مصداقية معلومات ابن بطوطة : لوحة مالديف نموذجا  
 

كان الرحالة المغربي ابن بطوطة أول من قدم ممالك ومسالك الأمس لعالم اليوم لاسيما ونحن أن رحلة ابن بطوطة ترجمت إلى أكثر من خمسين لغة ! ولقد رفع علم بلاده في أكثر من خمسمائة موقع ! وقد كان في صدر المواقع الجغرافية التي قدمها إلينا جزر مالديف تقديم شاهد عيان زارها (744=1344) مرتين اثنتين ومارس فيها وظيفة سامية مكنته من التعرف على مختلف طبقات البلاد، علاوة على تزوجه وإنجابه هناك ...

وستظل المعلومات التي تضمنتها مذكراته عن مالديف التي نسميها (ديبة المهل( )  Dhibat Al Mahal وثيقة علمية ذات أهمية كبرى للجانب الحضاري والانثروبولوجي، وسيظل كل تأليف كتب أو يكتب عن هذه البلاد دون ما رجوع لابن بطوطة، سيظل ناقصا أبتر إن لم ينعت بوصف آخر دون ذلك !

وأنه بمرور الزمن يتأكد الباحثون، في كل الجهات من مصداقية مرويات ابن بطوطة، ويزدادون اقتناعا بأن الوزير المغربي الأول ابن أودرار كان على حق في إنصاف ابن بطوطة من ابن خلدون عندما كان هذا الأخير يحاول التنقيص من أهمية إفادات الرحالة المغربي وبالتالي إتلافها أو تحريقها  !!

لقد قرأنا عن هذه الجزر – نقلا عن العالم الجغرافي الفلكي اليوناني بطوليمي المتوفى 68 للميلاد – في مروج الذهب للمسعودي (ت 346هـ = 957م) أنها تقع في "البحر الحبشي"، وهي تحمل عنده اسم (الدبيجات) أو (الذابيهات)، وتبلغ نحو ألف جزيرة متصلة بعضها ببعض، من الجزيرة إلى الجزيرة الميلان والثلاثة وأكثر من ذلك ... قال : وملكة هذه الجزيرة كلها امرأة، وبذلك جرت عادتهم من قديم الزمان لا يملكهم رجل، وأخبرني غير واحد، يقول المسعودي، من رؤساء الأساطيل البحرية سواء الذين ينتسبون لسيراف (بلاد فارس) أو عمان (الجزيرة العربية) ممن يختلف إلى هذه الجزائر أن العنبر ينبت في قعر بحرها، ونخلهم نخل النارجيل، وقد ذكرنا – يتابع المسعودي كلامه – في كتابنا المترجم "بكتاب القضايا والتجارب" ما تؤثره كل بقعة وهواؤها في حيوانها وإنسانها  ونباتها ....

ويذكر البيروني (ت 440 = 1048) أن هذه الجزر تقع بين إفريقيا والصين ولها أسماء مختلفة، إحداها تحمل اسم (ديبا) ... جزر بالغة الجمال ... بعضهم فيها يصنع اللباس من أوراق شجر النارجيل، كما يصنعون منه مراكب الصيد ...

وقرأنا عنها في نزهة المشتاق للعالم الجغرافي الشريف الإدريسي السبتي المولد والنشأة، القرطبي الدراسية والصقلي القرار (ت 560 = 1165) الذي يعطيها اسم جزائر (الدبيجات) كذلك، وقد قال عنها :

- وكان الشريف الإدريسي أول الجغرافيين العرب الذي جعل لها رسما في خريطته التاريخية الشهيرة - قال عنها : إنها قريبة من جزر القمر وأن لجميعها رئيسا يجمعهم، لكن زوجته هي التي تحكم بين الناس... وتحكيم النساء عندهم سيرة دائمة لا ينتقلون عنها، واسم هذه الملكة (دمهرة) وهي تلبس حلة من الذهب المنسوج وتحمل على رأسها تاج الذهب المكلل بأنواع اليواقيت والأحجار النفيسة، وتجعل في رجليها نعلا من الذهب، وليس هناك أحد في هذه الجزائر ينتعل إلا الملكة وحدها، تركب بالزي الكامل ... وزوجها الملك وجملة الوزراء يتبعونها على بعد منها... وهي تتصدق بالجبايات على فقراء بلادها... وتمشي النساء مكشوفات الرؤوس مضفورات الشعور، والواحدة تمسك في رأسها عشرة أمشاط وأقل وأكثر وهي حليتهن... ويزرع بهذه الجزر النارجيل وقصب السكر وتجارتهم بالودع... وأهل هذه الجزيرة أهل صناعات بالأيدي... ينسجون القميص مفروغا بكميه 

وبنائقه وجيبه، وينشلون السفن من العيدان الصغار ... إلى آخر كلام الجغرافي المغربي ...

وقد ذكر ابن سعيد المغربي (ت 685 = 1286) في كتابه الجغرافيا – وكان يتحدث بعد اعتناق مالديف الإسلام على يد أبي البركات البربر ي عام 548 = 1153 – ذكر أن سكان مالديف معظمهم من العرب وأنهم جميعا مسلمون ينزل عندهم المسافرون إلى الهند" ... أي إنها بمثابة محطة (ترانزيت).

وقرأت عنها عند آخرين اختزلوا الكلام اختزالا ... لكن ابن بطوطة كان نعم المتحدث الذي استوعب سائر جوانب الحياة في تلك الجزر، وخاصة العاصمة (مالي) Malé التي قدم عنها كما أشرنا دراسة أنثروبولوجية تعتبر مساهمة جلي في كتابة تاريخ المحيط الهندي على نحو ما نقرأه في النص الكامل للرحلة ...

وقد كان في صدر ما اهتم به ابن بطوطة في مالديف تاريخ ظهور الإسلام بهذه الجزر، وهنا نجده يتحدث معتمدا ليس فقط على ما شاهده وعاينه تلقائيا ولكنه يعتمد على رواية مواطنين وصفهم بالأمانة، علاوة على ما يتمتعون به من مكانة، فقدموا إليه فاسمعوه ممن سبقوهم بتواتر، وما رووه عن أسلافهم كابرا عن كابر ...

وهكذا وجدناه في الفصل الذي خصصه للسبب في إسلام هذه الجزائر ... يروي عن الثقات من أهلها الذي يذكرهم بالصفة والاسم : 

الفقيه عيسى اليمني 

الفقيه المعلم علي 

القاضي عبد الله ...

إلى جماعة أخرى سوى هؤلاء الثلاثة، يروي عنهم ما مفاده أن أهل هذه الجزر كانوا كفارا، وهم بالفعل كانوا بوديين على نحو بعض جيرانهم في سيلان : سري لانكا الحالية.

وقد دأبوا عند مطلع كل شهر على أن يعيشوا حدثا كئيبا يقض مفاجعهم وهم يواجهونه بتضحية نادرة المثال، ويتعاونون فيما بينهم حتى يتخلصوا من تهديد ذلك "العفريت" – الذي لا أعتقد إلا أنه قرصان خبيث من القراصنة الذين كانوا يترددون على الثغور – ذلك أن "عفريتا من الجن "كان يأتي من جهة البحر في مركب مملوء بالقناديل، وكانت عادة أهل البلاد إذا رأوا ذلك المركب أخذوا جارية بكرا فزينوها وأدخلوها إلى معبد لهم على ضفة البحر يتركونها هناك ليلة ثم يأتون عند الصباح فيجدونها مفتضة البكارة ميتة ... ! ولا يزالون في كل شهر يجرون فيما بينهم القرعة فمن خرج سهمه أعطى بنته ... 

ويوالي ابن بطوطة سرد المعلومات التي كان يتلقاها عام 744هـ = 1343 – 44م من الثقات الثلاث : الفقيهان والقاضي فيذكر أنه حدث أن قدم على أهل البلاد مغربي سماه الثقات الثلاث لابن بطوطة هكذا : أبا البركات البربري ... ونعتوه بوصفين اثنين : 

إنه كان يحفظ القرآن عن ظهر قلب، وإنه كان يتمذهب بمذهب الإمام مالك ابن أنس، ونحن نعلم عن تعلق المغاربة إلى اليوم باستظهار القرآن، كما نعلم عن تشبثهم بمذهب مالك الذي صدرت في وجوب الاقتصار على أحكامه ظهائر سلطانية رسمية بتاريخ العشر الأول من جمادى الأولى 538 = 1143 وهو الأمر الذي لم نعرفه في بلاد أخرى من ديار الإسلام ... ولا ننسى أن رواق المغاربة بالأزهر الشريف كان في صدر أهدافه تكوين الأطر التي تنشر المذهب المالكي ليس فقط في المغرب ولكن في البلاد النائبة من التي تحتاج لذلك ...

لقد نزل أبو البركات بدار عجوز منهم بجزيرة المهل فدخل عليها يوما وقد جمعت أهلها وهن يبكين كأنهم في مأتم، فاستفهمهن عن شأنهن فلم يستطعن إبلاغه حقيقة الأمر، وأحضر الترجمان الذي أخبر أبا البركات البربري أن العجوز وقعت عليها القرعة وليس لها إلا بنت واحدة وأن العفريت (القرصان) ؟ لا محالة سيأتي عليها ... ! فقال لها أبو البركات : أنا أتوجه عوضا عن بنتك بالليل ... ويذكر ابن بطوطة – دائما نقلا عن الثقات الثلاثة – أن أبا البركات كان من حيث الخلقة لا لحية له، فاحتملوه تلك الليلة وأدخلوه إلى ذلك المعبد، وكان متوضئا فأقام يتلوا القرآن ... ثم ظهر له "العفريت" من الطاق فاستمر على تلاوة القرآن ... فلما كان العفريت منه بحيث يسمع القراءة غاص في البحر ... وأصبح المغربي وهو يتلو على حاله فجاءت العجوز وأهل الجزيرة ليستخرجوا الجثة فيحرقوها على عادتهم ... فوجدوا المغربي يتلو غمضوا به إلى ملكهم الذي نقل ابن بطوطة عن الثقات الثلاثة أنه كان يسمى شنوراجا وأعلموه بخبره، فعجب منه، وهنا عرض المغربي عليه الإسلام ورغبه فيه، فقال له : أقم عندنا إلى الشهر الآخر، فإن فعلت كفعلك ونجوت من "العفريت" فإني سأعتنق الإسلام ..." 

وقد أقام أبو البركات البربري عندهم، وسرعان ما شرح الله صدر الملك للإسلام فأسلم قبل تمام الشهر وتبعه أهله وأولاده وأهل دولته ... 

وعند إهلال الشهر حمل المغربي إلى المعيد ... لكن "العفريت" لم يأت كما كانت العادة، وجعل أبو البركات يتلو حتى الصباح، وجاء السلطان والناس معه فوجدوه على حاله من التلاوة فكسروا الأصنام وهدموا ذلك العبد وأسلم أهل الجزيرة، وبعثوا إلى سائر الجزائر فأسلم أهلها، وأقام المغربي عندهم معظما، وتمذهبوا – يتابع ابن بطوطة روايته عن الثقات – بمذهب أبي البركات : مذهب الإمام مالك رضي الله عنه، وهم كذلك إلى هذا المعهد ( 744 – 745 = 1343 – 1345) يعظمون المغاربة بسببه ...

وقد بنى هذا السلطان مسجدا معروفا بإسمه، أي اسم أبي البركات. وهنا يسجل ابن بطوطة أنه وقف على لوحة من خشب سمرت على ناصية مقصورة الجامع وقد نقش فيها ما مضمونه :

"أن السلطان أسلم علي يد أبي البركات البربري" 

"ووصل في هذا البلد أبو البركات ... البربري وأسلم السلطان علي" يده في شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين وخمسمائة.

ويضيف ابن بطوطة إلى هذه المعلومات الواضحة أن ذلك السلطان قرر أن يخص ثلث جباية الجزائر وقفا على أبناء السبيل لما أن إسلامه كان بسبب مقدم أبي البركات البربري، فجرى العمل على ذلك إلى العهد الذي كان يقيم فيه ابن بطوطة بمالديف ...

ويستطرد ابن بطوطة فيخبرنا بأن ذلك "العفريت" كان سببا في دمار وخراب عدد من تلك الجزر "المحلديبية" قبل ظهور الإسلام ... 

ويروي لنا ابن بطوطة السبب في اكتشافه لتلك الإفادة التاريخية التي لم يكن له علم بشأنها من ذي قبل وهو يقول : إنه صادف احتفال البلاد بذكرى ذلك اليوم الذي تحققت فيه كرامة أبي البركات البربري حيث كان الناس يقيمون مركبا على شكل المركب الذي كان يغشاهم من ذي قبل، والناس يعتقدون أن مركب "العفريت" كلما شاهد هذا المركب الذي نقيمه كل شهر ينقلب على عقبيه ولا يمسنا سوء، يراه الناس فيتعظون ويحمدون الله على أن أنقذهم من مكر ذلك العفريت ... 

ويقول : ولما دخلناها أي الجزيرة لم يكن لي علم بما كان يجري فبينا أنا ذات ليلة في بعض شأني إذ سمعت الناس يجهرون بالتهليل والتكبير ورأيت الأولاد على رؤوسهم المصاحف، والنساء يضربن في الطسوت وأواني النحاس ؛ فعجبت من فعلهم، وقلت ما شأنكم ؟ فقالوا : ألا تنظر إلى البحر ؟ فنظرت فإذا مثل المركب الكبير وكأنه مملوء سرجا ومشاعل، فقالوا : إن ذلك العفريت الذي كانت عادته أن يأتي كل شهر ... كلما أتى ورأى ما نقيمه انصرف عنا ولم يضرنا ...

وهكذا أتاح له حضوره ذكرى هذا الحدث، أن يستمع إلى شهادات العوام، إلى شهادات الخواص كذلك، عن المبادرة التي قام بها في تلك الفترة المبكرة من التاريخ أبو البركات البربري ...

وقد حبب إلي عند زيارتي "للجمهورية المحلديبية" في يوليه 1990، بمناسبة العيد الفضي لاستقلال البلاد، أن أقف بنفسي على الخشبة المنقوشة التي تحدث عنها الرحالة المغربي القاضي شرف الدين ابن بطوطة قبل أزيد من ستة قرون ونصف القرن في كتابه "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار" سيما وقد أثير الحديث عنها مؤخرا في الطبعة الثانية من "الموسوعة الإسلامية" باللغة الفرنسية (مادة مالديف) بقلم الباحث البريهاني  Forbes مع الإشارة إلى ما ظهر حديثا في تأليف بعنوان "تاريخ إسلام ديبا محل" للقاضي حسن تاج الدين الذي ألفه عام 1138 – 39 = 1726 بأمر السلطان ابراهيم إسكندر الثاني ...

وقد تجلى لي أن هذه اللوحة تؤكد الحقائق التاريخية المعروفة لدى الجميع وخاصة فيما يتصل بتاريخ ظهور الإسلام في تلك الجزر بل إنها تنبه لبعض الهفوات التي وقع فيها القاضي حسن تاج الدين الذي كتب تاريخه للبلاد في غيبة عما سجله قبل أربعة قرون ابن بطوطة في رحلته التي لم يشتهر أمرها في المشرق كلية إلا عندما نشرت بباريز مصحوبة بالترجمة الفرنسية أواسط القرن التاسع عشر (1853 – 1858) 

واللوحة إلى جانب هذا تؤكد – كما قدمنا – مصداقية المعلومات التي قدمها الرحالة المغربي الذي زاد تلك الأقاليم بعيد نصب تلك اللوحة في ناصية المقصورة ببضع سنوات، وهكذا فإن الفصل في كتابة عقد الازدياد لمالديف يرجع لمغربين اثنين : أبي البركات البربري وابن بطوطة اللواتي الطنجي.

وتوجد اللوحة اليوم – لحسن الحظ – محفوظة في المتحف الوطني "لجمهورية المحلديبية في العاصمة" مالي Malé ... وعلى نحو ما عرفناه في المغرب عن اللوحة التاريخية التي اكتشفت في الخمسينات في ناصية محراب جامع القرويين بفاس، فقد اكتشفت هذه اللوحة أثناء محاولة اختبار مواد تسقيف المسجد عام 1964،  ونعتقد أن هذه اللوحة نقشت فقط بمناسبة عملية توسيع الجامع من لدن السلطان شهاب الدين عام 738 = 1338 وليست اللوحة الأولى التي ترجع لعهد السلطان الذي اعتنق الإسلام على ما ترويه نشرة المركز الوطني ... لأن اللوحة وهي قطعة واحدة من شجر الساج (Platane) تتضمن نصين تاريخيين اثنين كلاهما نقش في وقت واحد على لوحة واحدة طولها من ثلاثة أمتار وخمسة وعشرين سانتيما على عرض خمسة وأربعين سانتيما ... وهي تحتوي على ثلاثة سطور على ما نشاهده في الصورة.

ويعتبر النقش الموجود فيها أقدم خط عربي في مالديف إن لم يكن أقدم حرف عربي في إقليم المحيط الهندي كله، وقد نقش على اللوحة ما يلي :

السطر الأول : - أمر ببناء هذا المسجد المبارك الجامع لله تعالى السلطان درمس محمد بن عبد الله وأخوه سيري كلو ؟ رحمة الله عليهم أجمعين وأمر الوزير شنورا زاد ببنائه، فبنا وعمر رحمة الله عليه ووصل في هذا البلد أبو البركات.

السطر الثاني :- يوسف ؟ البربري وأسلم على يديه في شهر ربيع الآخر في سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، فقدم وأمر بعمارة هذا المسجد الجامع لله عز وجل مولانا السلطان ابن السلطان : شهاب الدين أحمد بن أبي الفتح جلال الدين عمر بن صلاح الدين خلد الله أعماله وأمر الوزير.

السطر الثالث : - شنورازه ؟ الدين علي بن أبي الفرج الصلاحي بعمارته فبني وعمر وقام فيه بحمد الله وشكر وفرغ من عمارته في شهر ذي الحجة سنة ثمان وثلاثين ؟ وسبعمائة من الهجرة النبوية على صاحبها السلام.

وأعتقد أنه من المفيد جدا أن نقف مع بعض المعلومات التاريخية التي قدمتها لنا هذه اللوحة – أو "الكايزة" كما نسميها بالمغرب – التي تعتبر مصدرا جد مهم للتاريخ الإسلامي لهذا الجزر ...

وسنركز أولا على الأشخاص الذين ورد ذكرهم مقرونا بتواريخ محدد مضبوطة مقارنين هذه المعلومات مع ما يوجد سواء في مذكرات ابن بطوطة الذي أقام في هذه الجزر قريبا من تاريخ اللوحة أو فيما كتبه القاضي في حسن تاج الدين بعد هذا التاريخ بنحو أربعة قرون تاركين للقارئ الحكم على مصداقية تلك المعلومات أو هذه ...

الشخصيات المذكورة في اللوحة :

(1) السلطان درمس محمد بن عبد الله (2) الأمير سيري كلوا (Sirikalo) (3) الوزير شنوراجا (4) أبو البركات البربري (5) السلطان شهاب الدين أحمد (6) الوزير شنوراجا.

1) السلطان درمس محمد بن عبد الله 

كل المعلومات التي نعرفها عن السلطان الذي اعتنق الإسلام أول الأمر في جزر مالديف تعتمد على هذه اللوحة من جهة وعلى رحلة ابن بطوطة من جهة أخرى، إضافة طبعا إلى ما سيرد في تاريخ حسن تاج الدين الذي كتب بعد هذا التاريخ بأربعة قرون ...

فحسبت اللوحة المذكور فإن السلطان أصبح يحمل بعد اعتناقه الإسلام اسم محمد بن عبد الله مع نعته بوصف السلطان درمس كما نعلم من خلا لهذه اللوحة أنه كان لهذا السلطان أخ نعتته اللوحة باللقب التشريفي المعروف في الإقليم طوال ذلك العهد سيري الذي يأتي قبل كلمة رسمت على شكل يقارب كلمة كلوا.

كما أنه كان لهذا السلطان وزير يعتمد عليه، ربما كان قائد جيش ويحمل في اللوحة اسم شنورازة وهو اسم ورد مرارا في رحلة ابن بطوطة على ما سنرى ...

ومن المهم أن نعرف أن هذه اللوحة تحدد تاريخ إسلام السلطان في شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، وأنها أي اللوحة تؤكد أن كلا من السلطان وأخيه أصدرا أمرهما للوزير شنوراجا ببناء الجامع العتيق ...

وحسب ما سجله مدون رحلة ابن بطوطة فإن الاسم الذي اكتسبه سيد البلاد بعد أن اعتنق الإسلام في الجزيرة هو اسم أحمد ...

إن هذا التحول الهائل الذي أحدثه في مالي أبو البركات بربري يذكرني في حادثة مماثلة سببها مبادرة مغربي آخر في قلب إفريقيا، بإقليم غانة، وبالذات بمدينة ملل (Milel) حادثة رواها البكري عن سلطان من سلاطين تلك القارة أصبح بين عشية وضحاها يحمل اسم "المسلماني" !

قال أبو عبيد، وإنما سمي بذلك لأن بذلك بلاده أجدبت عاما بعد عام فاستسقوا بقرابينهم من البقر حتى كادوا يفنونها ولا يزدادون إلا قحطا وشقاء، وكان عنده ضيف من المسلمين يقرأ القرآن ويعلم السنة فشكا إليه الملك فأدهمهم من ذلك فقال له : "أيها الملك لو آمنت بالله تعالى وأقررت بوحدانيته، وبمحمد عليه الصلاة والسلام وأقررت برسالته واعتقدت شرائع الإسلام كلها لرجوت لك الفرج مما أنت فيه وحل بك، وأن تعم الرحمة أهل بلدك وأن يحسدك على ذلك من عاداك وناوأك ..."

فلم يزل به حتى أسلم وأخلص نيته وأقرأه من كتاب الله ما تيسر عليه وعلمه من الفرائض والسنين ما لا يسع جهله، ثم استأني به إلى ليلة جمعة فأمره فتطهر فيها طهرا سابغا وألبسه المسلم ثوب قطن كان عنده، وبرزا إلى ربوة من الأرض، فقام المسلم يصلي والملك عن يمينه يأتم به، فصليا من الليل ما شاء الله والمسلم يدعو والملك يؤمن، فما انفرج الصباح إلا والله قد أعمهم بالسقي، فأمر الملك بكسر الدكاكير (أي الأصنام) وأخرج السحرة من بلاده وصح إسلامه وإسلام عقبه وخاصته. وأهل مملكته مشركون، فوسموا ملوكهم منذ ذلك بالمسلماني. 

وإذا ما كنا نعرف أن الرحالة المغربي إنما سجل مذكراته بعد دعوته إلى المغرب، أي بعد مضي سنوات على التقاطه لما كان يوجد باللوحة، فإننا نلتمس له العذر في ذكر أحمد عوض محمد ونلتمس له العذر في إطلاق لقب السلطان علي (شنوراجا) مع أن هذا كان وزيرا على ما سنرى عند الحديث عنه، وهكذا فإن الخلاف بين المعلومات التي تقدمها اللوحة حول هذه النقطة لا تختلف – في الجوهر – عن المعلومات التي تقدمها الرحالة المغربي ...

وإذا رجعنا إلى كتاب "التاريخ" لحسن تاج الدين فسنجده يعطيه هذا الملك قبل إسلامه اسم : كالامينجا سيري باواناديتا (Kalaminja Siri Bavana Ditta)، ويذكر من كراماته قبل اختفاء الحديث عنه أنه طلب – بعد أداء صلاة الجمعة – سفينة طارت كطيران الطير في اتجاه الحج وبقي الناس متعجبين متحيرين لفقد إمامهم وكان ذلك سنة إحدى وستين وخمسمائة من الهجرة = 1165، ومدة ملكه خمس وعشرين سنة : تنتا عشرة سنة في الجاهلية وثلاث عشرة في الإسلام ...

2) سيري كلوا 

هذه الشخصية سيري كلوا (Siriklo) مما استأثرت بذكره اللوحة المنقوشة دون غيرها فلا ذكر لها حتى في تاريخ القاضي حسن تاج الدين، ويبدوا أن (سيري) رافق أخاه إلى الحج فانقطعت أخباره وإلا لتولي السلطنة من بعده على ما جرت عليه عادتهم ... 

3) الوزير شورازه

يظهر أن لهذا اللقب منزلة سامية في الدولة، وهو يهجى على الأشكال التالية : (Shanu Raja) أو (Shanivirasa) أو (Shanfiraza) أو (Shanu Raza) أو (Shenourazah) وكلها آتية من اللغة السنسكريتية والسنهالية ... وتعني القائد الأعلى للجيش ... ومن هنا نعرف السر في إطلاق ابن بطوطة لفظ السلطان عليه باعتبار أن مقاليد الأمور كانت بيده، ونحن نعلم أن لفظ "السلطان" في كتب الفقه يشير إلى الحكام من حيث هو ولو كان قاضيا على ما سنذكره ...

وإذا كان لقب سنورازه أو راجا (Raja) لم يرد إطلاقا في تاريخ حسن تاج الدين، فقد رأينا ذكره هنا في هذه اللوحة مرتين اثنتين : أولا : عندما شيد الجامع أول الأمر أواسط القرن السادس الهجري ... ثانيا : عندما صدر الأمر بتوسعة الجامع أواسط القرن الثامن الهجري، مع العلم أن ذكره ورد في رحلة ابن بطوطة أربعة مرات، أولا : عندما ذكره في معرض اعتناقه للإسلام بادئ الأمر ... وثانيا : وعندما قرأ اسمه على هذه اللوحة موضوع الحديث، وثالثا : عندما ذكر أن السلطان شنورازه هو الذي سن جباية ثلاثة جزر كأجرة لقاضي البلاد لما أن مركز القاضي كان كمركز السلطان أو أشد على حد تعبير ابن بطوطة الذي كان ضمن المستفيدين من تلك الجبايات قبل أن يثور ضد العراقيل التي واجهته وهو يحاول تطبيق حكم شرعي على الحكام !! ... ومرة رابعة عندما كان يتحدث عن تزوجه ببنت أحد الوزراء المحترمين في البلاد، كان جده هو السلطان داود حفيد السلطان أحمد شنورازة ... 

ومعنى كل هذا شنوراجا  كان يعني شيئا عظيما في المجتمع "المحل ديبي" على ما نستفيده من لوحة التأسيس الأولى أواسط القرن السادس. واللوحة الثانية أواسط القرن الثامن ... ونستفيده كذلك – وهذا مهم – من مذكرات ابن بطوطة. ويستغرق المرء من غياب هذا اللقب في كتاب "التاريخ" لحسن تاج الدين على ما أشرنا !!


 
     

مزيد من المعلومات
الإسم

اللقب
اتركوا رسالتكم هنا
البريد الإلكتروني
الهاتف
يرجى إدخال الرموز كما تظهر في الصورة أدناه *