تتمة مقال الحس الموسيقي للرحالة المغربي ابن بطوطة  
 
ويعود ابن بطوطة من تلك النزهة الخليجية في الصين إلى دار الأمير قرطي حيث يجد أهل الطرب أيضا يستقبلونه بأنواع من الغناء العجيب الذي كان يحركه مرة أخرى لتسجيل انطباعاته عن تلك المجالس...

ولما تحدث ابن بطوطة عن عودة الخان الأعظم من قتال ابن عمه ذكر أن المدينة زينت جميعها لاستقباله، وكان من الطبيعي أيضا ان تضرب الطبول والأبواق وتستعمل الأنفار، ويشتغل أهل الطرب لمدة شهر كامل لمشاركة الشعب أفراحه بالنصر...

ولا بد أن نتحدث عما شاهده الرحالة المغربي وهو يعود إلى وطنه المغرب عام 748 = 1348 عبر بلاد فارس...  نعم لقد تحدث رحالتنا عن الدفوف والطبول والمزامير وسائر آلات الطرب والسماع وهو في جنوب فارس، بمدينة تستر (Thushtar).

وهكذا كان حديثه عن (شيراز) مسقط رأس سعدي شيرازي وهي مشهورة بأهل الطرب، ولم يسمع بتلاوة للقرآن أحلى وأوقع في النفس مما سمعه في شيراز.


٭ ٭ ٭


ولم يكتف ابن بطوطة بتتبع الطرب وأدواته وأهله بما أشار إليه وهو يزور بلاد الشرق الأقصى، ولكنه عاد ليقدم لنا ما شاهده في إفريقيا الغربية، في بلاد السودان عندما دخل قصر المنسى (السلطان) سليمان حيث وجد أيضا هواة الطبول والأبواق... قال: وبوقاتهم من أنياب الفيلة، وبعض آلات الطرب عندهم مصنوعة من القصب والقرع ، وتضرب (أي تعزف) بما سماه السطاعة وهي جعاب على شكل الليرة، ولها صوت عجيب يقول ابن بطوطة... ولعل القصد إلى الآلة المؤلفة من قضبان يعزف عليها بمطرقتين صغيرتين خشبيتين على نحو الآلة التي يستعملها أصحاب المقام العراقي في بغداد والتي تسمى (السنطور)، وهي تقارب في شكلها آلة القانون المعروف اليوم بمعظم البلاد...

قال: وعند جلوس المنسى سليمان على الكرسي تضرب الطبول والأنفار وهكذا لم تستثن أمة من الأمم من الاهتمام بالموسيقى والاعتماد عليها كوسيلة من وسائل الاجتماع...

وعند صلاة العيد يجلس السلطان بعد صلاة العصر، وينصب كرسي لمن سماه (دوغا) الترجمان، يجلس عليه ويضرب على الآلة التي ذكرنا: القصب وتحته قريعات (جمع قرعة)، ويغني شعر في مدح السلطان، يذكر غزواته وحملاته وفضائله، ويعني النساء والجواري كذلك ويلعبن بالقسي.


وأخبرنا ابن بطوطة أن هذا التقليد منهم لم يزل قديما عندهم قبل الإسلام فاستمروا عليه بعد اعتناقهم للإسلام الذي لا يعادي مثل هذا النشاط...

ومن الطريف أن نجد في هذا الشعر ما ينبه الملك إلى أن غيره من الملوك الذي تربعوا على عرش ملوك السودان فعلو كذا وكذا واكتسبو من الذكر الجميل كذا وكذا، ينبهون ملكهم إلى المصير، على نحو ما كان السلطان سليمان القانوني يقوم به عندما نصب أمام عرشه صورة نعش يذكره بعالم الأموات ومستقبل اليوم...


ولا شك أن ابن بطوطة وقد عاد نهائيا إلى عاصمة فاس وجد نفس الاهتمام بالموسيقى وأهل الطرب عند السلطان أبي عنان، ولقد قرأنا في سيرة هذا العاهل المغربي العظيم المتوفى سنة 1358 ما كان يتوفر عليه  من أطر موسيقية كانت أحيانا أطرا نسوية، حيث كان الجواري أثناء تنقلات الملك يغنين أعذب التلاحين وبأرق الأصوات النافذة إلى الأعماق لإفاضة الوجدان وتحريك العواطف، وكانت الطبول تقرع على نسب موسيقية وطرائق شرقية وغربية على حد تعبير ابن الحاج النميري في رحلته التي أصبحت في المتناول.


وقد قرأنا أواخر العهد المريني للقاضي أبي سالم الفجيجي ( ت 954 = 1547) قصيدته المعروفة بروضة السلوان التي يشبه فيها الذين لا يهزهم الوتر ولا يتأثرون بالنغم ولا يقومون برحلات للصيد بأنهم متخلفون في مزاجهم بل إنهم أشبه بالأنعام منهم بالإنسان.


فمن لم يحركه الربيع وزهره ولا العود حين تعتريه الأصابع

ولم يتأثر بالسماع ونحوه ولم يستلمه الصقر إذ هو دافع

فذاك مختل المزاج حقيقة ولا شك أن للحمار فيه طبائع!


وقد قرأنا عن حفلات تدشين قصر البديع في مراكش أيام المنصور الذهبي (ت 1012 = 1603) بما حضرتها من شخصيات موسيقية مرموقة من مدينة فاس وغيرها، وما نالته هذه الشخصيات من مكافئات سخية حركت من غيرة العلماء.!!


وقد تحدث السفير البريطاني جيل Giles عن جوقة كانت تعزف (الآلة) من خلال مشربيات ساترة للعازفين والعازفات، الأمر الذي كان يزيد في بهاء الاستقبالات الملكية.


وإذا ما تتبعنا التاريخ الدولي للمغرب فإننا سنجد أن بعض السفراء المغاربة إلى الدول الأوروبية كانوا يصحبون بأجواق موسيقية إذا كانت البلاد المستقبلة لهم مشهورة بالموسيقى على نحو ما نجده في (فيينا) التي كانت تحتضن أمثال الموسيقي الشهير موزار... وقد راح إليها سفيرنا المعروف ابن عبد الملك مصحوبا بفريق من المطربين معروفين بالاسم...


وقد تنبه بعض الأجانب للحديث عن الأموال المحبسة على الأجواق الموسيقية التي كانت تؤدي نوبات من الطرب إلى المرضى بالأعصاب كوسيلة للعلاج..!

هذا طبعا إلى ما يحتوي عليه النص الذي يستعمل في الأداء الموسيقي من إشارات لما يربط المغرب ببعض الدول التي تقع في فارس وكذلك على البحر المتوسط على ما تكشفه عنه القطعة الموسيقية "شمس العشي" التي يعرفها المغاربة ذكورا وإناثا، والتي ورد فيها ذكر مدينة البندقية:


يـــــا شمس العشــــــــــــيا أمهل لا تغب بالله رفقـــــــــــا!

في الــــــوادي المـــــذهب ووجه المليح مثل الثريـــــــــا!

والســــاقي مــــــــــــؤدب يسقي بأواني البنــــــــــــــدقيا


لقد كنت أتمنى، وما أزال أتمنى، أن يعنى فريق موسيقي متخصص بتتبع رحلة ابن بطوطة موسيقيا، يقوم بتسجيل قطع موسيقية عتيقة من البلاد التي زارها ابن بطوطة وأشار إلى وجود طبوع موسيقية بها، انطلاقا من المغرب ومرورا بمصر وبلاد الشام والحجاز... إلى اليمن وإفريقيا الشرقية، وآسيا الصغرى وبلا أوزبيك والقسطنطينية وسومطرة وبلاد السند والهند والصين وإفريقيا الغربية وبلاد السودان الغربي.


هكذا ستتوفر على تشكيلة من مظاهر العصور الوسطى تعبر عن مدى تواصل الحضارات وخاصة فيما يتصل بالموسيقى التي تظل أداة لتواصل الشعوب، وتبقى الوسيلة الوحيدة لدعوة الناس إلى التمسك  بالتراث من أجل الحوار البناء.


وبعد، فقد كان القصد من رصد حديث ابن بطوطة عن الموسيقى هو تعقب موقف الرحالة المغربي من موضوع حضاري في منتهى الأهمية، لا سيما وقد كان يتناوله بمختلف أدواته وترتيباته في عدد من القارات وطائفة من الجهات، غير غافل عن تزويدنا بأسماء بعض المصطلحات وأسماء بعض الآلات من التي اختفت أساميها اليوم أو كادت.


لقد كان قصدي من اختيار هذا الموضوع الحضاري الذي وجد فيه ابن بطوطة وفي عدد من المقاطع العنصر الذي يجمع بين الناس في الشرق والغرب... هذا الموضوع الذي ينبهنا – في واقع الحال- إلى ضرورة البحث عن كل الطرق الأخرى التي من شأنها أن تقرب الأجيال بعضها للبعض.


وإننا إذ نقدر كل محاولة لمدارسة موضوع التعارف الذي يعتبر اليوم، لنشد على يد كل الشرفاء الذين يعملون من أجل الصالح العام.







 
     

مزيد من المعلومات
الإسم

اللقب
اتركوا رسالتكم هنا
البريد الإلكتروني
الهاتف
يرجى إدخال الرموز كما تظهر في الصورة أدناه *