

| كلمة الأستاذ فيصل بن عبدالرحمن بن معمر .. هذا العالم الموسوعي | ||
الوفاء صفة دافئة، لا يحجبها شيء عن ولوج القلب، لتسكن هانئة، مطمئنة في سويدائه تتجدد قوة فعلها، وتتزايد نموا وثباتا مع الأيام.. وعلى رأس صرح الوفاء.. تأتي هذه التظاهرة احتفاء برمز من رموز ثقافاتنا العربية الإسلامية الأصيلة الدكتور عبد الهادي التازي.. وأجدني في حيرة من أمري لتفعيل هذه الصفة الحميدة من تلميذ الأساتذة، فشهادتي فيه مجروحة، ولكن حسب الصلة التي تربطني بمعاليه نبيلة، لأﻧﻬا من نبع الفكر، تتسلل من المعلم إلى تلميذه، ويبقى انتقالها من جيل إلى جيل، لذلك فهي محاطة بالبركة..وجميل أن نحتفي بالرواد الفاعلين في المشهد الثقافي العربي عامة والمغربي على وجه الخصوص، وفي طليعتهم معا معالي البروفسور عبد الهادي التازي، الذي تشهد له مسيرته الحياتية الحافلة بالعطاء الثر والغزير، كأحد أبرز الباحثين العرب ومحققي كتب التراث العربي.. والذي عرف بدأبه وتتبعه وقراءته للمخطوطات التي تتعلق بتاريخ الدول والمدن والأئمة... كذلك اهتمامه بالتاريخ السياسي بحكم عمله الدبلوماسي وثقافته السياسية، إضافة إلى تخصصه في حقل الدراسات العلمية والبحثية.
الكلمات تكاد ﺗﻬرب مني وأنا أتحدث عن رجل بحجم هذا العلامة، الذي كنت أحس أني أعرفه جيدا ولكنني في كل المرات كنت أتعلم منه جديدا وفي كل الأسفار التي أحظى بمقابلته، أو التي يأتي فيها إلى بلده الثاني المملكة العربية السعودية يأتي بكل الحب ليقدم إلينا أدبه وعلمه وفكره...يأتي محبا لهذه البلاد..عاشقا ومتيما ﺑﻬا وكله أمل أن ينقل إلى شباب اليوم جزءا من تجربته وحبه لهذه البلاد..وأعتبره كما غيري، جسرا من جسور التواصل بين الأصالة والمعاصرة.. رابطا مهما بين الماضي بمجده، والمستقبل المشرق، وأنا المدين له بالكثير أيضا على المستوى الإنساني..والدا ومفكرا موسوعيا ودبلوماسيا بالشكل الذي لا أستطيع أن أوفيه حقه....
تعرفت على معالي الدكتور عبد الهادي التازي، منذ وقت مبكر،في بدايات عملي بالإدارة العامة للمهرجان الوطني( للثرات والثقافة (الجنادرية) التي كان نجمها الأبرز، عرفته حينها، ومازال رمزا مشعا بحب الوطن العربي، الذي عمل من أقصاه دبلوماسيا..وخاصة منطقة الخليج العربي العراق، شامخا من شموخ تاريخ هذه الأرض.. به قوة وصلابة كجذور الثرات الذي تمتلئ ﺑﻬا أرضنا العربية الأصيلة من مشرقها الواعد إلى مغرﺑﻬا الناهض.
معالي الدكتور عبد الهادي التازي، شخصية لها حضورها الواضح في أبعادها الإنسانية المتنوعة، ثرية في بعدها الفكري، والدبلوماسي، والاجتماعي، وبعدها الإنساني، وبعدها الثقافي..كل من عرفه وتحدث معه ولو لفترة قصيرة يدرك ما تنطوي عليه هذه الشخصية من ثراء وتنوع، وإبداع.. يدرك سرعة البديهة،وحضور المعلومة، وتوظيف الفكرة. وقد انعكس هذا الثراء على أعماله الموسوعية المتنوعة المؤصلة لبعض العلوم والمعارف والآداب...
ولكني حقا، أشكر الأخوة القائمين على هذه الاحتفالية الجليلة بحجم معاليه، فما أحوجنا اليوم- أكثر من أي وقت مضى- إلى الإشارة إلى جهود الرواد باعتبار أعمالهم رصيدا مهما يضاف إلى الفكر الإنساني. وهي فرصة مناسبة للتعريف بإنجازاته، وتاريخه وجهاده ليتعلم منها الأجيال المقبلة كما تعلمنا نحن.. وأعتقد أن احتفالية الوفاء هذه تعطي زخما كبيرا في تقدير أعلامنا ورموزنا الثقافية والفكرية حق قدرها، كما أعتقد أن هذه الاحتفالية لا تخص معاليه بقدر ما تسلط الضوء على عطاء جيل بأكمله، بات ضروريا التعرف على إسهاماته، لتقويم المناهج والمقاربات والتطورات.
ألف باقة حب وود لشيخ المؤرخين وعمدة الرواة.. وعميد الرحالين العرب المعاصرين إلى معالي الدكتور عبد الهادي التازي..والدا وأستاذاوصديقا..
| ||
| كلمة الدكتور أحمد مختار العبادي: الدكتور عبد الهادي التازي النهر الخالد | ||
| ||
| كلمة الأستاذ ثابت الطاهر مدير عام مؤسسة عبد الحميد شومان | ||
لقد كان من من دواعي سعادتي أن أدعى لإلقاء كلمة بمناسبة حفل تكريم العلامة المفكر والمحقق الجليل الأستاذ الفاضل والأخ العزيز الدكتور عبد الهادي التازي، الذي أكن له كل تقدير ومودة، وأعتز بصداقته ومعرفته، مثلما أعتز وتعتز مكتبة عبد الحميد شومان باقتناء أعماله ومؤلفاته، التي تعتبر موسوعة علمية وبحثية وتاريخية وأدبية وفكرية شاملة.
ولقد تعمقت صداقتي وتعاظمت بالدكتور التازي حين حظينا باستضافته قبل بضع سنوات في مؤسسة عبد الحميد شومان في الأردن ، ليحاضر في منتداها الثقافي حول الرحالة العربي الكبير ابن بطوطة، فكان أن أضاء لنا محطات أخرى من حياة هذا الرجل الفذ لم تكن معروفة. ولقد توقفت كثيرا بإزاء هذا الاهتمام الذي يبديه الدكتور التازي بابن بطوطة، وكم شعرت بمبلغ الارتباط بينهما، ولا أظن بأني أجانب الصواب إذا قلت بأن التازي المولع بدراسة الحضارات الإنسانية وشد الرحال والتجوال، قد وجد في رحلات ابن بطوطة وقدرته على وصف عادات الشعوب وتحليل مشاهداته بدقة، ضالته للبرهنة على أن العرب هم دعاة حوار وتقريب بين الحضارات منذ الأزل، ولا دوافع مبطنة وراء توقيهم للانتشار والامتداد غير منفعة البشرية، وامتزاج الشعوب امتزاجًا إنسانيًا بما يكفل حسن التفاعل والجوار، وتحقيق أكبر منفعة ممكنة من هذا التمازج .
أما عن مسيرة حياة الدكتور التازي وحياته الحافلة، فتلك قصة شموخ أخرى لا يسع المتابع غير التوقف عندها طويلا. فهذا الرجل الذي بدأ حياته مكافحًا ضد الاستعمار فعانى ضروب الاعتقال والنفي ، ثم ابتغى العلم فحقق فيه تميزًا وتفردًا .. كل إنما يدل على مدى ارتباط التازي باللحظة الوطنية في كل تحولاﺗﻬا ... فهو جندي مخلص حين يتطلب الظرف الوطني الكفاح والمقاومة ، وهو عالم مبدع حين يتطلب الظرف نفسه البناء والتطور واللحاق بركب الحضارة، ولا أدل على ذلك من آثاره العلمية والفكرية والأدبية في كل الحقول التي طرقها باحثا ومحققا؛ والتي يربو عددها على نحو خمسة وخمسين مؤلفًا ما بين أعمال منشورة أو معدة للنشر، فضلا عن إنجازاته الوظيفية في كل المواقع التي شغلها وترك بصماته الواضحة عليها. وأنا على يقين أن مثل هذا الكم الضخم من الإنجاز البحثي، يستحق أن تعقد من أجله ندوات ومؤتمرات عدة لسبر أغواره، والكشف عن مكنوناته.
| ||
| كلمة الأستاذ عباس الجراري: الدكتور عبد الهادي التازي....كما أعرفه | ||
حين طلب مني أن أشارك في هذا الحفل الكبير غمرني شعور بالبهج والحبور، لما ينم عنه التكريم في حد ذاته من وفاء وعرفان، وتقدير لجهود أبناء الوطن العاملين في جميع الواجهات من أجل رقي هذا الوطن وتقدمه. وقد زاد عندي هذا الشعور البهيج، والحفل يتعلق بالأخ الكريم الأستاذ الدكتور عبدالهادي التازي، الذي لا تخفى مكانته الطليعية بين أقرانه من العلماء والباحثين والأكاديميين المرموقين، ليس على مستوى المغرب فحسب، ولكن على صعيد العالم العربي والإسلامي والدولي كذلك. إلا أني حين عزمت على المشاركة وتقديم شهادة في حق المكرم الفاضل،أحسست ببعض التردد والحيرة. أما التردد فبسبب اتساع موقعه الجامع في رحابه بين النبوغ المبكر الذي ظهر به وسط نظرائه من طلبة القرويين وشباب فاس المتنور، وبين مواقفه الوطنية الرائدة، وإنجازاته العلمية العديدة، وكذا المسؤوليات السامية التي تحمل أعباءها بكفاية فائقة وخبرة كبيرة، في مختلف اﻟﻤﺠالات التعليمية والثقافية والسياسية على مدى أزيد من نصف قرن، ومازال ينهض ﺑﻬا في إقبال على الحياة بتفاؤل واستبشار،وبنشاط دائب وروح شباب دائم لا يشيخ.وأما الحيرة فناتجة عن هذا الاتساع الذي تجليه رحابة فكرية أجد معها صعوبة في الوقوف عند بعض جوانبها، وهي كلها لخصبها وغناها تغري، ليس بمجرد الحديث عنها، ولكن لإفاضة القول فيها بما هي جديرة به، وكذا بما هو جدير به من إشادة وتنويه.ولعلي أمام هذا الشعور المتردد الحائر، أن أكتفي باستحضار بعض ما يصلني بالصديق العزيز ويشدني إليه، في علاقة وطيدة منذ تسنى لي في أواخر سنوات الأربعين وأوائل الخمسين من القرن الماضي، أن أراه لأول مرة في الرباط، ولا سيما في مجلس والدي رحمه الله، حين زاره لإهدائه بواكير إنتاجه المتمثلة على ما أظن، في "تفسير سورة النور" و"شرح لامية العرب". وكان يرافقه في هذه الزيارة الوجيهان المرحومان عبد اللطيف التازي وعبد الله ملين. ثم رأيته بعد ذلك في مجلس العلامة سيدي المدني ابن الحسيني تغمده الله بواسع رحمته، وكان السيد الوالد يأخذني معه في مثل هذه الزيارات، وأنا يومئذ تلميذ المرحلة الابتدائية والإعدادية. والحقيقة أني منذ هذه اللقاءات ارتسمت في ذهني صورة الشاب التازي القادم من فاس، يحمل شهادة العالمية من جامعة القرويين التي أصبح مدرسا ﺑﻬا، والمتطلع بحماس نادر إلى الاستزادة المعرفية وتمتين الأواصر مع الشخصيات العلمية والوطنية البارزة في تلك المرحلة، وخاصة في الرباط حيث كانت له لحمة أسرية بآل التازي وملين، جعلته يكثر الزيارات ويطيل المقام، مما أتاح له اكتساب صداقات رباطيه كان دائم الإعراب عن اعتزازه ﺑﻬا. وقد كانت الرغبة في مثل هذه الاستزادة المعرفية مقرونة عنده- وما تزال- برفقة القلم والقراطيس وتقييد الفوائد والفرائد. ولست أشك في أن هذه الرغبة كانت حافزه إلى إتمام دراساته العليا في جامعة محمد الخامس بالرباط، ثم جامعة الإسكندرية في مصر الشقيقة. ولا أخفي كم كنت أعجب به وبأحاديثه ومروياته وما يحكيه من نوادر وطرائف، بأسلوب تزيد في جاذبيته بشاشته وابتسامته ووداعته. ثم توالت لقاءاتنا الثقافية في رحاب جامعة محمد الخامس، حين التحقت ﺑﻬيئة التدريس فيها، وكان هو يدير المعهد الجامعي للبحث العلمي. وقد كثرت هذه اللقاءات بعد ذلك في أكاديمية المملكة المغربية، وغيرها من المؤسسات العلمية، كمجمع اللغة العربية بالقاهرة، ومؤسسة آل البيت في المملكة الأردنية الهاشمية.وكانت كلها تتيح لي شخصيا فرصا لمزيد من الاستمتاع بصحبته في مرافقته وموافقته، وخاصة في المنتديات الخارجية التي كنا نحضرها، وما تستدعي من أسفار وتنقلات هي وحدها كانت كفيلة بالكشف عن عمق الصداقة التي تجمعنا، والتي يوطد أواصرها ﺑﻬدوء طبعه وصفاء سريرته وحسن طويته، وكريم شيمه التي منها وفاء صادق وإخلاص خالص، ورغبة تلقائية في التواصل مع الآخرين بتواضع يزين لطيف معشره وسماحة فكره. وكانت هذه الصداقة تتقوى عبر ما كنا نناقش من قضايا وطنية ومشكلات فكرية ومسائل لغوية، وما كنا نتبادله ونتهاداه من منشورات علمية، كان له فيها القدح المعلى وقصب السبق. وإذا كان اﻟﻤﺠال لا يتسع للحديث عنها كلها، فلا أقل من الإشارة إلى بعض منها، ولا سيما إصداراته الرائدة التي أغنت البحث التاريخي بجميع فروعه – تأليفا وتحقيقا – والتي يناهز عددها الأربعين، كتحقيقه الدقيق لكتاب "المن بالأمانة "لابن صاحب الصلاة، ودراسته المعمقة عن "جامع القرويين المسجد الجامعة بمدينة فاس"، دون إغفال "التاريخ الدبلوماسي المغربي" الذي هو بمجلداته العشرة موسوعة متفردة في بابه. | ||
| كلمة السيد حسن أوريد: عبد الهادي التازي...هذا الماهد | ||
هل يمكن للعالم وكل صاحب معرفة أن يسمو ويتميز إن هو لم يرتبط بثقافة ما أو مرجعية فكرية أو قاعدة أخلاقية ؟ قد يكون صاحب معارف يحملها ودروس يزجيها وتقنيات يحذقها، ولكنه لن يسمو أو يتميز ... فالمرجعية الفكرية والقوام الثقافي هو ما يمنح العالم تميزه، بل هو ما يعطيه النفس، بل هو ما يجعله رسالة ﺗﻬون دوﻧﻬا الشدائد وتذلل من خلالها الصعاب ... وعبد الهادي التازي من طينة هؤلاء ... هو من الفرسان الأواخر لرعيل من الماهدين أصيبوا على حين غرة حينما حلت بساحتهم قوة حضارية فرضت عليهم هيمنتها العسكرية والسياسية والفكرية، بل سلبتهم حريتهم واستقلالهم ... وكيف تساير الخسف؟ قوة كانت فيما سلف ضاربة يضرب لها ألف حساب، فتحت الأندلس ونشرت الإسلام في أصقاع إفريقيا وأقامت حضارة لا تزال معالمها، أو بعض منها ماثلة للعيان... وتساءل عالم في قصيدة تنضح أسى هو المختار السوسي :
حتى متى شعبي يعبده الجهل * كأن لم يكن قطب السيادة من قبل... !
سرى هذا السؤال في النفوس سري النار في الهشيم، وانثنى أغلبهم إلى تلك القوة التي قارعوا ﺑﻬا الصعاب: الإسلام... ولكنهم أدركوا أن شيئا ما اعتمل في العالم، وأنه إن كان لزاما عليهم أن يعضوا بالنواجذ على الإسلام، فليس عليهم أن يديروا ظهورهم ما انتهت إليه التجربة الإنسانية من علوم ومعارف... أليس يدعو الإسلام إلى التقاط الحكمة أنى وجدت ؟
هؤلاء الماهدون هم الذين صنعوا الحركة الوطنية ... صنعوا قاربا لا يقل أهمية عن قوارب طارق بن زياد ... في صنيع طارق الماجد اقتحام، وفي صنيعهم صمود ... وكان نسخ هذا الدوح هو مرجعية فكرية وقاعدة ثقافية من هذا المعين أخذ الأستاذ عبد الهادي التازي ... ارتبط على غرار أبناء جيله، بمنظومة أخلاقية تنهل من الإسلام، ولم يكن الإسلام في وجدان هؤلاء ينفصل عن اللغة العربية، ولذلك سعوا إلى الحفاظ عليها، بل في تطويرها. وتأثروا بأساليب الشرق وأدركوا دور الصحافة في نشر الوعي، بل ودورها في بعث الحياة في اللغة العربية، التي أصاﺑﻬا الوهن والجحود، لا تنضح بالحياة ولا تحمل أسرار الكون ولا تعين على الدهر ... كانت الكتابة ﺑﻬا وبأسلوب عصري خال من المستنبطات البلاغية، التي كانت تسمى مجازا بالمحسنات، عملا نضاليا وامتشق الفتى عبد الهادي قلمه يصور ما في الحياة بأسلوب رقيق رشيق، ينط كما تنط الطيور، ولا يؤوده أن يقتحم قضايا اﻟﻤﺠتمع، ولا يزعجه أن يزاوج بين الجد والهزل ... وكان من الرواد الذين أدركوا أن اللغة وحدها لا تكفي، وأنه ينبغي أن تستند إلى معرفة أكاديمية ولذلك حضر عملا رصينا، نال عنه جائزة الدكتوراه عن جامعة القرويين، وما أدراك ما القرويين. أليست هي التي حمت بيضة الإسلام في الغرب الإسلامي ؟ أليست الصخرة التي تكسرت عليها حراب المعتدين ؟ وهل يمكن أن يفصل هذا الموضوع عما قام به أعلام من هؤلاء الماهدين فيما أكبوا على تواريخ مدﻧﻬم ومناطقهم، مثل صنع المختار السوسي في سوس العالمة، والفقيه داود في تاريخ تطوان، وأبو العباس التعارجي في تاريخه لمراكش، وأبو جندار في الاغتباط في تاريخ الرباط وهلم جرا...
كان صيت عبد الهادي التازي يسبقه، ولم يتح لي أن رأيته رأي العين إلا يوم الجمعة تاسع يوليه سنة 1978 وقد حل أستاذا لمادة الفكر الإسلامي بالمدرسة المولوية ... كان يحمل شيئا فريدا عبر زاده الأكاديمي، وعبر قوامه الثقافي والفكري، كان يحمل تجربة ثرة في العمل الدبلوماسي، كان قد أتى توا من العراق حيث شغل منصب سفير هناك مرتين اثنتين تخللتهما سفارته في ليبيا... وكان أن زاوج في دروسه معرفته الأكاديمية مع تجربته الميدانية... وكانت كل الإحالات التي تحملها دروسه من أحمد أمين وسامي النشار فيما يخص الفرق الإسلامية والمذاهب والنحل لا تضاهي تجاربه للتدليل عن "تقية" الشيعة... وكان ذلك يثير لدينا فضولا،
أو ليس من خصائص التربية الجيدة إثارة الفضول؟ وكان يحدث أن تندر على استنتاجاته حول الاتحاد السوفيتي، وعن بؤسها الروحي، وعن ماديتها ... كان بعضنا يرى في تلك الاستنتاجات ضحالة معرفية وغبن رؤية وتأثير تربية بورجوازية ... كذا... كنا أبناء عصرنا، وكان عبد الهادي التازي يصدر في حكمه عن عمق تاريخي وحدس حضاري. ولذلك حينما نطق التاريخ بحكمه ثلاثون سنة بعد ذلك، كان عبد الهادي التازي على صواب وكنا على خطأ ...
وكان يحلو لنا أن نردد معه تلك المحفوظات التي نظمها المغاربة لتعلم اللغات الأجنبية. أذكر منها ما يخطر على بالي عفو الذاكرة:
كلمة الصباح عندهم "بونجور" ولفظة الدوام عندهم "توجور"،
الرأس طيط والأنف ني، والعنق "كو" ، وفي التعبير عن كثير قل "بوكو"
وماذا يعني كل هذا ؟ أفلا يعني أن المغاربة أرادوا أن يعلموا ما لدى الآخر من معارف وأن يتعلموا لذلك لغته وفق أسلوب متواضع حوله: النظم... مثلما يتعلمون ألفية ابن مالك وفقه ابن عاشر نظما... وقد لا تشاطرهم أسلوﺑﻬم ذاك، ولكن أليس في ذلك آية من رغبة المغاربة على الانفتاح ومعرفة الآخر...
ثم غادرنا عبد الهادي التازي، وقد يكون ذلك في ربيع 1979اختير لأن يكون سفيرا بإيران لدى الجمهورية الإسلامية الإيرانية... ومن يستطيع أن يمثل المغرب سواه وهو الذي عرف المرجعيات الشيعية كما أنه كان سفيرا بالعراق، وهو العارف بالملل والنحل، وهو الشاهد على ما كان يعتمد بالحوزات العلمية في النجف وكربلاء ... لا أزال أذكره وقد وقف خطيبا يودع زملاءه من الأساتذة بالمدرسة المولوية وتلامذته، يستشهد ببيت للمتنبي أسمعه لأول مرة :
خلقت ألوفا لو رجعت إلى الصبا لفارقت شيبي موجع القلب باكيا ... !
وهل هناك من دلائل الوفاء ما تضمنه هذا البيت من أخلاق وشيم ؟
والتحق أستاذنا بمنصبه في طهران وقام بما تفرضه عليه السفارة من إصلاح ذات البين حتى عادت المياه إلى مجاريها، لكن الرياح لم تلبث أن تغيرت، وعاد السفير إلى قواعده في جامعة محمد الخامس. ووجدت عبد الهادي التازي أستاذا بكلية الحقوق، وقد تكون السنة 1984 أو 1985 ، وكان آنذاك يدرس التاريخ الدبلوماسي للمغرب... وكانت دروسه آنذاك نواة مشروع طموح هو موسوعة للتاريخ الدبلوماسي للمغرب... ولا أزال أذكر جولاته في تاريخ المغرب الدبلوماسي الموغل في القدم، قبل الإسلام، ولا أزال أذكر إحالاته إلى تنافس مماليك نومديا وموريتانيا القيصرية والطنجية... لم يكن هذا المشروع اعتباطيا، مشروع هذه الموسوعة، التي رأت النور سنوات قليلة من تلك الدروس... أليست الدبلوماسية تعبيرا عن سيادة دولة ما... أو ليس هذا الإيغال في التاريخ شهادة على عمق هذه الأمة التاريخي... ما التاريخ؟ أليس هو مختبر العلاقات الإنسانية؟ أليس هو كتاب (العبر)، كما سماه ابن خلدون للعمران البشري ... أليس تاريخ دبلوماسية المغرب مختبر يفيد المؤرخ والدبلوماسي على السواء؟ بين رسالة عبد الهادي التازي حول جامعة القرويين وبين موسوعته الدبلوماسية وشيجة قوية. هما، لو شئت أن أستعمل تعبيرا أثيرا للفيلسوف الفرنسي باسكال، المنتهى الأصغر – فاس والمنتهى الأكبر – تاريخ الدبلوماسية، لأمة عريقة ذات مجد أثيل وحضارة راسخة ...ثم نذر عبد الهادي التازي حياته لمشروع علمي لا يقل أهمية عن تلك الصروح التي أقامها، وهو يريد ﺑﻬا مجد أمته وعراقة بلده هو تحقيق رحلة ابن بطوطة... ما ابن بطوطة؟ رحالة مغربي شهير جال بلدانا عديدة، وكفى... ذلك أن من الظهور الخفاء، وهو مثل لم يفتأ عبد الهادي التازي يردده في دروسه ولقاءاته، وهو يحق أن يكون شعارا للباحث الرصين... فالظاهر يخفي الباطن، وما يظهر لا يفصح عن سره ما لم يتدبره المرء بعقله وعلمه... ولذلك جعل عبد الهادي التازي وكده أن يسير غور عالم رحلة ابن بطوطة. وما أحسب أن ما أقدم عليه عبد الهادي التازي بمسبوق...وعسى أن تمتعني الأيام في قراءة تحقيق عبد الهادي التازي. ما قرأته عن رحلة ابن بطوطة يعود إلى عهد الصبا في نسخة مختصرة تجارية لا تفي بالغرض ... ويحضرني ما قاله لي الأديب لطفي أقلعي الذي كتب رواية منتقاة من هذا الرحالة الفريد الذي جاب أدغال إفريقيا والهند ومهامه بالصين وجزر البحر الهندي،إنه تعلم ما المغرب وعبقريته من خلال سيرة هذا الرحالة الفذ...وإذن هو قاسم مشترك في كل ما أكب عليه عبد الهادي التازي،عبقرية الأمة المغربية سواء أتجلت في عمارﺗﻬا وعمراﻧﻬا، وهوموضوع فاس، أو في سياستها الخارجية، أو في رجالاﺗﻬا، وابن بطوطة أحد هؤلاء الرجال الأفذاذ الذي ﺑﻬم نفخر ...
أعود إلى عوالم الدبلوماسية، وإلى دروس عبد الهادي التازي التي كان يقدمها بكلية الحقوق بالرباط، أعود إلى ذلك والذاكرة تلح علي، وأنا أكتب ما أكتب عفو البديهة وعلى السجية، أعود إلى ذلك الدرس الذي كان يرصعه بآية قرآنية كانت الثابت في العمل الدبلوماسي المغربي ... قد يكون فيما أقوم به إقحاما، ولكن لن تستقيم هذه الشهادة التي أرادها الأستاذ عبد الهادي التازي من واحد من تلامذته دون أن أذكر تلك الآية الكريمة :
"وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر، إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق" ...وعسى أن يتاح لي فهم أوجه هذه الآية الكريمة مثلما أتيح للأستاذ عبد الهادي التازي أن يقدم شرحا لها ...
هل وفيت الأستاذ عبد الهادي التازي حقه في هذه الشهادة ؟لا، فهو أجل مما قدمت... بيد أن لي في تقديمها – رغم قصورها– شفيعا، وهي أني أريد من خلالها تقديم عرفاني لرعيل من الماهدين، أولئك الذين أقاموا صرح الحركة الوطنية بإيماﻧﻬم وتضحياﺗﻬم، لم يثنهم عن ذلك ضعفهم وهواﻧﻬم على الناس... هو عرفان لهم وعرفان لآخر الفرسان عبد الهادي التازي... وقد أكون أغفلت جانبا من شخصيته هو أسماها بلا منازع دماثة خلقه وكريم سريرته، وهل كان يبلغ ما بلغ لولا تلك المضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله ألا وهي القلب | ||