ الدبلوماسي" وجدت فيها مادة غنية حول تاريخ الأمم الماضية ولا سيما العلاقات الإسلامية الإسلامية، والعلاقات بين المسلمين وبين جيرانهم ممن يعتنقون الديانات الأخرى...

لقد كانت الرحلة بالنسبة إلي منجماً من المناجم الثرية بالمعلومات عن العلاقات التي كنت في حاجة إلى معرفتها وأنا أدون كتابي عن صلة المغرب بغيره من الأمم.

ولقد أثار انتباهي في صدر ما أثار انتباهي... قضية السفارة العظيمة التي وردت من بلاد الصين إلى بلاد الهند في ذلك العصر، العصر الوسيط وابن بطوطة مقيم ببلاد الهند عند السلطان محمد بن تغلق، تلك السفارة أثارت انتباهي لما كان يصحبها من تحف وهدايا ورجال كبار، مما كان يذكرني في بعض ما قرأته عن السفارات التي كانت ترد على الأندلس والمغرب في الأيام الماضية، أيام كانت الأندلس أندلساً وكان حكم المغرب يتطلع إلى حكم دجلة والفرات!!

لقد بعث ملك الصين إلى السلطان بالهند:

مائة مملوك ما بين غلام وجارية من أصول صينية

خمسمائة قطعة من الثوب المعروف بالكمخا، فيها مائة من التي تصنع بالمدينة التي يسميها ابن بطوطة مدينة الزيتون، ومائة قطعة من القماش الذي يصنع بمدينة الخنسا...

خمسة أمنان من المسك 

خمسة أثواب مرصعة  بالجوهر

خمسة من التراكش المزركشة

خمسة سيوف

كل هذه الهدايا بمن صحبها من كبار القوم كانت تسعى لكي تحصل من ملك الهند أن يأذن لملك الصين ببناء بيت الأصنام الذي يوجد بناحية جبل (قراجيل) الذي يعني في أدبيات الرحلة جبال الهِيمالايا الشهيرة بمناعتها وعلوها...

ويعرف هذا الموقع الذي كانت فيه الأصنام باسم سَمْهل الذي يشكله ابن بطوطة بفتح السين المهمل وفتح الهاء...

ويضيف ابن بطوطة إلى شكل هذا الموقع الجغرافي معلومةً في غاية الأهمية تلك أنه يقول أن هذا الموقع كان يحج إليه أهل الصين... وأن جيوش الهند تغلبوا عليه – في إحدى الأزمات الثنائية بين الجهتين – وخربوه وسلبوه... وكان يعني دون شك معبدا بُوذيا للصين الذي كان محجة للواردين...

عن تلك السفارة الضخمة قرر سلطان الهند الجواب عنها بإرسال سفارة ليست بنفس الحجم ولكنها أكثر بكثير قيمةً وعدداً، وكان فيها: 

مائة فرس من الجياد مسرجة ملجمة

مائة مملوك ومائة جارية من كفار الهند مغنيات ورواقص

مائة ثوب بيرمية، وهي من القطن ولا نظير لها في الحسن، قيمة الثوب فيها مائة دينار.

مائة شقة من ثياب الحرير المعروف بالجُز بضم الجيم وزاي، وهي التي يكون حرير إحداها مصنوعاً بخمسة ألوان أوأربعة.

مائة ثوب من الثياب المعروفة بالصلاحية.

مائة ثوب من الشيرين باف

مائة ثوب من الشأن باف

خمسمائة ثوب من المِرْعز، مائة فيها سود، ومائة بيض، ومائة حمر، ومائة خضر، ومائة زرق.

مائة شقة من الكتان الرومي

مائة قطعة من الملف

سراجة

ست من القباب

أربع حَسك من ذهب

ست حسك من فضة منيلة

أربعة طسوس من الذهب ذات أباريق كمثلها

ستة طسوس من الفضة

عشر خُلَع من ثياب السلطان مزركشة

عشر شواش من لباسه إحداها مرصعة بالجوهر

عشرة تراكش مزركشة، وإحداها مرصع بالجوهر

عشرة سيوف أحدها مرصع الغمد بالجوهر

دشت بان وهو قفاز مرصع بالجوهر

خمسة عشر من الفتيان

وهكذا نرى من خلال هذه اللائحة مدى ما بلغ إليه الرفاه في الهند على ذلك العهد، وقد حُضرت كل هذه الهدايا وغلفت على الشكل الذي يناسب، وعينت السفارة التي ستقصد الصين والتي كان على رأسها رحالتنا العظيم: ابن بطوطة الذي كان مرفوقا بالأمير الهندي ظهير الدين الزنجاني، والفتى كافور الشّربدار الذي كان مكلفا بالحفاظ على الهدايا وصيانتها.

وقد بعث السلطان مع هذه السفارة الأمير محمد الهروي في ألف فارس مكلفا بمهمة مصاحبة السفارة إلى الميناء الذي سينقلها عبر البحار إلى الصين...

وتعبيراً من سلطان الهند عما يُكِنه للصين من حسن الجوار أذن لرسل الصين، وكان عددهم خمسة عشر يرأسهم كبيرهم الذي يحمل اسم تُرسي، مع خدامهم الذين كانوا يصلون إلى نحو مائة رجل، أذن لهم بمصاحبة السفارة الهندية...

حَمَل السفير ابن بطوطة أوراق اعتماده مصحوبةً بالرسالة الجوابية على ملتمس ملك الصين، وهي تعتبر عندي من الرسائل الديوانية التي غابت عن كل الذين كانوا يهتمون بديوان الإنشاء من امثال القلقشندي في صبح الأعشى، وأمثال ابن شيت... لهذا تعمدت الإتيانَ بها وإيراد نصها هنا.

أولاً لأنها تعطينا فكرةً عن حضور اللغة العربية في البلاط الهندي، وعن مركز العربية أيضاً في البلاط الصيني  الذي كان يستقبل الرسائل المكتوبة بالعربية: ما يعني أن البلاطين الاثنين في آسيا كانا يستعملان اللغة العربية إلى جانب اللغات الوطنية المنتشرة في المنطقة.

ثانياً لأن الجواب حجةُ فقهية رائعة على ما كان التعامل عليه بين الدولة الإسلامية والدول المجاورة، الأمر الذي جعلني أرتب هذه السفارة في صدر السفارات العالمية التي تقدم لنا مبادئ ممارسة العلاقات الثنائية بين الصين والهند مما كان مصدراً من مصادر محكمة العدل الدولية حسبما نقش على لوحة التأسيس في لاهاي...

لقد كتب سلطان الهند، يخاطب أمير أمراء الصين:
"إن هذا المطلب لا يجوز في ملة الإسلام إسعافه، ولا يباح بناء كنيسة بأرض المسلمين إلا لمن يعطي الجزية (الضريبة)، فإن رضيت بإعطائها أبحنا لك بناءه، والسلام على من اتبع الهدى".

إن الرسالة وحدها تحتاج إلى دراسةٍ مقارنة مع الرسائل التي حُرِّرت عند ظهور الإسلام... ومن واجب ابن بطوطة علينا أن نقوم بنشر هذه المعلومة غير المسبوقة  والملحوقة كذلك تنويراً للرأي وتعميماً للفائدة: مراسلات دبلوماسية في مثل هذا المستوى وبذلك الأسلوب من "السلام المفتوح" وفي العصر الوسيط، جديرةٌ بالتنويه والإشادة.

وقد تعرضت السفارتان بمن فيهما من دبلوماسيين صينيين وهنديين إلى ما نسميه اليوم (تسونامي) باغتها وهي في مرسى قالقوت (Calicut) فغَيَّر الحادث هذا خارطة الطريق على ما نقرأه في رحلة ابن بطوطة بتفصيل، لكن عزيمة ابن بطوطة في أن يصل إلى الصين ظلت حاضرةً في باله بعد أن نجا بمعجزة من ذلك "التسونامي"، وهكذا وصل إلى إقليم الصين الذي وصفه بأنه كثير الخيرات من الذهب والفضة إلى آخر التقديم الجميل لتلك البلاد التي لا يضاهيها أي إقليم من أقاليم الأرض! أوصاف دقيقة لكل مظاهر الحياة في الصين ولا سيما في الميدان الصناعي والإبداعي والأمني.

والتقى صدفةً بالأمير الذي كان أتى يحمل هدايا ملك الصين.. هذا الأمير عرَّفه بصاحب الديوان الذي أنزله منزلاً حسناً... وهنا شعر ابن بطوطة بالاطمئنان...

ووصل إلى دار الحكم التي يقيم بها الأمير قُرطيَ (Korthai) أمير أمراء الصين الذي أصغى إلى ابن بطوطة طويلا فيما كان يحكيه عن أصوله المغربية ومهمته بالديار الهندية، وهناك استمع ابن بطوطة إلى أهل الطرب وأهل الموسيقى وكانوا يغنون بالصيني والعربي والفارسي...!

لا أعتقد أن هناك رحالةً استطاع أن يقدم الصين بمثل تقديم ابن بطوطة وخاصة عند حديثه عن "القان" Le Kan الذي صادفه أثناء حروبه ضد ابن عمه الذي ثار عليه... حيث اضطر ابن بطوطة إلى مغادرة البلاد نحو سومطرة، قبل أن تعم الفتنة أطراف البلاد... 

ولا بد لي أن أذكر هنا مناقشةً جرت بيني وبين طلبة وطوالب جامعة بيكين في أول زيارة لي للصين عام 1988 ثم جامعة شانغهاي عام 2010 عندما أعطيت محاضرة في الجامعتين... عندما ذكرت أمر هاتين السفارتين تلقيت طائفة من الأسئلة عن مدى مصداقية هذه الاتصالات الثنائية في ذلك العهد.

لقد قالوا: إن الاستاذ البريطاني بيكينغام Beckingham الذي تصدى لتكميل ترجمة الجزء الرابع من رحلة ابن بطوطة بعد وفاة البروفيسور كيب، هذا الأستاذ قال: إنه لا يوجد أثر لحد الآن على أخبار هذه السفارة في المراجع الصينية ولا الهندية...

وقد قلت لهم، وذكرت هذا في تحقيقي لرحلة ابن بطوطة لم لا نعتمد على رحالة ابن بطوطة كمصدر أصيل وكشاهد عيان لهذه المعلومة غير المسبوقة.

 هذه المعلومة تندرج عندي في موضوع المؤتمر الذي انعقد في كولوراضو عام 1979 بعنوان: مستقبل الماضي (The future of the past)، عالجوا في ذلك اللقاء المعلومة المنسية أو الخاطئة التي مرت في الماضي ثم ظهر من الوثائق الناصعة مع ما يصحح ذلك الماضي أو يرممه...

لكل هذا ألح مرة أخرى على أهمية رحلة ابن بطوطة في موضوع تاريخ العلاقات الدولية... وها نحن أولا نقف على صفحات جد هامة من تاريخ الصين التي تشترك مع الهند في جبال الهِيمالايا التي يسميها ابن بطوطة - على ما أسلفنا - جبال قَراجيل...

من خلال إفادات ابن بطوطة عن المنطقة يتجلى أن العلاقات بين الدولتين كانت حافلة، الأمر الذي حملني على القول في بعض المحاضرات: بأن أهل الهند والصين بل كل الدول التي زارها ابن بطوطة على القول بأنه لا يمكنهم كتابة تاريخهم دون استشارة رحلة ابن بطوطة.

إني إذْ أحيي مبادرة الملك الحسن الثاني: إطلاق اسم بطوطة الدولي على مطار طنجة، أشكر جمهورية الصين الشعبية على تدشين نصب تذكاري لابن بطوطة في بيكين، وأقترح عليها إطلاق اسمه على بعض جامعاتها، بل أنني أدعو سائر الدول التي سبق أن زارها ابن بطوطة وترك فيها بصماته إلى تخليد اسم الرجل الذي أعطى المؤتمر الجغرافي العالمي في نيويورك، اسمه لفلقةٍ من سطح القمر!! فما حَسَنَ أن يجد ابن بطوطة له مكانا في السماء ولا يجده في الأرض.





 
     

مزيد من المعلومات
الإسم

اللقب
اتركوا رسالتكم هنا
البريد الإلكتروني
الهاتف
يرجى إدخال الرموز كما تظهر في الصورة أدناه *