تتمة مقال مصداقية معلومات ابن بطوطة  
 

4) أبو البركات البربري 

يظل هذا العلم الشخصي هو الهدف الذي يهمن على الموضوع باعتبار أن تحقيق هذا الاسم الوارد موزعا بين آخر السطر الأول وأول السطر الثاني من اللوحة المنقوشة باللسان العربي.

والمهم أن نعرف أن الرحالة المغربي القاضي شرف الدين أبا عبد الله محمد ابن بطوطة الطنجي (ت 779 = 1378) يؤكد أنه سمع من قاضي البلاد ومن اثنين من علمائها الثقات إضافة إلى روايات أخرى، أن الشخص الذي تم على يديه اعتناق البلاد للإسلام هو أبو البركات البربري ... وأن هذا الاسم بالذات هو الذي بدا منقوشا في اللوحة للرحالة المغربي الذي نعرف عن المركز المرموق الذي كان يتمتع به في الجزيرة ونعرف عن الوسائل التي كان يتوفر عليها للقيام باستنطاق اللوحة التي كانت على ما عرفنا مغروزة في أعلى صدر المقصورة.

وقد مضى على ترديد اسم المغربي البربري كل الذين اهتموا بابن بطوطة سواء أكانوا عربا أو عجما ضرورة أن النسخ المخطوطة التي تتوفر عليها لرحلة ابن بطوطة جميعها رددت اسم البربري المغربي عشر مرات عبر مساحة ثلاث صفحات متوالية ... 

ومن المعلوم أن المغاربة عرفوا من قديم بالرحلة والضرب في أطراف الدنيا ...

وتزخر كتب التاريخ بأسماء عدد من رجالات المغرب الذين جابوا أنحاء المعمور وخاصة في نهاية القيام بمناسك الحج حيث يقصد بعضهم الجهات النائية للدعوى إلى الله ... 

وينبغي أن نرجع لكتب الرحلات على اختلاف أنواعها وأغراضها، وينبغي أن نرجع للرحالة المغاربة الذي كان لهم حضور خارج الرقعة المغربية.

وقد قرأنا عن أبي الحسن سعد الخير بن محمد بن سعد الأنصاري البلنسي المتوفى في محرم 541 = يونيو يوليو 1146 الذي رحل إلى أن دخل الصين وكان يحلي نفسه بالبلنسي الصين ... وتفقه ببغداد على الغزالي ... وتزوج بأصبهان وولدت له فاطمة التي أصبحت من عالمات بغداد ... 

وقد قرأنا في (معجم السفر) للمؤرخ الحافظ عماد الدين الأصبهاني السلفي المتوفى سنة 576 = 1180 قرأنا عن عدد مهم من المغاربة الذي أولعوا بالرحلة منذ فجر التاريخ ... ومعظمهم كانوا من الفقهاء والعلماء والدعاة ... 

إن بلاد المغرب هي التي عرفت في القرن السادس برباط الشيخ أبي محمد صالح (ت 631 = 1234) الذي تمكن بمجهوده الخاص من إنشاء مراكز منظمة معروفة تنطلق من شغر آسفي إلى الجزيرة العربية لأداء المناسك، وهكذا يضمن للدعاء نصف الطريق لأداء مهمتهم ... ولابد أن لا ننسى أن الشيخ أبا الحسن الشاذلي المغربي أدركته وفاته عام 656 = 1258 وهو يؤدي رسالته في أقصى بلاد المشرق....

ومالنا نذهب بعيدا ولا نبقى مع أبي عبد الله ابن بطوطة الذي يحكي عن بعض المواطنين المغاربة الذين لقيهم هو في الصين : وصلوا إليها قبله بعد أن زارها سعد الخير سالف الذكر، من أمثال قوام الدين السبتي السجلماسي البشري الذي دخل بلاد الهند مع خاله أبي القاسم المرسي، وكان – وهذا مهم – يحفظ موطا الإمام مالك، وقد قصد بعد ذلك بلاد الصين، وهناك في كانجنفو (Kand janfou) لقي قوام الدين ... ومن عجب أن ابن بطوطة طافت به قدماه إلى تخوم بلاد السودان فوجد منا أخا لقوام الدين، فيا بعد ما بينهما ! يقول ابن بطوطة !!

وقد ردد الرحالة المغربي صدى مغربي آخر يعرفه بمحمد المصمودي أدركه أجله في دهلي ...

وقد لقى الرحالة – وهو في برصى من بلاد الروم الشيخ عبد الله المصري السائح الذي جال في سائر جهات الدنيا إلا أنه – كما يقول ابن بطوطة معتزا مفتخرا – لم يدخل الصين ولا جزيرة سرنديب، ولا الأندلس ولا بلاد السودان، وقد زدت عليه بدخول هذه الأقاليم يختم ابن بطوطة.

وأستطيع القول – بناء على ما ورد في بعض المراجع المغربية والأندلسية – أن تحرك المغاربة نحو المشرق أكثر بكثير من تحرك المشارقة نحو بلادنا !

ولقد أكد تلك الحقائق البروفيسور روس، إ. دان (Ross E. Dunn) في تأليفه عن ابن بطوطة الذي ظهر عام 1986 عندما أكد أن أبناء شمال إفريقيا وأبناء الأندلس كانوا أكثر نشاطا في التجارة الهندية أثناء القرن الحادي عشر والثاني عشر الميلادي، ولذلك – يقول الباحث الأمريكي – فإنه لم يكن من الغريب أن يقوم مغربي بجولة في تلك الأرجاء لنشر رسالة الإسلام !!

أريد أن أقول هذا للذين يستكبرون على المغاربة أن يصلوا إلى ما لديف التي كانت – على ما أسلفنا – بمثابة محطة (ترانزيت) لا غني عن الإستراحة فيها والتزود منها بالنسبة للذين يقصدون ديار الهند ...

ولابد أن أكثر هنا أن المهتمين بتاريخ انتشار الإسلام في الشرق الأقصى يتحدثون عن دور المغاربة (المورو Moros) في وصول الإسلام إلى جزيرة سولو (Sulu) جنوب الفلبيين أثناء القرن الرابع عشر.

لكن التأليف الذي ظهر سنة 1982 للقاضي حسن تاج الدين القومي (ت 1139 = 1726-1727) والذي لم يقف مؤلفه – كما أسلفنا – على ما انفصل عليه سلفه ابن بطوطة قبل نحو من أ ربعة قرون، نجد القاضي المذكور حسن تاج الدين هذا يقرأ عوض "البربري" "التبريزي" !

ومن حسن الحظ أن اللوحة نقلت منذ 1964 إلى المتحف الوطني، وفي استطاعة كل واحد أن يرجع إليها ....

ولكي نجعل القارئ في الصورة ينبغي أن نذكر أن الذي نقش كلمات اللوحة المذكورة لم يكن مهتما بتنقيط جميع حروفه على ما سنرى.

ومعلوم أننا عندما نكون أمام كلمة من عدة أحرف قابلة للتنقيط، فإننا سنجد أنفسنا أمام افتراضات تتجاوز ثلاثمائة حالة يمكن أن نقرأ برثر – بزنز – بزيز إلخ ... تماما على نحو ما أثاره المستشرق الفرنسي دوسلان عن كلمة (عرفه) في مقدمته لكتاب المسالك والممالك لأبي عبيد البكري ....

لكنا في حالتنا هذه وجدنا من قام قبلنا، وفي ظروف معاصرة تقريبا، باجتهاد مبني على السماع المتواتر، وعلى مشاهدة أيضا في استطاعتنا نحن اليوم أن نقوم به، مع توفر اللوحة المحفوظة والمصورة المأخوذة .... وجدنا القاضي حسن تاج الدين يقرأ : التبريزي ... أي إنه – وهذا مهم جدا - أضاف حرفا خامسا على الأربعة ! أي أنه أضاف حرف التاء قبل كلمة بربر ... مع أن الكلمة التي أمام أبصارنا تحتوي على أربعة حروف وليس خمسة ... وتلك الأحرف الأربعة هي البربر وليس التبريزي كما نرى ! وهكذا تؤيد اللوحة ما يوجد عند ابن بطوطة ... فهل إن الانتماء الجغرافي للقاضي علاء الدين هو الذي كان وراء ذلك حيث كان يعرف عن بلاد تبريز ولم يكن يسمع عن البربر في بلاد المغرب؟ !

وجدير بالذكر أن النسخ المتعمدة التي بين أيدينا من رحلة ابن بطوطة تتميز جدا بين كتابة البربري (من أربعة أحرف) وبين كلمة التبريزي (من خمسة أحرف) التي وردت مثلا عند ذكر الشيخ جلال الدين التبريزي ...

ولابد لكي نستجلي الحقيقة أن نعرف أن أبا البركات البربري الذي تحدث عنه ابن بطوطة قدمه – كما علمنا – بصفتين اثنتين كانت الثانية منهما، على ما سبق أنه على مذهب الإمام مالك الذي أصبح منذئذ مذهب جزر مالديف إلى أن اجتاح البرتغال البلاد سنة 965=1558 فهناك تناثر عقد الفقهاء المالكية فمنهم من قضى نحبه ومنهم من فر بنفسه ... لقد كان البرتغاليون يجمعون المسلمين في شباك الصيد ويلقون في المحيط على نحو ما كان الاسبان يفعلون بالموريسكيين عندما يقومون بإحراقهم ! أقول : بعد ذلك الزلزال البرتغالي الذي ضرب تلك الجزر وبعد استرجاع المالديفيين لاستقلالهم تكونت أطر جديدة ولكن في الفقه الشافعي الذي عوض الفقه المالكي بعد طرد البرتغال من مالديف عام 981 = 1173 : وهكذا فإن الشيء الوحيد الذي سجلته الاتجاهات المذهبية في البلاد – على هذا العهد – هو استبدال المذهب المالكي بالمذهب الشافعي على ما لاحظه أيضا الأستاذ FORBES في دائرة المعارف الإسلامية ...

فماذا عن المذهب الفقهي للتبريزي الوارد في كتاب "التاريخ" هذا ما لم نجد له ذكرا أبدا عند القاضي حسن تاج الدين الذي أضفى على الشيخ "التبريزي " قرابة عشرين نعتا: القطب الرباني، السر الروحان، شيخ المشايخ، الورع الزاهد، الكامل، العالم، الفاضل، الشامخ، الولي، الكبير، الحلي، العارف بربه القادر العلي، مولانا، قدوتنا، عمدتنا، الشيخ شمس الدين.

كل هذه الصفات أضفاها عليه إلا صفة واحدة – وهذه ملاحظة هامة : كنية أبي البركات التي وردت في مصدرين معاصرين : اللوحة الخشبة المنقوشة التي ذكرته مرة واحدة، ورحلة ابن بطوطة التي ذكرته عشر مرات كما أسلفنا.

وإذا كان لقاضي ابن بطوطة أورد قصة العفريت البحري (أو القرصان كما سميناه) سببا لاقتناع سلطان ماديف، فإن القاضي حسن تاج الدين يذكر قصة أخرى ربما كانت أقرب إلى الأسطورة إلى الحقيقة !

وهكذا نستمع إلى القاضي يحكي أنه "أي التبريزي ؟ أراهم دابة عظيمة هائلة يكاد رأسها يلصق عنان السماء فخافوا منها خوفا شديدا فآمن السلطان ومن معه ...

وهكذا نجد أن الرواية – وهي  تتحدث عن "الدابة" لكأنما هي مقتبسة مما يحكيه كتاب بألف ليلة وليلة عن الرخ ! 
ويلاحظ أن صاحب كتاب "التاريخ" الذي اقتنع من أول الأمر بقراءته في النقش : التبريزي (من خمسة حروف) عوض البربري (من أربعة حروف) ظل مصرا في غصون تأليفه يردد كلمة لتبريزي إضافة التاء.

وإني على مثل اليقين من أن المصدر الوحيد للقاضي حسن تاج الدين في اعتماد "التبريزي" إنما هو اللوحة التي قرأها خطأ ولم يلبث أن أقتنع بذلك الخطأ على أنه هو الصواب !

ومن هنا ظل الشيخ سامحه الله ! يردد اسم التبريزي في غضون تأليفه تسع مرات على الأقل !!

وإذا كان في استطاعته كل واحد أن يقف اليوم على نقش اللوحة ذات الأسطر الثلاثة ليتأكد من أمر زيادة حرف التاء على الأحرف الأربعة الموجودة في الأصل، فإنه مما لا يقبل في عرف الأكاديميين ورجال البحث العلمي أن يقوم أحد بانتساخ هذه اللوحة في خمس سطور عوض ثلاثة، وبطريقة محرفة توحي بأنها طبق الأصل ثم تغرز في السجد الجامع في مكان غير مكان الذي كانت فيه اللوحة الأصلية الأولى التي رحلت نهائيا إلى المتحف عام 1964 كما أسلفنا ... أكثر من هذا وأمعن في التحريف والتزييف أن نرى هذه اللوحة الجديدة ترسم التبريزي بنقطة الثمان أخطر من هذا وأدعي إلى الاستغراب أن نرى كنية أبي البركات التي في اللوحة القديمة تتحول في اللوحة الحديثة إلى أبي الركاب !! ومن يدري فقد تتحول فيما بعد إلى أبي التركات !! يضاف إلى  كل هذا التصرف، أن التاريخ عوض أن يكتب بالكلمات كما كان الحال في اللوحة الأصلية : (ثمانية وأربعين وخمسمائة) كتب بالأرقام الهندية هكذا 548.

وينبغي أن نذكر هنا أن هذا التحريف لم يقتصر على هذه اللوحة ولكنه تجاوزه إلى قطعة أخرى كتب فيه الاسم محرفا بل ومحركا مشكولا كذلك بالكسرة المشددة، على الراء في الركاب والفتحة المشددة على الثاء في التبريزي هذا :

ولقد أدركنا الدافع الذي حدا بمحرر الرحلة ابن جزي  إلى تكرار نعت (المغربي) والمغاربة عشر مرات ... ولكأنه كان يتوقع أن تختلط كلمة البربري على بعض السادة اللاحقين ... إن إضافة نعت (المغربي) إلى لفظة البربري كانت تعني توثيقا مسبقا يرفع كل التباس بل إنها – وقد كتبت في ظروف معاصرة تماما لبناء الجامع – تكسبنا عنصر آخر نستدل به في المطالبة بالحق التاريخي ! 

 وهكذا فمنذ تلك الأيام التي كان حديث المجالس فيها إنما هو المسجد الذي شيده شهاب الدين، فمنذئذ كان حديث الخاصة والعامة عن البربري والمغربي وليس عن التبريزي الفارسي أو التركي !

لقد نظم لقاء دولي من طرف مركز الدراسات التكميلية ( Integrative Studies) في مدينة دورانكو كولوراضو (Durango Colorado) حول موضوع بدا غريبا لأول وهلة، مستقبل الماضي : (The Futur Of The Past)  هل يقصد إلى التأكيد على أن الماضي قوة حية للمستقبل؟ أو أن القصد إلى الحديث عن الأخطاء التاريخية التي اكتشف اليوم من الوثائق ما يصححها ... أو هل يتساءل عن جدوى الاهتمام بالماضي في مستقبل زاخر بالمعطيات ؟

ذكرت هذا وأنا أقف على هذه الحالة الجديدة : أي إن مؤرخا حاضرا يفوته أن يقف على تاريخ وثق ثم يجرؤ على تقديم معلومات إلينا لا تتفق مع الحقائق المنقوشة والمكتوبة قبله بنحو أربعة قرون ... !

5) السلطان شهاب الدين

هذا السلطان شهاب الدين أحمد بن أبي الفتح جلال الدين عمر بن صلاح الدين البنجاني، تذكر اللوحة التي توجد بين أيدينا أنه هو الذي أصدر – خلد الله ملكه – الأمر للوزير شنورزاه بتوسعة المسجد في شهر ذي الحجة 738 هـ 1339م.

هذه هي المعلومة التاريخية التي نقشت على اللوحة الأصلية في سطريها الثاني والثالث. ومن الملفت للنظر حقا أن نجد تعليقا في هامش الصفحة (35) من المخطوط، وهي الصفحة (13) من المطبوع يقول التعليق الذي كان يوثق المعلومات عن شهاب الدين : إنه أولا هو الذي بنى المسجد الجامع المذكور، ثانيا وأنه فرغ من بنائه في ذي الحجة سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة، وثالثا إنه شيده بعدما "قدم" بناء مسجد السلطان العادل درمس محمد بن عبد الله ...

فماذا عن السلطان شهاب الدين وماذا عن فترة حكمه، في تاريخ القاضي تاج الدين؟

إن شهاب الدين هذا إنما تولى السلطنة، حسب القاضي تاج الدين، في عام 741 = 1341 بعد وفاة والده السلطان أبي الفتح جلال الدين .. !

فكيف يمكن التوفيق بين بنائه المسجد عام 738 = 1338 عندما كان يدعي له بكلمة : "خلد الله ملكه" وبين عدم ظهوره على المسرح السياسي إلا بعد ذلك التاريخ بثلاث سنوات، أي عام 741 = 1341 ؟ !

ثم ماذا عن السلطانة خديجة بنت السلطان أبي الفتح التي تولت الحكم عام 740=1340 بعد إقصاء أخيها لأبيها  شهاب الدين في أعقاب فضيحة سجلت عليه  خديجة التي زار الرحالة المغربي مالديق في أيامها مرتين اثنتين بإجماع الذين كتبوا عن ابن بطوطة : زارها سنة 744 = 1344 ثم زارها أواخر عام 745، أو أوائل 746 عندما عاد ليتفقد ولده  الذي خلفه هناك.

وقد قام ابن بطوطة في جزيرة (هللي) التي أصبحت اليوم هي بالذات مطار العاصمة

هذا بينما السلطانة خديجة أو (O REHENDHI KARAIDHI KILEGRE) كما يسميها القاضي حسن تاج الدين لم تتول الأمر – عند هذا القاضي – إلا عام 748 بعد مغادرة ابن بطوطة لمالديف بنحو من ثلث سنوات ؟ !

لقد كان ابن بطوطة يحكي عن أيام السلطانة خديجة ... وعن زوجها الوزير الأعظم جمال الدين الذي عين وزيرا أول بمقتضى مرسوم ملكي كتب على ورق النارجيل بواسطة نصل حديدي على ما هي العادة التي تقتضي أن يخصص الكاغد لكتابة القرآن الكريم، هذا الوزير الأعظم الذي كان صديقا مقربا للرحالة المغربي الذي سمعت به السلطانة خديجة كقاض كان في خدمة الملك محمد تغلق (Tughluq). لقد تجلى من غضون رحلته أنه كان يعمل جيدا بنصيحة رحالة مغربي قبله هو الفقيه القاضي أبو بكر بن العربي في  تأليفه : كتاب الرحلة ... نعمت المعرفة التعرف بالسلطان والتشرف به عند التغرب عن الأوطان ... فإذا ما أخذنا بعين الاعتبار فقد رواه صاحب "التاريخ" فإن ابن بطوطة ربما كان يرى الخيال ويعيش مع الخيال ويسمع الخيال ...!  لقد تذكر ابن بطوطة بعد عودته للمغرب حتى التعبير الذي كان يدعو به الخطيب يوم الجمعة للسيدة الأولى ومالديف، على نحو ما كان يدعى للسلطانة شجرة الدر ... "اللهم انصر أمتك التي اخترتها على .... العالمين وجعلتها رحمة لكافة المسلمين ألا وهي السلطانة خديجة بنت السلطان جلال الدين بن السلطان صلاح الدين".

فهل نصدق اللوحة وهي معاصرة ونصدق ابن بطوطة وهو شاهد عيان أو نصدق القاضي تاج الدين الذي يتحدث عن الموضوع بعد نحو من أربعة قرون؟ !

ولقد تنبه الباحث الياباني (هيكوايتش يا جيما) الذي تطوع مشكورا بتحقيق "تاريخ إسلام ديبا محل" للقاضي حسن تاج الدين .. تنبه لبعض الهفوات التاريخية الرئيسية فحذر القراء من الاعتماد الأعمى على كل ما ورد في هذا التاريخ" ....

وهكذا وجدناه، هو الآخر، يعلق على ما ورد في كتاب "التاريخ" عن أن وفاة الوزير الأعظم جمال الدين زوج السلطانة خديجة كانت بعد مرور ست عشرة سنة من تملكها أي أن الوزير توفي سنة 764 = 1363 ، إن الوفاة كانت عن طريق إجهاز السلطانة على زوجها الذي حاول أن يغتصب منها الحكم ... يعلق على هذا مذكرا بأن ابن بطوطة هو على ما قلنا قريب من الساحة والساعة يذكر أن وفاة الوزير تمت سنة 745 = 1344 وبصفة طبيعية ... حيث إنه توفي عنها وهي حامل ... إلى آخر المعلومات التي قدمها.

أكثر من هذا وجدنا الأستاذ (هيكوايتش يا جيما) يستدرك قائلا : يظهر أن التواريخ المقدمة من لدن القاضي حسن تاج الدين ليست مضبوطة، وأنه لكي نعتمد على تلك المعلومات – يجب علينا أن نستشير المصادر  الأخرى ... ويضرب الأستاذ ياجيما مثلا على ذلك بما ورد في كتاب الفرائد المنظمة في أخبار الحاج وطريق مكة المعظمة لمؤلفه الشيخ عبد القادر بن محمد بن عبد القادر بن محمد الأنصاري الجزيري (ت 771 = 1370) من وصف لوصول السلطان حسن بن أبي بكر بن حسن الهلالي إلى مكة بتاريخ 838 = 1434 – 35 .... وليس سنة 871 = 72 = 1467 كما ورد في كتاب "التاريخ" ورغبة في إعطاء توضيحات أكثر ساق ذ. يا جيما نص كتاب الفرائد على هذا النحو :

"الملك الناصر حسن ابن أبي بكر بن حسن بن بدر الدين دمرة التي تسميها العامة ديبة، وهي جزيرة في البحر تجاور سيلان حج في سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة.

وفي مقدمته بالإنجليزية للجزء الثاني ذكر يا جيما أن حدث تاج الدين كان موجزا وأنه أقرب إلى لائحة أسماء منه إلى التاريخ، وأن التواريخ المقدمة ليست مضبوطة على ما يبدو وخاصة في الفترة التي تسبق اجتياح البرتغال للجزر المالديفية يعني فترة اعتناق الإسلام وفترة مقام ابن بطوطة في الجزيرة ...

ويكرر (ياجيما) التنبيه إلى التأكيد من المعلومات التاريخية المقدمة من لدن القاضي تاج الدين، وذلك باستشارة سائر المصادر الخليقة بالإستشارة سواء داخل مالديف من تأليف وحجم وقف، سواء منها المنقوش أو المخطوط علاوة على المراجع العربية التي يذكر الإدريسي السبتي وابن بطوطة لطنجي في صدرها. 

... هذا طبعا إلى المصادر الأجنبية وفي صدرها المؤلفات والتقارير الأوروبية والخاصة وهي كثيرة وكثيرة جدا ... وبخاصة منها مؤلفات الدول التي كانت لها صلة بمالديف انطلاقا من البرتغال وانتهاء بإنجلترا ....

6) الوزير شنورازه

وقد كان الشخص السادس من الذين تضمنتهم اللوحة المنقوشة اسم الوزير شنورازه (Raja) شرف الدين علي بن أبي الفرج الصلاحي، وهو الذي صدر له الأمر من لدن السلطان شهاب الدين أحمد بن السلطان أبي الفتح جلال الدين بن عمر الصلاحي ... وهذا أيضا من الشخصيات التي لم تجد مكانا أبدا في كتاب "التاريخ" بل وحتى على الهامش الذي ألحق بالصفحة 35 من التأليف التي تتحدث عن السلطان شهاب الدين ...

الألقاب الفخرية والكني

وقد تضمنت اللوحة عددا من الألقاب والكنى فيها ما يرجع لأصل عربي ومنها ما يرجع لأصل ديبي إذا صح التعبير.

السلطان : في اللغة من السلاطة بمعنى القهر، ومن هنا أطلق على الوالي، وهو أصلا من اللغة الأرامية والسريانية.

ويوجد في أوراق البردي العربية منذ القرن الأول الهجري، مثلا، خراج السلطان وبيت السلطان ويقصد به سلطة الحكومة والوالي أو الحاكم، ومن ثم صار يطلق على عظماء الدولة، وقد استعمل لأول مرة في عهد هارون الرشيد ويذكر القلقشندي في الصبح أن لقب "السلطان" لم يصبح لقبا عاما إلا بعد أن تغلب الملوك بالمشرق، مثل بني بويه، على الخلفاء واستأثروا بالسلطة دونهم وبذلك اتخذوا لقب "السلطان" سمة عامة لهم ...

وكان لفظ السلطان في كتب الفقه يشير إلى الحاكم من حيث هو ولو كان قاضيا حتى كان يقال فيمن ليس لها ولي خاص : يزوجها السلطان 

وقد أطلق السلطان في المراجع التاريخية المغربية على يوسف بن تاشفين، وها نحن نسمع استعمال هذا اللقب بالنسبة لحكام جزر مالديف قبيل أن يمنح اللقب في المشرق لصلاح الدين عام 570 هـ .

الوزير : من ألقاب الوظائف، ويرد ضمن ألقاب الوزراء من العسكريين والمدنيين على السواء ... ولما كان هذا اللقب يستعمل لكل من الصنفين، كان يرد معه لقب آخر يحدد الطائفة التي ينتمي إليها صاحب اللقب على ما نجده هنا مثلا عندما أضيفت إلى الوزير لفظه شنوراجا ...

وقد دخل لفظ الوزير في تكوين بعض الألقاب المركبة ... مثل وزير الدولة أو وزير الوزراء ...

ومن الألقاب السياسية الغير العربية الواردة في اللوحة ... كلمة (درمس) التي تعني لقب العادل، ومعلوم أن العادل من ألقاب الملوك ونحوهم من ولاة الأمور، وهو من أعلى الصفات لهم، وقد أطلق لقب العادل أول الأول على أبي العباس مأمون بن مامون خوارزم شاه في نص إنشاء بتاريخ سنة 401 هـ.

على منارة مرجانية ... وقد خلى الأمير كلو (kalo) أخو السلطان محمد بن عبد الله بكلمة سيري (SIRI) التي نجدها ملازمة أبدا لكل أسماء السلاطين والأمراء الذين تعاقبوا على الحكم في هذه البلاد، وكأنها تعني (سيدي) بالاصطلاح المغربي أو (مولاي) أو أنها تعادل وصف الأمير وقد تقدم تفسير ماذا تعنيه كلمة شنورازه أو شنوراجا كما تهجى عند بعض الباحثين من المنطقة، ومعلوم أن كلمة (RAJA) كذلك من الألقاب الأميرية ...


 
     

مزيد من المعلومات
الإسم

اللقب
اتركوا رسالتكم هنا
البريد الإلكتروني
الهاتف
يرجى إدخال الرموز كما تظهر في الصورة أدناه *