ابن بطوطة أعظم رحالة في تاريخ البشرية  
 

سيكفينا هذا الرجل العظيم أمر التعريف بنفسه من خلال ما حكاه هو في رحلته عن سيرته الذاتية، منذ مغادرته طنجة عام 725 = 1325 إلى أن استقبله بفاس السلطان أبو عنان عند عودته، في شعبان عام 750 = نونبر 1349، وقبل أن يقوم إلى أن قام برحلة جديدة إلى الأندلس ثم برحلة إلى بلاد السودان 
وتبقى مع هذا نحو ثلاث عشرة سنة من حياة الرجل ظلت غائبة لم نعرف شيئا، عن حاله وعن ذريته سوى أن السلطان أبا عنان أمر الكاتب ابن جزي عام 757 = 1356 بتدوين رحلة ابن بطوطة، قبل أن يصبح صاحب الرحلة قاضيا في إقليم تامسنا الذي يعتبر من أغنى الأقاليم المغربية في مملكة بني مرين والذي يقع بين بوركراك ووادي أم الربيع
ولقد خفت صوته بموت ولي نعمته السلطان أبي عنان عام 759 = 1357
وقد ولد محمد ابن بطوطة بطنجة يوم الاثنين 17 رجب 703 = 24 يبراير 1304، وتوفي وهو متول للقضاء عام 770 = 1369 
قام ابن بطوطة برحلاته العديدة التي تعرض فيها أحيانا لسائر أنواع الامتحان، وتعرض للخطر في عدد من الحالات ...، لكنه نجا من جميع تلك الأهوال وكما يقولون : "لن يقتلك إلا عمرك"
وإن الذين يسمحون لأنفسهم بتحجيم ابن بطوطة والادعاء بأنه كان محدود الثقافة كانوا بعيدين عن الحقيقة ... فالرجل كان مثقفا بكل ما تحمله كلمة الثقافة من معنى
والمتتبع لغضون الرحلة يمكنه أن يقف على هذا منذ المرحلة الأولى، وهو يودع بلاد المغرب، عندما اختاره رفاقه ليكون قاضيا عليهم 
وهو في بلاد العرب وفارس، اغتنم الفرصة لاستجماع حصيلة من المعارف والاتصال بأكبر عدد من رجالات الفكر والعلم بمن فيهم النساء والرجال الذين منحوه إجازاتهم وتزكياتهم مما جعله يتولى منصب قاضي في الهند وفي مالديف
ولقد كان مما لفت النظر في الرحلة أن ابن بطوطة - بالرغم من غيابه الطويل وبالرغم مما تقلب فيه من وظائف - لم ينس بلده المغرب الذي ظل أمام مخيلته وبين سمعه وبصره : لقد ذكر سبتة وهو بمدينة صنوب على ضفاف البحر الأسود ! ولقد علقت بمخيلته صور الأودية الكبرى بالمغرب، فهو يقارن وادي سلا، بنهر إصطنبول ... لقد كان حريصا على الاعتزاز بهويته المغربية 
ولابد أن نلفت النظر إلى الحس الاقتصادي والتجاري الذي كان يتوفر عليه الرجل، حديثه عن الأسعار وتتبعه للمكاييل والموازين، وقيمة العملات حتى لكأنك مصحوب بجريدة تطلعك على أحوال الأسواق 
ومن الملاحظ أن الرجل كان يتأقلم بسرعة زائدة، فهو يتعلم اللغة التي يتكلم بها القوم الذين ينزل بساحتهم ... وقد بدأ يفهم اللغة الفارسية قبل أن يتعلم التركية، لأن الفارسية كانت منتشرة في المنطقة كلها حتى في بلاد الصين، والملاحظ أنه كان يكتب كلمات هاتين اللغتين بحروف عربية مما أعطانا دليلا آخر على أن الحروف العربية في استطاعتها أن تستوعب سائر الأصوات وهذه فائدة علمية هامة 
والملاحظ أكثر أنه كان حريصا على شكل الأسماء الجغرافية وضبطها بالوصف حتى لا يقع خطأ في  تحريكها والنطق بها، وهذه من الخصوصيات المتميزة لهذا الرحالة الكبير على معظم الذين ألفوا عن أسماء البلدان ومن هنا اعتبرت رحلته معجما جغرافيا حيا لا يستغنى عنه باحث في تاريخ إفريقيا وآسيا وحتى جنوب أوربا
لقد كان من حوافز اهتمامي بالرحلة ما شعرت بها عندما انتسبت منذ أكثر من ربع قرن للمؤتمر العالمي لضبط الأعلام الجغرافية التابع للمجلس الاقتصادي للأمم المتحدة في نيويورك 
إن هدف المؤتمر، على ما نعلم جميعا، ضبط المواقع الجغرافية في العالم، وهنا وجدت الفرصة مناسبة للاستفادة من هذا المنبر الدولي الرفيع لتصحيح زهاء ألف علم جغرافي ورد ذكرها في رحلة ابن بطوطة عبر القارات الثلاث التي زارها 
وقد كون الوضع الاجتماعي للمرأة ومركزها عند الأمم التي زارها أفكارا عن المرأة لا تخلو من إطراف، وهكذا تحدث عن عفة المرأة وشفقتها وهو في خراسان، كما تحدث عما بلغته المرأة من مكانة سامية في بلاد الترك والتتر لدرجة أن القرارات الخطيرة لا تصبح نافذة إلا إذا صدرت عن أمر "الخواتين" إلى جانب السلاطين !! وحتى في بلاد الصحراء والسودان عندما كانت المرأة تتمتع بحريتها في التعامل الشريف 
* * * 
ولابد أن نذكر هنا أن الحديث عن ماركوبولو البندقي اقترن بالحديث عن ابن بطوطة الطنجي لدى كل الذين اهتموا بالرحالة والرحلات ... فإن الأول هو الذي قصد - قبل نحو من ستين سنة الشرق الأقصى ثم سجلت مذكراته التي كانت، فيما بعد محل تعليق واسع ... لكن الملاحظ أن رحلة ابن بطوطة اتسع فضاؤها أكثر مما كان الأمر بالنسبة لرحلة ماركوبولو،علاوة على الحصيلة العلمية التي كانت تختلف من هذا لذاك
وهكذا فإذا كان ابن بطوطة قد حقق رحلته وحيدا، وإذا كان محرر رحلته (ابن جزي) كان أمينا جدا في أدائه لما يرويه عن ابن بطوطة. وفي نفس الوقت، فإن محرر رحلة ماركوبولو روستيشيلو  كان يضيف من خياله ! ونحن نعيش اليوم مع الترجمة الإنجليزية التي صدرت عام 1818 لويليام مارسدن عن الأصل الإيطالي الذي ظهر عام 1559 لراموسيو 
وبعد مارسدن ظهرت طبعات زيدت فيها إضافات، وبلغت نشراتها إلى أزيد من مائة وليس بينها اثنتان متفقتان.!! بينما رحلة ابن بطوطة بقيت على ما نسخت عليه بفاس عام 757 = 1356 
يضاف إلى كل هذا أن رحلة الأول اقتصرت على بعض جهات دون إفريقيا وأوربا ... ومعنى هذا أن الجمهور الذي عرفه الرحالة المغربي كان أوسع من جمهور الرحالة البندقي 
ونذكر أن ابن بطوطة في معرض حديثه اعتزازه بتفوقه في الرحلة، واتساع رقعة في التجوال، ذكر أنه يفوق السائح المصري الشيخ عبد الله الذي لم يدخل لا إلى الصين ولا إلى جزيرة سرنديب ولا إلى المغرب ولا الأندلس ولا بلاد السودان. وأعتقد شخصيا أنه لو قدر لابن بطوطة أن يجتمع بماركوبولو لعلق بمثل ذلك التعليق ! إذ إننا عرفنا أن الأراضي التي زارها الرحالة الطنجي كانت تفوق كثيرا وكثيرا ما قطعه ماركوبولو 
وقد تفوق رحالة طنجة على رحالة البندقية بشيء أهم، وهو أنه استطاع أن يمتزج مع سكان البلاد التي وصلها عن طريق المصاهرات، وعن طريق الوظائف السامية التي تقلدها والاتصالات التي كان يجريها مع مختلف الأوساط، الأمر الذي كان يرضي فضوله وتطلعاته المتنوعة والمتجددة في ذات الوقت. ويكفي - لكي نعرف حجم الرجلين ونعرف مع هذا مدى رصيد الجانب المعرفي لكلا العملين - يكفي أن نقوم بجرد لعدد الأسماء الجغرافية التي وردت عند هذا وذاك، وأن نعد كذلك الأعلام الشخصية التي جاءت في مذكرات الأول والثاني، يكفي ذلك لنخلص إلى الإشادة بذاكرة الرحالة المغربي التي استطاعت أن تختزن كل تلك الأسماء جغرافيا وإنسانيا، بالرغم من السطو الذي وقع على مذكراته في المحيط الهندي ! إن كل ذلك الاستظهار وذلك الاستيعاب كان فوق طاقة البشر حقا. وحتى جانب الإتحاف والإطراف في كلتى الرحلتين كان يبرر، دون تردد، تفوق ابن بطوطة على زميله بولو 
لقد عرفت تلك الفترة من التاريخ عددا من الرحلات التي قام بها عدد ممن عرفنا، كان منهم من عالم الغرب ماركوبولو الذي تحدثا عنه، وعرفنا أودوريك  الذي زار آسيا مباشرة بعد بولو  وكان فيهم من عالمنا العربي أحمد ابن فضلان، وابن جبير الأندلسي والعبدري الحيحي وأبو حامد الغرناطي ... لكن رحلة ابن بطوطة بفضائها الواسع ومدتها الطويلة ومحتواها الضخم فاقت كل تلك الرحلات
لقد قلت ذات يوم لزميلنا في أكاديمية المملكة المغربية نيل أرمسترونك الذي صعد القمر - كما تعلمون - قلت له وأنا أتحدث له عن ابن بطوطة : إنه زميله في الاكتشاف، فأجابني ببساطة ما أعظم الفرق بينه وبيني ! أنا حشرت حشرا في جهاز، ووجدت نفسي على سطح القمر ثم عدت حين أذن لي بالعودة ! أما ابن بطوطة فإنه طوال ثلاثين سنة ظل يمشي على قدميه أحيانا ويركب الفرس والجمل والفيل والعربة والمحفة والسفينة ليحقق هدفه في الاستكشاف  ومن هنا يصح القول بأن رحلة ابن بطوطة تعتبر اليوم - كما يؤكد ذلك العدد الكبير من الباحثين - أول رحلة في تاريخ البشرية جمعاء


د. عبد الهادي التازي 






 
     

مزيد من المعلومات
الإسم

اللقب
اتركوا رسالتكم هنا
البريد الإلكتروني
الهاتف
يرجى إدخال الرموز كما تظهر في الصورة أدناه *