الحس الموسيقي للرحالة المغربي ابن بطوطة  
 

موجز المحاضرة التي أعدها د. عبد الهادي التازي لمهرجان الموسيقى الروحية العالمية في دورته السادسة عشرة التي تنظمها مؤسسة روح فاس حول موضوع: سفر الروح من اللغز إلى الكشف

كانت رحلة ابن بطوطة فعلا صورة صادقة لحوار الحضارات في العصر الوسيط حيث استطاع الرحالة المغربي ابن بطوطة أن يعطينا فرصة لنعيش مع عوالم أخرى كانت بعيدة عنا بعد أن أستمتع هو بمشاهدتها والتعايش معها زهاء ثلاث عقود بالرغم مما يبدو وكأنه يعوق عن ذلك الاتصال...

كانت رحلة ابن بطوطة على ما يقوله المستشرق الفرنسي أندري ميكيل أعظم رحلة في تاريخ البشرية جمعاء بالنظر لما احتوت عليه من كل الخصوصيات التي تميز كل أمة من أمم عالم الأمس مما يفسر ترجمة الرحلة إلى أكثر من خمسين لغة، وأنها تقتحم كل بيت من بيوت القارات الخمس...

وتقديرا لهذا الرحالة المغربي أعطي اسمه، في سطح القمر، للتركيب الحلقي الذي يقع في الدرجة السابعة من خطوط العرض الجنوبية والدرجة الخمسين من خطوط الطول الشرقية، وذلك باقتراح من فريق خبراء المؤتمر العالمي لتنميط الأسماء الجغرافية الذي سبق وأن احتفل بذكرى ابن بطوطة في نيويورك بمناسبة مرور ثلاثين سنة على إنشاء المؤتمر المذكور.

وقد كان في صدر ما لفت نظري في شخصية الرحالة المغربي ابن بطوطة، علاوة على كل مزاياه، ظاهرة اهتمامه بحوار الحضارات وتعايش الثقافات وتساكن المعتقدات وما سماه ابن خلدون "تنازل" المجتمعات، حتى لكونت رحلته عندي مصدرا مهما للتاريخ الدولي في العصر الوسيط مما يعتمد عليه الناس حول العلاقات بين الشرق والغرب، وخاصة منها العلاقات بين الصين والعرب وأثر تلك العلاقات على حاضرنا باعتبار أن يومنا امتداد لأمسنا....

ولما كانت مظاهر الحضارة في الرحلة متعددة ومتنوعة فقد رأيت أن أختار منها جانبا من أنماط الحضارة كان نقطة لقاء الجهات جميعها... ويتعلق الأمر بجانب الموسيقى التي تدين لرجال التصوف بما تحتضنه من كنوز، مما يعني أن الموسيقى كانت محل "وفاق" من مختلف رجال الفكر، ومما يعني أيضا أن ابن بطوطة كان منفتحا على الدنيا التي يعيشها بمختلف مظاهرها ومكوناتها...

إن الرجل كان يعيش بطنجة، وما أدراك ما طنجة! نقطة اتصال بين المغرب وأوروبا وأرض الميعاد لكل التحف والطرف، وقد كان في صدر تلك التحف والطرف ذلك التراث الرفيع الذي ما تزال بلاد المغرب الأقصى تعرفه إلى الآن، ويتعلق الأمر بموسيقى الأندلس التي توجد – كما نعلم– على مرمى حجرة من المغرب! هذه الموسيقى التي تحمل عند عامة الناس اسم (الآلة) تمييزا لها عن الطرب الذي يقتصر على السماع والغناء...

ويتأكد أن هذه التسمية بالآلة كانت شائعة منذ عهد دولة بني مرين، (القرن الرابع عشر الميلادي)، عندما وجدنا الرحالة المغربي يستعمل هذا المصطلح وهو يجول في أطراف العالم، في قارة آسيا وفي قارة إفريقيا على ما سنرى...

كان ابن بطوطة رجل أريحية ومرح، فهو، ولو أنه مالكي المذهب على ما نعرف: يسأل في مصر عن قاضي المالكية، ويسترحم في المدينة المنورة على قبر الإمام مالك ابن أنس، ويعتمد في بعض أحكامه على ما يقوله هذا الإمام إلا أنه مع ذلك كان يخالف ما ورد في رسالة الشيخ أبي زيد القيرواني حول الطرب والغناء...!

وهكذا فابتداء من انطلاقه نحو بلاد المشرق، ومرورا بمصر والحرمين، والعراقين إلى إفريقيا الشرقية إلى أوزبيكستان، والقسطنطينية، إلى الهند، إلى الصين إلى أن ختم رحلته بالتنقل إلى بلاد السودان بإفريقيا الغربية... في كل تلك الجهات بدا أن الرجل كان ذا حس موسيقي رفيع المستوى.

وهكذا فقد أخذ في مصر بأهل الطرب والموسيقى، وأعجب بطريقة ترتيلهم للقرآن بالأصوات الحسان التي كانت تعتبر عنده عملا موسيقيا يعمل في العقول ما يعمله الغيث في الحقول على نحو ما أعجب بالحداة وهو يحتفون بالمحمل الذي يقصد البقاع المقدسة...

وكذا كان حاله وهو يعرج على بلاد الشام: دمشق التي شنفت أسماعه بالتلاحين الشجية، التي تكاد النفوس تطير لها رقة.

وحتى عندما قصد بلاد الحجاز، حركه الحديث عن إيقاعات الطبول التي كان الحجاج يسمعونها في كل ليلة جمعة عند الموقع الذي استشهد فيه أهل بدر... لقد استوقفته أسطورة (جبل الطبول) لأنه كان مولعا بإيقاع الطبول وما يتصل بالطبول.

وفي مكة المكرمة سمع عن عادة أهلها في عمرة رجب عندما يظهر أمير مكة محفوفا برجال الموسيقى الذين يزمرون في البوقات ويضربون الطبول الكبيرة والصغيرة مما عرف في ذلك الزمان بالدبابت، إشعارا بدخول شهر رجب... كان ينسى أنه يعيش مناسك العمرة ويتبع جوقة الطبالين والغياطين التي تنقر على شرف نقيب الأشراف الذي عينه ملك العراق، على ما جرى عليه العرف من إدخال السرور على الجمهور بمثل تلك النقرات التي لها معان ودلالات.

لقد كانت الموسيقى بالنسبة للرحالة المغربي بمثابة الدم الذي يجري في شرايينه، فهو متى رأى آلة الطرب كيفما كان نوعها اقتفى أثرها لأنه يرى أنها طريق مؤدية إلى السعادة والهناء والوفاق حتما، وقديما قالوا: المؤمن طروب...

وعندما وجد نفسه في محلة السلطان التتري أبي سعيد بها دور ملك عراق العرب والعجم، سحر بأهل الطرب الحافين بالركب السلطاني بمناسبة العيد: كل أمير من الأمراء بعسكره وطبوله وراياته... ويتقدم أمام الملك الحجاب وأهل الطرب، وهم نحو المائة، يلبسون الثياب الحسنة، وأمام أهل الطرب عشرة من الفرسان يتقلدون عشرة من الطبول، وخمسة من الفرسان لديهم خمس صرنايات وهي الليرات أو الغيطات... يضربون تلك الأطبال وينفخون في الصرنايات، ثم يمسكون ويغني عشرة آخرون نوبتهم، وهكذا إلى أن تتم النوبات العشر...

لم يجد ابن بطوطة حرجا في أداء هذا الوصف الدقيق لهذه الأجواق ليشعرنا بدور الموسيقى في سير دواليب الحكم وحياة الشعوب باعتبارها، كما يقول المؤرخون، شعارا من شعارات الدولة ... وهذا نفس التقليد الذي كان يجري عليه الملك الناصر ملك مصر والشام عندما كان يقوم بمناسك الحج.

وكأن ابن بطوطة كان موكلا فقط بتتبع أخبار الموسيقى وهكذا وجدناه ينص أيضا على هيام أهل اليمن بالطرب عندما يخرجون أيام السبوت في موسم التمور ليسهموا بدورهم في تنشيط الاحتفالات الشعبية المقامة بهذه المناسبة، ويتنقل إلى مقدشو، فيحكي عن سلطان البلاد الذي تحضر بين يديه الطبول والأنفار والأبواق والصرنايات... حيث ينعم الجميع، في كل جمعة بأهازيج ينتشون بها إلى جانب مليكهم( )...

أما (كلوة) فقد كان من عادتها أن تستقبل ضيوفها النازلين بساحتها بترتيب خاص يقوم هو الآخر على العزف والنقر إلى أن يبلغ الضيف مأمنه عند حاكم البلاد...

وقد بهت ابن بطوطة وهو في آسيا الصغرى عندما تعرف على سلاطينها وأمرائها وعادات فرق " الأخية الفتيان" فيها، عندما أمست الأيادي تتهاداه من إمارة إلى أخرى ومن بيت إلى بيت، وكانت الظاهرة التي سجلها ولم يستطع حماية نفسه من ترديدها هي الطرب والموسيقى في كل فضاء حيث كان يجد نفسه ومزاجه..!

فمع فرق " الأخية الفتيان" تحدث عن الغناء والرقص، وعند سلطان أكريدور  AKRIDOUR  تأثر بالأصوات الحسان التي يرتل بها القرآن، والتي تنفعل لها النفوس وتخشع لها القلوب، وتقشعر لها الجلود على حد تعبيره...

وهكذا في مدينة لاذق (LADHIQ)  وفي مدينة قونيه (QOUNYIAH) حيث روضة مولانا جلال الدين الرومي، وفي مدينة برصى(BOURSA) التي سمع فيها الترتيل بترجيع عجيب قبل أن يستمع إلى الغناء باللسان العربي ويسمونه (القول)، ثم باللسان الفارسي والتركي ويسمونه (الملمع)...

فهل هناك حديث عن دور الموسيقى ف تقارب الشعوب أكثر من هذا؟ ثلاث قوميات كبرى على ذلك العهد، لها نفوذ وجاه وقوة، ومع ذلك يجمعها قاسم مشترك: وهو النغم في حضرة واحدة... وفي بلاد أوزبيك وبالقسطنطينية عندما صحب الأميرة بيلون إلى أهلها... لا عيش للناس بدون الموسيقى، فهي التي تجمعهم وهي التي يجدون فيها الراحة من عنائهم.

إذا عجزت عن إسماع مخاطبك عن طريق اللغة، أية لغة، فعليك أن تسلك طريق اتصال آخر فإنك لا محالة واصل، هذا الطريق هو طريق الموسيقى... إن هذه الأدوات الصماء البكماء العمياء بتناغمها وتناسقها، وبما يصحبها من أصوات حسان، ناطقة بالطيب من القول، والجميل من الكلام هي التي تحمل مخاطبك على الالتفات إليك والالتفاف بك، والاعتكاف ببابك..!

لم تقدم لنا شهادة إلى اليوم حول تعايش الحضارات وحوار الثقافات مثل التي قدمها إلينا شاهد عيان في ذلك العصر الوسيط يحمل اسم ابن بطوطة..!

ولقد كان حريصا في بعض الأحيان على أن يعرف بالقوم الذين كان يحضر مجالسهم ويعرفهم على بلاده، وهكذا وجدناه وهو يحضر احتفال السلطان محمد أوزبيك خان في أجواء عاطفية ممتعة، وجدناه يتذكر ملك المغرب، وسلطان مصر والشام، وسلطان العراقين، وسلطان أوزبيك، وسلطان تركستان وما وراء النهر، وسلطان الهند ويختم بسلطان الصين الذي سيخصص له حيزا خاصا من مذكراته.

وهو في ضيافة يحيى الباخرزي بضاحية بخارى، وقبل أن يتبرك بزيارة ضريح الإمام المحدث أبي عبد الله البخاري، حضر مجلس جماعة من القراء بالأصوات الحسان... وقاموا بأداء نوبات بالتركي والفارسي على طريقة حسنة كما يقول رحالتنا.

وقد نقل إلينا لقطة رائعة عن أجواق موسيقية تصحب الأمير علاء الدين، والي مدينة لاهري (Lahéry)   في رحلته عبر نهر السند، لم تتوفر هذه الفرصة لأحد إلا لابن بطوطة الذي شاهد مدى حاجة الناس إلى حضور الموسيقى معهم أثناء تنقلاتهم... فهنا الطبول والأبواق والأنفار والصرنايات: كان جوقا كبيرا اشترك في مركبين، وهناك جوق ثان اتخذ مركبين آخرين أيضا، فتضرب الطبول والأبواق نوبة، ويغني المغنون نوبة، ولا يزالون كذلك من أول النهار إلى وقت الغذاء، ويأتي أهل الطرب إلى مركب الأمير فيغنون إلى أن يفرغ من تناول أكله.

قد استغرب ابن بطوطة عندما شاهد أن الموسيقى تحضر أيضا في مناسبات العزاء عندما ترافق الأرامل الهنديات اللاتي كن يحرقن أنفسهن حداد على أزواجهن!!

لما رأى الطبول والأبواق بين يدي المرأة التي كانت في طريقها إلى اللهب أغمي عليه.!! وكان عجبه أكثر وهو يسمع مع هذا أن الغناء والطرب يشق الفضاء على مدى ثلاثة أيام قبل الإقدام على هذه العلمية المروعة التي كانت تدخل ضمن بعض الثقافات الهندية!!

لقد كان ابن بطوطة يعرف عن تقاليد الوفاة التي تجري في العالم الذي يعيشه، تجري في جو من الحزن والحداد وليس في ذلك الجو الصاخب بالأبواق والطبول، حيث يحضر سائر أصدقاء الأسرة المنكوبة بمن فيهم المسلمون..!! إن التعايش في الهند بين مختلف المذاهب والديانات كان أيضا مما يهم ابن بطوطة تسجيله واستحسانه...

لقد كتب إلي زميلي الأستاذ البريطاني تيم ماكينطوش سميث (Tim Mak.Smith) يقول لي: إنه وقف على البقعة التي حكى عنها ابن بطوطة، والمعدة لعملية الإحراق والقريبة من مدينة أمجري (Amdjry)، مما يؤكد لنا مصداقية الرحالة فيما كان يرويه ويحكيه

لقد أخذت بلبه تقاليد الهند على اختلافها، وأعجب بنمط التعايش، والاحترام المتبادل بين سكان الهند بالرغم من تعدد ثقافتهم وتنوع معتقداتهم، وعزا ذلك لحكمة وتبصر القادة الذي وصف خروجهم لصلاة الأعياد بما كان يصحبهم من أجواق موسيقية متعددة القوميات، مزودة بالطبول والأبواق والصرنايات والشعارات والرايات علاوة على أسراب المغنيات.

ولم ينس ابن بطوطة، بطبيعة الحال، ما كان يجري في حفلات أعراس القصور التي يشرف عليها من سماه (أمير المطربين) التبريزي الذي يكون مصحوبا بفرق من الرجال المغنيين ومن النساء المغنيات والرواقص.

وهكذا نسمع أن هناك مؤسسات خاصة تشرف على هذا الإطار الموسيقي النسائي الذي كان يستدعى كلما اقتضى الأمر استدعاءه ليزيد في بهاء النزه التي تتجدد على نحو ما نراه عندما يخرج السلطان للصيد صحبة الأمراء والوزراء.

وهنا أيضا يكون حضور أهل الطرب الذين يحتلون في رتبة التشريفات، درجة الحجاب الملازمين للسلطان على ما قرأنا، لقد كان نصيب الفن على نحو نصيب المتنفذين!!

وإذا أردنا أن نعرف عن درجة ولوع الرحالة المغربي شخصيا بأمر الموسيقى وشأن الطرب، فيكفي أن نعرف أنه هو بذاته ولحمه وشحمه - الذي اعتذر في بعض الظروف لأحد الأمراء في بلاد فارس عن عدم حضوره مع أصحابه مجلس سماع( )- هو نفسه يخبرنا بأنه خرج في نحو من ثلاثين من رفاقه، واستصحب معه في بعض الأسفار أخوين من أرفع المغنيين  يسمعان النوبات المطربة في أثناء الطريق، ولما وصل إلى بلدة بجنور (Bidjnour) وجد بها ثلاثة إخوة من المغنيين فاستصحبهم فكانوا يغنون له نوبة، ويستمع إلى الأخوين الأولين نوبة أخرى.

وقد كان فيما بين دلهي ودار الخلافة في المدينة ما كان معروفا باسم (حوض الخاص)... كان على جانبه نحو من أربعين قبة، ويسكن حوله أهل الطرب، وكان مكانهم يسمى "طرب أباد" ولهم سوق هناك من أعظم الأسواق ومسجد جامع، إلى جانب مساجد سواه كثيرة...

وقد أخبرنا ابن بطوطة – وهذا من أطرف الأخبار التي يرويها – أن النساء المغنيات القاطنات هناك يصلين التراويح في شهر رمضان بتلك المساجد مجتمعات ويؤم بهن الأئمة وعددهن كثير، وكذلك الرجال المغنيون على ما سنرى.

وقد شاهد الرحالة المغربي أهل الطرب والغناء في عرس الأمير سيف الدين غدا بن مهنى، لكل واحد منهم مصلى (سجادة) تحت ركبته، متى سمع الآذان قام فتوضأ وصلى.

كان الفنانون لا يجدون في الغناء ما يخالف الدين... كانوا يعتبرون أن "كل شيء في وقته عبادة"على ما سمعته من أحد رجال الفن في بغداد!! العبادة لها وقتها، وراحة النفس لها وقتها!! أو كما يقول التعبير المغربي: "شويا لربي وشويا لقلبي".

وبمناسبة حديث ابن بطوطة عن التاريخ السياسي الذي كان يربط الهند بجارته الصين، عندما كان يصف الهدية الضخمة التي بعث بها ملك الصين إلى سلطان الهند، في عهد أسرة يوان (1271 – 1368) ابتغاء الحصول على إذن لبناء معبد على أرض كانت تابعة للهند، وبها "معلمة" يحج إليها أهل الصين... في معرض ذلك يتحدث ابن بطوطة عن الهدية الضخمة الفخمة التي أجاب بها ملك الهند إمبراطور الصين وأنها كانت أحسن وأثمن... إذ كان فيها مائة جارية ما بين راقصة ومغنية.

ولا بد أن ابن بطوطة لم يسق هذه التفصيلات عبثا، ولكنه كان يريد القول بأن أباطرة الصين كانوا يرتاحون من أمر مثل هذه الهدايا الفنية، ولا شك أن كل احد منا يقدر معنى وجود مائة جارية بما يصحبها من أدوات للموسيقى والطرب...

ولا بد أن نختم بالحديث عن ظاهرة حضارية رفيعة تميز بها ابن بطوطة، تلك أنه كان في صدر الرحالة – إن لم أقل الوحيد – الذين وظفوا المرأة في رحلتهم وخلقوا منها عنصرا فاعلا في جعل الرحلة مادة مرغوبا فيها من لدن الجميع!...

ومن المهم أن نفتح صفحة طريفة للحديث عن سوق المغنيين لمدينة دولة أباد وهي تحمل اسم (طرب أباد) على نحو ما ذكرناه، وهو بين دلهي ودار الخلافة، كان سوقا من أجمل الأسواق وأكبرها، فيها الدكاكين الكثيرة، وكل دكان له باب يفضي إلى دار صاحبه، وللدار باب سوى ذلك! والحانوت مزين بفراش، وفي وسطه نصب مهد كبير تجلس فيه المغنية أو تتمدد، وهي متزينة بأنواع الحلي بينما جواريها يحركن المهد.
وفي وسط السوق قبة عظيمة مفروشة مزخرفة يجلس فيها (أمير المطربين) بعد صلاة العصر من كل يوم خميس وبين يديه خدامه ومماليكه، وتأتي المغنيات، طائفة بعد أخرى، فيغنين بين يديه ويرقصن إلى وقت صلاة المغرب ثم ينصرف، وفي تلك السوق المساجد للصلاة ويصلي الأئمة فيها التراويح في شهر رمضان، وكان بعض سلاطين الكفار بالهند إذا مر بهذه السوق ينزل بقبتها، ويغني المغنيات بين يديه، وقد فعل ذلك بعض سلاطين المسلمين أيضا...

وابن بطوطة في مدينة قالقوط (Calicut) تحدث عن الأجواق الموسيقية التي تصحب رجال الحكم في المدينة... لقد كان حسه الفني لا يسمح له بأن يمر على مشهد موسيقي دون ما أن يصفه، لا فرق عنده بين أن تكون الموسيقى مدنية أو عسكرية، للعرب أو لغيرهم...

وهو في جزر مالديف يرى أن الطرب من مستلزمات الدولة، ولو أن حاكمة البلاد كانت هي السلطانة خديجة التي كانت من الصالحات القانتات...

وهو في زيارته لسومطرة التي مولت رحلته للصين وعودته منها... يرى ويسمع أهل الطرب الذين استحضرهم السلطان للتغني بين يديه... بل وأحضروا الخيول المجللة بالحرير والمحلاة بالخلاخيل الذهبية لترقص على نغمات المطربين، مثل ما كان شاهده وهو يقيم في بلاد الهند ... 

ولم تقدم إلينا شهادة لتعايش الناس وحوار الثقافات – أقولها ثانية وثالثة ورابعة- مثل ما قدمها إلينا الرحالة ابن بطوطة عن بلاد الصين... فهو يقول عن حكام الصين، إنهم يتدينون بدين غير الإسلام، ولكنه يقول في ذات الوقت: إن المسلمين ببلاد الصين لهم مساجدهم وهم معظمون محترمون المسجد إلى جانبه الكنيسة، لا فرق بين هذه وذاك، فليس الأمر على نحو ما كان من سابور ملك الفرس الملقب بذي الأكتاف، لأنه كان يثقب أكتاف معارضيه ويعلقهم منها حتى لا يجرؤ أحد على معارضته.

وصل ابن بطوطة إلى الصين عام 746 – 1346... وهنا أمكن له ان يزور، وبكل حرية، خارج مدينة الزيتون، زاوية من زوايا الشيخ أبي إسحاق الكازروني التي يدفع إليها التجار ما كانوا نذروه من مال حتى ينجو من معاكسة الرياح أو عدوان القراصنة لهم وهم على ظهور السفن.

وهنا أيضا يشهد أثار الموسيقى وأهل الطرب بما يتوفرون عليه من طبول وأنفار وأبواق يشترك في استعمالها والاستمتاع بها اليهود والنصارى والمسلمون وحتى عبدة الشمس.

وهنا، وهو بالصين – يحكي عن الأمير الصيني الكبير قرطى (Kortha) أمير الأمراء في مدينة الخنساء (Hangzhou)  الذي كان – على عظمة منزلته – يناول ضيوفه الطعام بيده...

والمهم ليس هذا ولكن المهم أن نسمع أن أمير الأمراء المذكور بعث ولده مع الرحالة المغربي ابن بطوطة وصحبه إلى خليج موجود على مقربة من المدينة بقصد النزهة، وهنا يحكي ابن بطوطة أنه أعدت له سفينة مع أصحابه، بينما ركب ابن الأمير سفينة محاذية، ومعهم أهل الطرب والموسيقى، قال: وكانوا يغنون بثلاثة طرق: على الطريقة الصينية، والطريقة العربية، والطريقة الفارسية.

قال: وكان ابن الأمير يبدي إعجابه بالغناء الفارسي،  فغنوا قطعة من الفارسي، وأمرهم الأمير بتكرارها مرارا حتى حفظها ابن بطوطة من أفواههم، قال: ولها تلحين عجيب، وذكر هذا الشعر:

تادل به مهرت داره در بحر أفتاده أم ٭  در نماز إستاده أم كوبي به محرابم دري

لقد كان هذا بيتا واحدا من الشعر، وليس بيتين كما رواه الناشرون جميعهم! – لسعدي شيرازي، من قصيدة له مشهورة مطلعها:

آخر نكاهي بازكن وقتي كه برما بكذري    يا كبر منعت ميكنكز دوستان ياد اوري

ومعناه: عندما نستسلم أمام الهموم والأحزان، نقع في سلسلة من الأمراض والمتاعب، لكننا عندما نقف في المحراب للصلاة نعود أقوياء.

لنتصور الحمولة الصوفية لهذا الشعر الذي اختزنته ذاكرة ابن بطوطة طوال عقود من الزمن... الشعر كما نرى لسعدي شيرازي الذي كان من مريدي الشيخ عبد القادر الجيلاني دفين بغداد، وكان من أهل السنة على ما يقول.

ولا بد لنا من وقفة مع شعر سعدي شيرازي المتوفى سنة 691 = 1291... فكيف وصل الشعر إلى الصين؟ ومن تقبل هذا الشعر؟ ومن وضع تلحينه ليصبح أنشودة يرددها المطربون في مجالس الأمراء؟ وكيف أن هذه الطبقة العليا في البلاد تمكن منها هذا الشعر الفارسي الذي كان يغنى في النزه؟

أسئلة كلها تصب في الموضوع المطروح اليوم على المهتمين بتاريخ الموسيقى، وعلينا نحن أن ننشد الطريق المثلى لمعرفة الحقيقة.

 
     

مزيد من المعلومات
الإسم

اللقب
اتركوا رسالتكم هنا
البريد الإلكتروني
الهاتف
يرجى إدخال الرموز كما تظهر في الصورة أدناه *