الصين بين الأمس واليوم  
 

كان قلم التحرير في جريدة "العلم" صادقا في تعليقه على صورة نشرتها الجريدة بتاريخ 16 مارس 2010 رفقة  السفيرة الصينية بالمغرب السيدة تشو تينغه

 XU JINGHU   عندما قال: "إن ابن بطوطة ضرب موعدا للدكتور التازي مع سفيرة الصين".

فعلا زارتني وكان الحديث يدور حول صيت الرحالة المغربي ابن بطوطة في الصين، وحديثه المتميز عن الصين في رحلته "تحفة النظار"، وقيام أحد رجال الاستشراق في بيكين، مؤخرا بترجمة الرحلة ترجمة كاملة للغة الصينية، معتمدا في ذلك العمل على النسخة التي نشرتها أكاديمية المملكة المغربية بتحقيقي عام 1997...

لقد قرر المستشرق الصيني الأستاذ (لي قوانغبين) - وهو عضو مراسل في مجمع اللغة العربية بمصر – قرر أن يترجم الرحلة إلى الصينية بكاملها نظرا لأهميتها واعتبارا لما تتمتع به من مصداقية... وبما أنه احتار حول: أي النسخ المطبوعة يعتمد، هل ما صدر في مصر، أو لبنان، أو المغرب، وكل فيه ما فيه! لهذا كان حصيفا عندما كاتب وزارة الخارجية بالمغرب ليستمزج رأيها، وكاتبت الوزارة أكاديمية المملكة المغربية التي نصحت باعتماد النسخة التي نشرتها الأكاديمية عام 1997 على ما أسلفنا.

وهكذا فإن زيارة السيدة السفيرة كانت حول هذا التراث المغربي العظيم الذي لم يعد ملكا لنا وحدنا في المغرب، ولكنه عاد تراثا عالميا يهم تاريخ كل الدول التي زارها ابن بطوطة والتي كانت الصين منتهاها حيث نقف على معلومات جد هامة عن العبقرية الصينية، ونقف على مظاهر حضارية ذات أهمية بالغة لم يقدمها مؤرخ عن الصين بمن في أولئك: المسعودي في موسوعته: (مروج الذهب)وياقوت الحموي في مدونته: (معجم البلدان)... والوزير رشيد الدين في تأليفه باللغة الفارسية: (جامع التواريخ)..

وقد انتهت هذه الاتصالات إلى دعوة كريمة من السيدة السفيرة لزيارة الصين، ولا سيما أن هذه الفترة تصادف تنظيم المعرض الدولي الكبير الذي شهدته شانغهاي على مدى ستة أشهر ابتداء من أول ماي  إلى نهاية أكتوبر 2010.

لقد أسهم قادة العالم، كل حسب استطاعته، في التظاهرة الكبرى التي شهدها هذا الثغر الصيني الذي يقع على المحيط الهادئ، والذي يحمل اسم (شانغهاي)،تتألف(شانغ هاي) من كلمتين، تعني قوق البحر، لم يكن لها شأن يذكر في الماضي، وإنما كانت قرية للصيد، لكنها انتقلت إلى مدينة تعج بالآلاف من ناطحات السحاب على اختلاف الأشكال والأحجام والأثمان...

وقبل منتصف القرن السابع عشر كانت ساكنتها تصل إلى مائتي ألف نسمة...

وقد بنيت المدينة من لدن الغرب الذين احتلوها واستعملوها قاعدة للتجارة في الحرير والشاي والأفيون، وأمست وكرا للتنافس بسبب وجود العشرات من الذين يتجرون في مثل هذه الصناعات! وأصبح في استطاعة الأجانب أن يعيشوا فيها دون مضايقة من رجال السلطة...

وفي الوقت الذي عكفت فيه الصين على نفسها خلال السبعينات من القرن الماضي فقدت (شانغ هاي) مكانتها الاقتصادية، وكان عليها أن تنتظر التسعينات لتسترجع مكانتها كمدينة كبيرة على مقربة من هانك زهو Hangzhou  المدينة العظمى التي وصلها الرحالة المغربي في العصر الوسيط وهو في طريقه إلى القان الأعظم، حاملا جوابا من سلطان الهند على خطاب القان عام 743 ھ 1341م. 

 هذه المدينة العظيمة التي سماها ابن بطوطة بالخنساء على نحو ما التقطته أذناه، وتساءل: هل ما إذا كان للاسم علاقة بالشاعرة العربية الشهيرة الخنساء! هذه المدينة التي كانت حسب رأي الخبير الصيني في الأسماء الجغرافية زميلنا في المؤتمر العالمي للأسماء الجغرافية البروفيسور دوكسيانكينك، هي مدينة هانك زهو Hangzhou .

 وهي المدينة التي تعتبر - منذ التاريخ الوسيط - عاصمة لبلاد الخطا على ما يذكره الوزير رشيد الدين سابق الذكر، ويذكر الرحالة ابن بطوطة في رحلته.

كان برنامج زيارتي للمدينة حافلا  بالتحركات التي حسنت وحينت – بعض الشيء - معلوماتي عن الصين التي كنت قمت بزيارة أولى لها صيف عام 1980 عندما عزمت على القيام بجولة حول العالم من هونك كونغ إلى سان فرانسيسكو... وقد قمت بزيارة ثانية للصين عام 1988 رفقة وفد ترأسه الأستاذ محمد بنعيسى وزير الثقافة وقتئذ بمناسبة توقيع البرنامج التنفيذي للاتفاقية الثقافية بين المغرب والصين﴿ ﴾.

وقد رأيت أن يشركني في هذه الزيارة الثالثة للصين التي تعددت جوانب المتعة فيها، أن يشركني قرائي من الذين يؤمنون بجدوى الرحلات على تنمية المعلومات في عصر ازدهار المواصلات...

جل الفوائد بالأسفار مكتسب * والله قد قال (فامشوا في مناكبها)!

لا أتحدث، عن المسافات، فقد أصبحت بفضل ما جد من تنافس بين الشركات، معدودة من بين "الكرامات" إن لم أقل "المعجزات"! لقد كان على ابن بطوطة أن يقطع المسافة بين الصين والمغرب في ستة عشر شهرا تعددت فيها المواسم والفصول... بينما تم قطع المسافة بين مطار (كازا بلانكا) ومطار (شانغ هاي)  (PUDONG) في ست عشرة ساعة!! وعلى طائرات ضخمة تابعة لدولة الإمارات العربية المتحدة، تتوفر على ما يسمى اليوم (سويت) وعلى (دوش) كذلك...! تقاسمت الطريق مع طائرة أخرى عند الوصول إلى دبي...

المعلومات عن الطائرة أودعتها مؤلفي حول (رحلاتي بالطائرة) التي بلغت اليوم ألف ومائتين وست وتسعين رحلة!!

بعد راحة في شانغهاي بفندق كاطرسيزون (QUATRE SAISON ) امتدت إلى صباح الثلاثاء 12/10/2010 قصدنا (متحف شانغهاي)، ولا أقول متحفا بالمفرد ولكنه متاحف عدة، فهو يحتوي على أدوار، وكل دور يختص بنوع من أنواع المعروضات... هنا أقاليم الصين التي تتكون من 56 قومية!

هنا نقود الصين كما كانت، ومنها العملة الورقية التي تحدث عنها رحالتنا ابن بطوطة!!

هنا أدوار خاصة بالخزف الصيني مرتبة حسب الدول التي تعاقبت على حكم الصين... مع العلم أن كل دور له أكثر من مرشد ومرشدة وله دليل مطبوع لمحتوياته بمختلف اللغات...

كنت أشعر بأنني بحاجة ماسة إلى الوقوف على هذه الزوايا وأنا أتتبع ما قرأته عن الصين وعن تلك المعالم والعوالم، كنت أشعر بالفرحة وأنا أقارن وأفارق بين ما نراه خلف الزجاج وما عرفناه عن الصين عبر الكتب...

تكون زيارة متحف شانغهاي ضرورية لكل من يريد التعرف على الصين، فهو نافذة على تاريخ الأمس، وواقع اليوم، وتطلعات الغد، وكان اللافت للنظر عندي أن أستعرض هذه الحشود الكثيرة التي تحمل قسمات وجوهها إشارات على أنها آتية من الصين نفسها ومن دول الجوار للبحث عن الذات، وهناك حشود من أوروبا وأميركا أتت للوقوف على هذه المعالم وهذه الآثار في الصين التي انفتحت اليوم على الدنيا!!

كنت في هذه الجولة أرتدي اللباس الوطني: الجلابة المغربية ويا ما أبهاها! وكنت إلى جانب هذا أركب كرسيا متحركا يستعين به "ذوو الاحتياجات الخاصة"، يعفيني من خطوات طويلة لا أستطيعها، فكنت أثير انتباه بعض الزائرين والزائرات من الذين لا يترددون في السؤال عن جنسيتي حيث كنت أغتنم الفرصة بدوري لمعرفة أصولهم ومصادرهم! وكنت بفضل هذا الكرسي المتحرك أسلك مسالك لا يسلكها القادرون فكنت أكتشف أيضا بذلك مدى 

قدرة المشرفين على مساعدة كل الزوار... وكنت أكتشف مدى هيمنة أهل الصين كذلك على ضبط النظام في هذا المتحف الذي يعتبر القلب النابض للحضارة الصينية عبر العصور.

وقد كان من المفروض أن نتناول طعام الغذاء في (مطعم اسطامبول) لولا أنه كان في حال تصليح حيث اختارت لنا السيدة المرافقة مطعما ذا طابع شرقي كذلك، يحمل اسم (ألف ليلة وليلة) يشرف عليه أحد السادة من أصل سوري... وهناك التقينا بوفد ورد من تهران فتذكرنا ما كنا نحفظه من كلمات فارسية...!

 وبعد قيلولة قصيرة اتجهنا إلى زيارة إكسبو شانغهاي الذي كان المقصود بالذات كما تقول عبارة الفقهاء، وعلى الأخص الرواق الصيني والرواق المغربي...

كانت زيارة المعرض تحمل إلينا مفاجئات إثر مفاجئات... وخاصة عندما كنا نسمع من السيدة المرافقة العارفة، كنا نسمع الأرقام اللافتة والصادمة، أولا لمساحة المعرض التي كانت تعدها لنا بالكيلومترات وليس الميترات! وخاصة مساحة الرواق الصيني التي كانت تفوق سائر المساحات وخاصة منه القسم الثقافي الذي كان يغطي أرضا شاسعة...

 وقد انتصب في قلب المعرض شبه صاروخ على لون أحمر في شكل ميزان حرارة كبير ظهرت فيه أحوال الطقس لذلك المساء! استقطب المعرض أكثر من 192 دولة و 50 منظمة دولية على رأسها منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن...

وقد كان علينا أن نخصص رواق المملكة المغربية بزيارة مستوعبة... استقبلتنا السيدة (مريم) التي فاجأتنا بأنها تتحدث اللغة الصينية بطلاقة وكأنها من مواليد شانغهاي!! وقادتنا السيدة مريم إلى السيد مصطفى المدير المساعد للجناح الذي  بواسطته تعرفنا على زوايا المعرض... التي كانت تعطي فكرة دقيقة عن حوايا هذا القصر الجميل الأنيق الذي شيدت مرافقه في ظرف سنة واحدة، والذي كان يستحق كل ضروب التنويه والإشادة... كان الجناح المغربي يمتد على مساحة ألفي ميتر مربع، وفي أناقة لافتة!

لكن ما بهرني حقيقة وشعرت إزاءه باعتزاز كبير هو هذه الوفود المتوالية التي كانت تتهافت على باب الرواق المغربي وعلى كل زواياه ومنعرجاته التي كانت تمثل مختلف أوجه الحياة المغربية، فهنا نماذج من المخطوطات المغربية، وهنا مهنة تجليد الكتب ،وهنا سائر الصناعات، وسائر أنماط الموروث الثقافي، وسائر المنتوجات الفلاحية... عرفنا عن الزيوت بما فيها زيت أركان "كنز المغاربة" كما ينعتها العلامة الشهير ابن البيطار، وكنت ألاحظ الزائرين يشعرون بالمتعة وهم يقفون على ما تصنعه الأيادي المغربية من تحف وطرف، إلى جانب هذا ما تؤديه الصور والرسوم من دلالات وحمولات، لقد ضرب الصناع المغاربة المثل في الإبداع والإمتاع... كانوا يخلقون من الخشب ومن الجبس ومن الزليج لوحات فنية رائعة...

كان ظفر الجناح المغربي بترتيبه في الدرجة الثالثة من بين الفائزين في هذا الاستحقاق بعد الصين وبريطانيا مما دعاني إلى الاتصال مع بعض المحكمين في أمر هذا الترتيب، وكان مما أثلج صدري أن أسمع أن أهم رسالات (إكسبو شانغهاي) عند الصين هي تحسيس الناس بقيمة البيئة والحفاظ عليها، وقد كان رواق المغرب أصدق معبر عن بيئته، دون دعاوي لا تعبر عن واقع البيت المغربي، لقد حرص المغرب فعلا على أن يظهر بصدق أمام العالم بما يتوفر عليه من تراث كان أسلافه يحافظون عليه بغيرة طوال العصور.

بعد هذه الجولة الممتعة في رواق المغرب قدمت إلينا البعثة المغربية عددا من النشرات إلى جانب الشريط الخاص بالجناح D.V.D وزودتنا بمظلاتها الحمراء التي تحمينا من زخات المطر الذي كان يداعبنا!

لقد ساعدتنا البعثة المغربية على زيارة بعض الأروقة للدول الشقيقة والصديقة حيث قمنا بزيارة عدد من الرواقات التي كانت محل إعجاب، وأذكر بالخصوص رواق المملكة العربية السعودية التي برهنت على أنها ليست فقط ملاذا للحجاج والمعتمرين، ولكنها أيضا مصنع للمفكرين والمبدعين وبناة المستقبل الذين يعدون لحاجيات الغد...!

لم يكن رواق المغرب ولا الصين ولا السعودية مما تمكنا من زيارته، ولكننا زرنا رواق دولة الإمارات العربية المتحدة الذي شعرت بالرغبة في رؤية معرضها نظرا لما يربطني بالإمارات التي كنت أول سفير مغربي يحل بمدرج "مطارها" في أبو ظبي عام 1970 – 1971 على "طائرة" ليست في ملك أصحاب البلاد!! حللت لرفع دعوة كريمة من العاهل الراحل الملك الحسن الثاني إلى الشيخ زايد بن سلطان رحمه الله... زرت رواق الإمارات بدافع من فضول لأعرف الفرق بين أمس الإمارات وحاضرها الذي يسجل كل يوم خطوات قافزة إلى الأمام، وقد أشرت قبل قليل إلى "طائراتها" التي أقلتنا من البيضاء إلى شانغهاي...

وزرنا أيضا رواق فرنسا حيث أمسينا نعيش في عالم آخر بلغته الخاصة ومخترعاته الجديدة، إلى جانب أروقة أخرى سمح الوقت بإلقاء نظرة خاطفة عليها...

وكان العزم أن نستمر في الزيارة لكن وقت إغلاق المعرض حان، ولا بد لي أن أفتح قوسين هنا لأشيد مرة أخرى إشادة مستحقة بالمنظمين وبالمشرفين على منافذ ومواقع هذا المعرض العملاق الذي كنا نتجول فيه بسهولة فائقة رغم دروبه ومسالكه...

وأنا أرى حضور المغاربة في إكسبو شانغهاي متحدين بعد المسافات وتعدد اللغات، استحضرت حرص بلادنا، قبل أكثر من قرن ونصف القرن، أيام الملك محمد الرابع على أن تشارك في المعارض الدولية تعبيرا منها على التطلع الذي كان يسكنها لمواكبة الركب العالمي حيث تذكر الشيخ الناصري صاحب الاستقصا قول المتنبي:

تجمع فيه كل لسن وأمة * فما تفهم الحداث إلا التراجم!!

كان ذلك المعرض في أوروبا برئاسة القباج قبل أن ينعقد معرض آخر أيام الملك الحسن الأول عام 1878 برئاسة المزامزي...

وكان اليوم الموالي: الأربعاء 13/10/2010 هو اليوم الأكاديمي الذي كان ينتظرنا والذي أعدته السيدة السفيرة بالتشاور مع جامعة شانغهاي:

 لقد كان علينا أن نرحل بالسيارة إلى (معهد الدراسات الدولية لشانغهاي) للاتصال بخبراء المعهد والمحادثة معهم حول الشؤون التي يهتم بها المعهد، وخاصة العلاقات العربية الصينية، بمشاركة ثلاثة من خبراء المعهد المذكور...

ولا بد أن أذكر هنا أن معهد الدراسات الدولية هذا أسس بمبادرة من الرئيس الصيني شوأن لاي الذي عرف بأنه يهتم بعلاقات آسيا بإفريقيا، هذا الرئيس الذي لا ننسى أنه زار المملكة المغربية بعد استرجاع استقلالها حيث وجدنا أن الملك الحسن الثاني يخاطبه يوم 27 دجنبر 1963 بخطاب هام أشاد فيه بالعلاقة التاريخية التي تربط بين البلدين الصديقين مذكرا بالرحالة المغربي ابن بطوطة الذي - قدم في العصر- الوسيط وصفا جيدا للصين العظيمة التي يحتفظ لها المغرب بذكر جميل، مؤكدا أيضا برغبة المغرب الصادقة في التعاون بين البلدين... 

وقد أجاب الرئيس شوأن لاي بخطاب هام كذلك أشاد فيه بنضال المغرب قمة وقاعدة من أجل استرجاع استقلاله مشيرا لدعم المغرب للمؤتمر الأول الأسيوي الإفريقي الذي انعقد في باندونك عام 1955 والذي حضره الرئيس الصيني، والذي نذكر أن ممن شارك فيه من رجالات العالم الزعيم  المغربي علال الفاسي.

ولم يفت الرئيس الصيني أن يذكر أن الملك الراحل محمد الخامس هو الذي قام 1961 باتخاذ المبادرة الداعية إلى المؤتمر الإفريقي الأول بالدار البيضاء الذي حضره ستة رؤساء دول إفريقية، وكانت هذه المبادرة في الواقع دعما للسلام العالمي وإسهاما في بناء الجسور بين القارتين أسيا وإفريقيا.

وبعد أن أشاد الرئيس الصيني شوأن لاي بالعلاقات الدبلوماسية بين المغرب والصين التي فاجأت بعض الجهات والتي شهدها العالم منذ عام 1958 بإعجاب كبير، تمنى للمغرب كل ازدهار وتقدم...

ولعل من الطريف أن نسمع أن الرئيس الصيني المذكور أعرب عن أمنيته في زيارة طنجة تحية لهذه التربة التي أنجبت ابن بطوطة الذي كان أسبق العرب للتعريف بالصين!!

لقد استحضرت تلك المرحلة الحساسة من تاريخ العلاقات بين المغرب والصين لأنني كنت أحل ضيفا على رجال معهد الدراسات الدولية الذي أنشأه ذلك الرئيس المذكور والذي صادفنا الاحتفال بذكرى إنشائه قبل خمسين سنة...

فماذا عن هذا الصرح العلمي الذي تعتمد عليه جمهورية الصين في أطرها الدبلوماسية؟

لقد علمت من الأساتذة الأجلاء أن رئيس المعهد يوجد خارج البلاد، وأن الذي سيتولى تقديمي لأركان المعهد هو نائبه الأستاذ شين دونك سياو   (Chen Dongxiao)

ولقد سرني أن أجد هنا أستاذا جليلا كنت تعرفت عليه في ندوة الحوار بين الحضارتين العربية والصينية التي انعقدت برئاسة زميلنا الأستاذ عبد الوهاب بوحديبة في (بيت الحكمة بتونس) في مايه 2009، كان هذا الأستاذ هو السيد لي وي جيان LI WEIJIAN ...

وقد تطرقنا: نائب الرئيس وبعض السيدات والسادة للحديث حول المؤسسات المماثلة في المغرب، حيث ذكرت أكاديمية المملكة المغربية التي استقبلنا فيها عصر يوم 30 شتنبر 2003 بعثة للعلوم الاجتماعية يرأسها مدير معهد دراسات غرب آسيا وإفريقيا...

 وتبادلنا الهدايا، وكان فيما أهديته للمعهد المذكور الترجمة الانجليزية لتأليفي الأخير:  "الوسيط في التاريخ الدولي للمغرب" في ثلاث مجلدات.

وقد فهمت أن المعهد المذكور الذي أسس - كما قلنا منذ عام 1960 - يهتم بكل ما يتصل بعلاقات الصين مع أطراف العالم وخاصة إفريقيا وآسيا، وأن أطره تهتم، في صدر ما تهتم به بتكوين تراجمة أكفاء لا يهتمون فقط بترجمة الكلمات والعبارات ولكنهم يتعمقون في الموضوعات المتصلة بالقارتين حتى يكونوا على خبرة تامة بما يريدون إبلاغه، أو يتوقعون سماعه... إن المعهد يساعد الحكومة على معرفة ما تريد معرفته عن "الآخر" في آسيا وفي إفريقيا مثلا... من حيث الإستراتيجية والمواقف السياسية المتبعة إزاء ما يجد في العالم اقتصاديا، أمنيا، كذلك فإن المعهد يساعد الصين بالنسبة لعملها الدبلوماسي، فهو يجعل هذه المعلومات رهن إشارة الحكومة المحلية والمركزية، هذا إلى تبادل المعلومات والأبحاث على صعيد الداخل والخارج، لصالح المعرفة المضبوطة المنشودة من أجل التخطيط للمشاريع  ذات المدى الطويل والمتوسط.

وباختصار فإن المعهد يكون وسيلة للتواصل بين الصين وبين أجهزة المعرفة في الداخل والخارج، وهو أي المعهد يتوفر اليوم على أكثر من تسعين عضوا من بينهم أكثر من ثلاثين باحثا وباحثة من درجات عالية...

وقد كان علينا بعد تبادل الحديث في صالة الاجتماعات مع الأساتذة الذين عهد إليهم بتنشيط الحديث حول العلاقات بين الصين والعرب... كان علينا أن نتجول في المكتبة الفسيحة الغنية بالتآليف التي تحتضنها الرفوف.

ويلاحظ أن لغة الحديث - بالرغم من الإلمام  باللغة العربية - كانت بالانجليزية بالدرجة الأولى أو الفرنسية، كنا جميعا نستعين بهاتين اللغتين حتى يكون تفاهمنا وتواصلنا أكثر نفعا وأجدى فائدة...

ومن هنا انتقلنا إلى مأدبة غذاء عمل دعانا إليها المعهد المذكور... كانت المائدة مستديرة متحركة على الطريقة الصينية، وكان تجدد حركة المائدة  يساعد بدوره في تجدد الحديث! لما يوجد بين المغرب والصين، وقد أخذت منا كلمة "الصينية" المستعملة بالمغرب نصيبا من الحديث، لأن الصينية بالفعل تعتبر من الأدوات الأساسية عند تقديم الشاي الأخضر فهي تجري على ألسنة المغاربة كل وقت وحين...

 وكل هذه المناقشات كانت تزيد من تقارب بعضنا بعضا، وتقوي من الرغبة في أن نعمل جميعا على التغلب على بعد المسافة التي تفصل بيننا، كذلك والتغلب على المشكل الثاني الذي لا يخفى على أحد هو مشكل اللغة!! 

لقد لاحظنا ولاحظ زملاؤنا معنا أن كلا من اللغة العربية واللغة الصينية تحتاج منا إلى عناية زائدة، وإلى ممارسات أكثر... ولعلي أكون على صواب إذا ما قلت إن زملاءنا يبذلون جهدا أكثر منا في التعرف على العربية، يبدو ذلك من نسبة الذين يقبلون على هذه اللغة... وإني إذ أقول هذا عن الاهتمام باللغة العربية في شانغهاي بالذات، أعرف أن معظم العواصم الصينية تهتم هي الأخرى بالعربية: جامعات ومعاهد...

إن الصين واعية جدا بمركزها الدولي وهي تعرف مدى أهمية اللغة العربية في هذا العالم، ولذلك فهي ما تنفك تشجع الدراسات العربية في الأوساط الثقافية....

لهذا كان مجرى الحديث على المائدة هو ضرورة تعدد المنابر من أجل تعليم العربية من جهة، وإنشاء مراكز ثقافية للصين في البلاد العربية من أجل فتح الآفاق أمام الذين يتوقون لمعرفة اللغة الصينية... وقد سجلنا بارتياح كبير إقدام عدد من الأساتذة الصينيين على نقل طائفة من المؤلفات العربية إلى اللغة الصينية، وفيها تآليف لأساتذة مغاربة أقيم لها معارض خصوصية في عدد من الدول العربية كان منها ترجمة رحلة ابن بطوطة موضوع حديثنا!

وخلال هذا جرى الحديث عن (المطبخ الصيني) وغناه وتنوع صحونه التي تعد بالآلاف وليس بالعشرات والمئات على ما يفيده الأرشيف التاريخي، وأعترف هنا بأن تناول الطعام بالأعواد كان مما يئسنا من تعلمه! مما جعلنا نعود إلى أصابعنا وشوكة الآخرين!!

 
     

مزيد من المعلومات
الإسم

اللقب
اتركوا رسالتكم هنا
البريد الإلكتروني
الهاتف
يرجى إدخال الرموز كما تظهر في الصورة أدناه *